لا يمكن أن يُؤْتَى بأية بَرْهَنَةٍ مفيدة من غير استناد إلى وقائعَ خياليةٍ أو حقيقية، ولا
شيء يَحْدُث بالبرهنة الصِّرْفَة، فالفكرُ الذي يُؤَثِّرُ في نفسه غيرَ مستعينٍ بموادَّ تجيءُ من
الخارج يَظَلُّ تأملًا فارغًا، والمبدأ اُلمُجَرَّد العاطل من مُعِينٍ مُعَيَّنٍ) محسوس (لا يمكن
تَصَوُّرُه.
وتَنْفَع البرهنة، على الخصوص، في تفسير المشاهدات التي تأتي بها الحواسُّ
والاستقراءُ والاستنتاج هما وجها البرهنة الأساسييْن، والاستقراءُ يُعَمِّم الأحوالَ الخاصَّة
فيستخرج منها نتائجَ عامة، والاستنتاجُ يَسِير من العامِّ إلى الخاصِّ، وتَتَرَجَّح الروحُ
البشرية بين الاستقراء والاستنتاج على الدوام.
والتعميمُ عمليةٌ ذهنية طبيعية تَحْدُث حتى عند الفِطْرِيِّين إلى الغاية، وتُفْضِي
التصوراتُ النفسية للحال الواحدة إلى التعميم وإلى توليد النتائج، والنفسُ الدنيا في
التعميم كالنفسِ العليا، وتختلف هذه عن الأولى في معرفتها تحقيقَ قيمةِ تعميماتها،
فيمكن أن يقال عن التعميم، إذَنْ، إنه عنوانُ النفس العليا أو النفس الدنيا بحسب الوجه
الذي يُتَّخَذ.
ومهما تكن مناهج البرهنة فإن اقتباساتِنا تَسِير من المعلوم إلى المجهول على الدوام،
والمجهولُ نَفْسُه لا يُدْرَك إلا من خِلال المعلوم.
وجميعُ حوادث الطبيعة تابعٌ بعضُه لبعضٍ اتباعًا متقابلًا وثيقًا، وكثيرٌ من العوامل
يمكن أن يساعد على إحداث كلِّ واحدة من تلك الحوادث، والواقعُ أن من المُهِمِّ أن يُعْرَف
تعيينُ الشأن الحقيقيِّ أو الظاهر لتلك العوامل، ولا سيما درجةَ أهميتها، وهذا ما يُؤَدِّي
إليه الِمنهاج القياسيُّ الذي استعمله كلود برنار في مباحثه استعمالًا مُوَفَّقًا، ويقوم هذا
الِمنهاج على تكرار التجرِبة عندما تلوح هذه التجرِبةُ تابعةً لأحوال كثيرة، وذلك مع تغييرِ
واحدةٍ من هذه الأحوال دفعةً واحدة، ومِنهاجٌ خصيبٌ إلى الغاية كهذا الِمنهاج، مع نسيانه
كثيرًا، يُطَبَّق على المسائل الصِّناعية مثلَ تطبيقه على المسائل العلمية، فقد حَوَّل المهندسُ
العالِم الأمريكيُّ تِيلَرُ صِناعة الفولاذ بتخصيصه خمسًا وعشرين سنةً للبحث في تعيين
عَمَلِ مختلف العوامل التي يمكن أن تُؤَثِّر في صنع المعادن، وَتِيلَرُ هذا، بعد أن اكتشف
بضعَ عشراتٍ من التحولات المستقلة لم يُغَيِّر سوى واحدٍ منها دفعةً واحدةً في كلِّ تجرِبة.
والصِّلاتُ التي تَجْمَع بين الأمور إذ كانت كثيرةً جدٍّا لم تَسْطِع ملاحظاتُنا وتفاسيرنا
للحوادث أن تكون تامَّةً، ومن ذلك أن الكوكب لا يَتَّبِع السَّيْرَ الذي تُقَدِّره النظرية له، وأن
الجسم لا يَسْقُط عموديٍّا، فيبقى من كلِّ إيضاحٍ، إذَنْ، بعضُ الرواسب التي يجب على
العلم الراقي أن يبحث عن أصلها، ويُؤَدِّي تفسير هذه الرواسب إلى بعض الاكتشافات
على الدوام، شأنُ لُو?يرْيه الذي دَرَسَ علل الاختلالاتِ الصغيرة، التي لم توضح، في حركة
إحدى السيارات فأسفر درسه هذا عن اكتشاف كوكب نِپْتُون الذي كان مجهولًا، وشأنُ
رامْزِي المشهورِ الذي بحث عن مصادر الاختلافات الجزئية المُشاهَدَةِ في تركيب الهواء
فحَقَّق وجودَ ما كان مجهولًا قبله من غاز الأرغون والغازات الكثيرة في غُضُون الجَوِّ.
ومن الملاحظات السابقة تَرَى التفسيرَ أصعبَ من التَّرَصُّد إذَنْ، والتفسيرُ ليس وليدَ
المصادفة أبدًا، بل وليدُ التأملات الطويلة، ومن الحوادث العلمية عددٌ كبير ظَلَّ تفسيره
مجهولًا فغدا خصيبًا إلى الغاية بعد أن أدْرِك معناه، ومن ذلك أن إطلاق الجسم المُكَهْرَب
باللَّهَب ظَلَّ معروفًا مدة قرن تقريبًا من غير أن يدور في خَلَدِ أحدٍ أن تفسيرَ هذه الظاهرة
يمكن، كما أثبتُّ في كتاب آخر، أن يُؤَدِّيَ إلى نظرية تلاشي المادة التي كان يُعْتَقَد خلودُها
فيما مضى.
وجميعُ معارفنا إذ كانت قائمة على تَبَيُّن العلاقات بالمقايسات، كانت المقايسةُ دليلًا
ثمينًا في البحث، والمقايسةُ تُؤَدِّي إلى تقريب الحوادث المتشابهةِ بعضِها إلى بعض، والبحثِ
في مشابهاتها واختلافاتها، ومعرفةُ المتشابهات الخَفِيَّة وحذفُ المتشابهاتِ الخادعة أمرٌ
صَعْب إلى الغاية.