فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 132

تَتَكَشَّف جميع الحوادث التي يَتَأَلَّف الكَوْن من مجموعها بما تُسْفِر عنه من الانطباعات

على حواسِّنا، فالحواسُّ تَظَلُّ واسطةً بين الكَوْن الحقيقيِّ وبيننا.

والعقلُ، حين يُفَسِّر تلك الانطباعات، يأتينا بصورةٍ تُقْبَلُ على أنها صورةٌ صادقة

للعالَم الخارجيَّ وإن لم تشابهه.

ولا تَفُوتُنا طبيعة الأشياء الحقيقية إلَّا لأننا نَعْرِف العالَمَ الخارجيَّ من خِلال

حواسِّنا فقط، ولو افترضنا أن الحواسَّ تُرِينَا الكونَ الحقيقيَّ وأن الصوتَ ليس وليدَ

أذُُننا وأن الضياء ليس نتيجةَ تركيب شَبَكةِ عيننا لظَلَّتْ معرفتُنا للأشياء ناقصة أيضًا،

ما دامت حواسُّنا والأجهزةُ التي تُوَسِّع مداها لا تَكْشِف لنا عن غير أجزاءٍ قليلة من العالَم

الحقيقيِّ، والعينُ، مثلًا، لا تُبْصِر سوى عُشْر الطَّيْفِ اللامع، والعينُ لو كانت قادرة على

تمييز الإشْعَاعات التي تَصْدُر عن ذوات الحياة بسبب درجة حرارتها لأمكنها أن تَرَى

ذوات الحياة هذه في الليل، والكائنُ الذي نُبْصِره هو شكلٌ وهميٌّ ناشئٌ عن حواسِّنا، فلو

انتهينا إلى تأَمُّله كما هو في الحقيقة، أي مُحَاطًا ببخار الماء الذي يتصاعد منه وبالشُّعاع

الذي ينشأ عن حرارته، لَبَدَا هذا الكائنُ لنا ذا منظرٍ سَحَابيٍّ مُتَبَدِّلِ الاستدارات.

وحواسُّنا إذ كانت لا تستخلص من الحقيقة غيرَ ما هو سهلُ الالتقاط كانت الصُّوَر

التي تقتطعها حواسُّنا من الحقيقة مصنوعةً إلى الغاية بحكم الضرورة، ونحن لا نَرْسُم

سوى الظواهر بجعلنا في المتصل منقطعًا وفي غير المحدود محدودًا، وإذا ما قيل إن

استدارات الجسم الحقيقيةَ لا تَقِف إلا حيث ينقطع هذا الجسم عن الحركة وَجَب أن

يقال إن هذا الاستداراتِ لا تَقِفُ أبدًا، فقطعةُ المَعْدِن في اليد تتحرك لتجاذبِها هي وأبعد

الكواكب، وتبادلِهما الإشعاع، فلا تُوجَد، إذَنْ، في الفضاء حدودٌ غيرُ التي يَرْسُمها إحساسُ

حواسِّنا أو أجهزتُنا، ونحن إذا ما ثَبَّتْنا هذه الحدودَ لم يكن ذلك حيث ينقطع الجسم

عن الحركة، بل في المكان الذي يعود غيرَ مُؤَثِّر في حواسِّنا الناقصة.

إذَنْ، تُوجِد ذواتُ الحياة، أو تُحَدِّد، على وجهٍ مصنوع، عناصرَ الكَوْن بحسب

إمْكانِيَّاتها الإحساسية.

ويكون لمخلوقاتٍ ذاتِ حواسَّ مختلفةٍ عن حواسِّنا رأيٌ في الكون غيرُ رأينا، ومن

المحتمل أن يكون من شأن حواسِّ بعض الحيوانات شعورُ هذه الحيوانات بصِفَاتٍ

مجهولة لدينا، فالحقُّ أن كثيرًا من الحيوانات يُرَى في الظَّلْماء، وأن حيواناتٍ أخرى ذاتُ

حِسٍّ في معرفة الجهات، وأن بعضًا منها ذو إدراك للوقت قبل حلوله ... إلخ، ولو كانت

هذه الحيوانات من الذكاء بحيث تحاول تبليغَنا انطباعاتِها لعَجَزْنا عن فهم لغتها كعَجْز

الأكمهِ 1 عن فَهْم الألوان ما دامت هذه اللغةُ تُعَبِّر عن صفاتٍ غير معلومة عندنا.

وليس للعلم، مع ذلك، أن يشتغل بالحقائق بعينها، أيْ بكُنْهها كما يَسْعَى إليه

الفلاسفة، ولا أن يعارِضَ الظواهرَ بالحقائق، أي الحوادثَ التي تُوحِي بها حواسُّنا، ومن

حواسِّنا هذه تتألف معادلاتٌ سَهْلَةُ المَدْخَلِ لأشياءَ ممتنعةِ المدخل، والانحرافاتُ التي هي

وليدة حواسِّنا إذ كانت متشابهةً لدى جميع الموجودات التي هي من طِرازٍ واحد أمكن

العِلْمَ أن يَعُدَّها حقائقَ وأن يَشيدَ صَرْحَه بها، ونحن، إذا لم نَبْلُغ الحقيقيَّ، نُدْرِكُ صورةً

معادلة للموجودات المُرَكَّبَة مثلنا.

والعلمُ، في مباحثه، لا يكترث لهذه الملاحظات مع ذلك، فهو لا يبالي بكَوْن العالَم

الذي نُبْصِره حقيقيٍّا أو غيرَ حقيقيٍّ، والعلمُ يرضى بالعالَم كما يبدو فيسعى في ملاءَمته

غيرَ باحثٍ عن رأي الحشرة فيه وعن حيازةِ ساكنِ الشِّعْرَى 2 أو أيِّ كائنٍ عالٍ لحواسَّ

أخرى، فمعارفُنا على قَدَرِنا، ونحن لا نَهْتَمُّ بها إلَّا لأنها على هذا القَدَر، ونحن نعرف من

الكون ما نصل إلى اكتشافه، ونحن، إذ نكتشف فيه كلَّ يومٍ أشياءَ أكثرَ من قبل ونُدْرِك

هذه الأشياءَ بأدقَّ من قبل، نرى بُنْيانَ معرفتنا يَعْظُم على الدوام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت