ولَمَّا اكتشف فُورْيه قوانينَ انتشار الحرارة من خِلال جدارٍ وبَيَّن أن كَمِّيَّة الحرارة
التي تخترقه هي بنسبة اختلاف الجَوِّ وبنسبةٍ معكوسة من مسافةِ وجوهِ الجِدار لم
يَبْقَ غيرُ استبدالِ كلمةِ التَّوَتُّر بكلمة الجوِّ وكلمةِ السِّلْكِ بكلمة الجِدار وصُولًا إلى قانون
انتشار التَّيَّار الكَهْرَبِيِّ، وكان إدراك هذا القياس، مع ذلك، كثيرَ الصعوبة عندما اكتشفه
أوُهْم فقضى عشرَ سنواتٍ في حَمْل الناس على الاعتراف بصحته، وكذلك خَفِيَ على الأنظار
عندما أبُْدِيَ مبدأ كُارْنُو القائمُ على مقايسة سقوط الحرارة بسقوط الماء والذي أسفر عن
تحويل الفيزياء الحديثة، فقضى علماء الفيزياء، الذين شاهدوا أهميته، خمسًا وعشرين
سنة قبل أن يُدْرِكوا أنه يُطَبَّق على جميع وجوه القوة، لا على الحرارة وحدَها، وهنا،
أيضًا، كان إدراك هذا القياس أمرًا صَعْبًا في بدء الأمر فأصبح بديهيٍّا في هذه الأيام.
أَجَلْ، إن تلك المقايساتِ البعيدةَ تُؤَدِّي إلى اكتشافات عظيمة، ولكنها تتطلب زمنًا
كبيرًا، فقد انتظر الناس ألوفَ السنين حتى ظهر علماء الطبيعة الذين استطاعوا أن
يَعْرِفوا أن الجمجمة هي فَقْرَةٌ مُحَوَّلة، وأن الجَنينَ يُكَرِّر بعضَ الأطوار الموروثة للأنواع
التي يُشْتَقُّ منها.
وإذا كان من العسير اكتشاف المقايسات الخَفِيَّة تحت المختلفات فإنه يَعْسُر حَمْل
الناس على قبولها أكثر من ذلك في بعض الأحيان، فنحن نَعِيش في جَوٍّ من الأفكار
المُقَرَّرة فَنَعُدُّ من يُكْرِهنا على تغييرها عَدُوٍّا، ولذا كان، في الغالب، ما نَعْلَم من طِيلَة تفسير
الوقائع الواضحة جدٍّا، ومن ذلك أن مَضَتْ عِدَّةُ قرونٍ لإثبات وجود جنسٍ للنباتات، وأن
مَنَح مَجْمَع أمستردام العلميُّ، في سنة 1850، جائزةً لعالِمٍ طبيعيٍّ ألمانيٍّ منكر لجنسية
الأزهار، والعلمُ لم يستقرَّ حَوْل مسألة التفسير هذه التي غَدَت اليوم ابتدائيةً إلَّا منذ زمن
قريب إلى الغاية. 4
وتُعَدُّ الوقائع، على العموم، حوادثَ بسيطةً لا تبديل لها، مع أن الأمرَ غيرُ هذا،
فالحادثةُ، هي، كالإحساس وكالفكر، مجموعةُ عناصرَ كثيرةٍ على الدوام، ونحن نُهْمِل
العناصرَ الثانوية عن تجريدٍ أو جهل، ومما يَعُدُّه الجاهلُ أمرًا ابتدائيٍّا، هو أن الجسم
السريع الالتهاب يحترق إذا ما جُعِل في لَهَب، وهذا الجسمُ، مع ذلك، مركَّبٌ مُعَقَّد ظَلَّ
أمرُه غيرَ مُدْرَكٍ عِدَّةَ قرون، أي إلى أن اهتدى لافوازيه، بعبقريته، إلى بعض عناصره التي
ترانا بعيدين عن معرفتها جميعها حتى اليوم.
والأمرُ المُحَقَّق هو، إذَنْ، عُنْوانُ عملٍ تَدَخَّل فيه تجريدٌ لا إراديٌّ أو مقصودٌ.
ولا تَجِد وقائعَ بسيطةً ما دمتَ لا ترى في الطبيعة حادثةً يمكن عزلُها تمامًا، ونحن
نُحْدِث بساطتَها بما نأتيه من تجريد نَعْزِلُها به من كلِّ ما هو مرتبطٌ فيها، فالأمر
المعزول يُعْرَض مُشَوَّهًا إذَنْ.
ويجب أن ننظر إلى أكثر ما نعرفه من الحوادث، كَعَمُودِيَّة سقوط الحجر مثلًا،
لنرى كثرةَ العناصر التي تُغْفَل في أثناء تَرَصُّدِها، فإذا ما قلنا إن الجسم المتروك لنفسه
يَسْقُط عَمُودِيٍّا نكون قد أبدينا ملاحظةً بسيطة جدٍّا كما يُفْتَرَض، وليس الأمر كذلك مع
ذلك؛ وذلك لأن وسائلَنا في القياس لا تُؤَدِّي إلى تسجيل جميع العوامل كحركة دوران
الأرض وجاذبية القمر والشمس ... إلخ، اللتين يَفْرِضُ تأثيرُهما في الجسم، وهو يسقط،
خَطَّ سَيْرٍ قريبًا من الخطِّ العَمُودِيِّ، ولكن من غير أن يكون عَمُودِيٍّا.
ويحاول الرياضيون إدخالَ تلك المُؤَثِّرَات الأجنبية إلى حساباتهم، وذلك بإضافتهم
إلى الدستور العامِّ لكلِّ حادثةٍ تصحيحاتٍ متتابعةً مُعَدَّةً لإبداء ما يَنْجُم عن العِلَل الثانوية
من الشَّوَاذِّ، ولا حَدَّ لهذه التصحيحات إذا ما أريدت الصحةُ المطلقة التي يتعذر بلوغها
مع ذلك، فالعِلْم لا يكون إلا تقريبيٍّا إذَنْ.
وجميعُ الحوادث إذ كانت متشابكةً تُؤَدِّي معرفة إحداها إلى اكتشافِ حوادثَ أخرى
كثيرةٍ في الغالب، قال كوفيه:
يوحي أثرُ رِجْلِ ذي الظِّلْفِ إلى الناظر بشكل أسنان الحيوان الذي مَرَّ وشكلِ
فَكَّيهِ وشَكلِ فِقَرَاته وشكلِ عِظامِ ساقَيْهِ وفَخذَيْه وكَتِفَيْه وحَرْقَفَتِه.