فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 132

الفصل الرابع

الآراء الحديثة في قيمة الفلسفة

للحقائق الدينية التي بحثنا فيها مصادرُ عاطفيةٌ ودينية وجَمْعِيَّة، ولكن ما لها من

المصادر العقلية قليلٌ إلى الغاية، وللمبادئ الفلسفية التي فَرَغْنا من البحث فيها مصادرُ

عقليةٌ ودينية، فليس للعناصر الجَمْعِيَّة والعاطفية سوى تأثير ضعيف جدٍّا في تكوينها.

وليس من السهل تعريفُ الفلسفة الحاضرة؛ وذلك لتَحَوُّل معناها على الخصوص،

وفيما مضى كان يَلُوح للفلسفة تفسيرُ الحوادث وتعيينُ عِلَلها الأولى، وفيما مضى كانت

الفلسفة تختلط بعلم اللاهوت فافترقت عن هذا العلم بالتدريج، ثم أخذت تناهضه.

ومعظمُ الفلسفات الحديثة يَزْعُم قيامَه على العلم في كلِّ وقت، ولكنه يختلف عنه في

أمر أساسيٍّ، فالفلسفة إذ كانت وليدةَ الخيال الذي يُفَسِّرُه العقل فإِنها عُنْوَان أقصى ما

يَصِل إليه العقل غيرَ مستعينٍ بالمناهج التَّجْرِبِيَّة، والعلمُ، وإن كان يشتمل على فَرْضِياتٍ

ناشئة عن الخيال، يَضَع هذه الفَرضياتِ تحت رَقَابَة التَّجْرِبة والترصد.

وهذا الفرق هو من أهمِّ الأسباب التي تجعل الفلاسفة دون العلماء، فالفلاسفةُ ليس

لديهم من وسائلِ تَرَصُّدِ العالَم غيرُ ما تشهد به حواسُّهم على حين يُوَسِّع العلماء حدودَ

هذه الحواسِّ بطائفة من الأجهزة، وما اتَّفَقَ لمبادئ الكَوْن من التحول بفضل استعمال

تلك الأجهزة لم تَسْطِعْ أيةُ فلسفة أن تستدلَّ عليه، فما دار حَوْل عَدِّ كُرَتِنا الأرضيةِ مركزًا

للعالَم من الأفكار فقد قُلِبَ رأسًا على عَقِب بفعل اكتشاف آلاتٍ دَلَّت على أن أرضَنا ليست

غيرَ كوكبٍ سَيَّار صغير سابح في الفضاء بين ملايين النجوم، وكذلك هُدِم ما دار من

النظريات حَوْلَ الخِلْقَة عندما أسفر التَّرَصُّد عن كون الموجودات الحاضرة اشْتُقَّتْ من

أنواعٍ سابقة بتحولاتٍ وِراثية بطيئة متراكمة.

ومبادئُ الفلسفة إذ لا يمكن تحقيقها بالتَّجْرِبة كانت العناصرُ الدينية ذاتَ دَخْلٍ في

وضعها، فغاص أكابر الفلاسفة العقليين، كدِيكَارْت وكَنْت وأوُغُوسْت كُونْت، في الدينيات

من حيث النتيجةُ، وما مبادئُ كتاب «انتقاد العقل العملي» اللاهوتية، وما تأسيسُ الدِّيانة

المعروفة بالوَضْعِيَّة مؤخرًا إلَّا أمثلةٌ بارزة على ذلك.

والفلسفةُ، لضَعْف وسائل الاستقصاء فيها، اضْطُرَّت بالتدريج إلى أن تَتْرُك للعلم ما

كانت تَزْعُم حَلَّه من المسائل، ثم اقتصر عملها في نهاية الأمر على ما بعد الطبيعة الصِّرْفَة

تقريبًا.

فمن أَجْلِ تلك الأسباب المختلفة رأى كثيرٌ من الأَلِبَّاءِ في الوقت الحاضر أن الفلسفة

من المعارف الثانوية بعد أن كانت تُعَدُّ على رأس العلوم.

وإليكَ كيف يُلَخِّصُ رئيس المجمع العلمي الِمفْضال إميل پِيكار رأيَ العلماء

المعاصرين في الفلسفة، قال پيكار:

من النادر، كما أرى، أن تَجِد بين العلماء المُتَبَتِّلين إلى العلوم الطبيعية من

يَأْبَهُون إلى الفلسفة بالمعنى الصحيح ... وتبدو المناقشاتُ حَوْلَ الحقيقيِّ

والصحيح، العزيزةُ على المذاهب الفلسفية في كلِّ زمن، من اللَّغْو لدى من

يتخذون التجرِبة والترصدَ رائدَيْن لهم ... وينْظُرُ العالِم بعين الحَذَر إلى دقائق

النَّقْد التي لم تُؤَدِّ إلى اكتشافاتٍ فَعَّالَة ... ويَرى العالِم، على العموم، أن

الفيلسوف يتكلم بلغة غير لغته فلا يحاول أن يَفْهَمَه ... وتُثِير الفلسفة، في

الغالب، مسائلَ بلا جواب.

وجاء في كتاب أرسله إليَّ صديقي العالمُ المشار إليه يُؤَيِّد فيه رأيَه ذلك كما يأتي:

أرى من الواجب أن تُحْفَظ كلمة الفلسفة للقصائد والأخَيِلَة حَوْلَ ما بعد

الطبيعة، فهنالك نباتاتٌ لا تُغْرَس في المُخْتَبَرَات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت