فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 132

وَكيف يُوفَّق العلم لتعيين العلائق العددية بين الحوادث؟

هو يَصِلُ إلى ذلك بالترصد والتجرِبة؛ وذلك لأن الحوادث لا تُدْرَك إلا لظهورها

حركَةً، أي تَغَيُّرَاتٍ، فما كانت الحرارة والكَهْرَبَة وجميعُ وجوه الطاقة لِتَبْدُوَ لنا إلَّا بفضل

انتقالاتِ الأجسام، وتنشأ الصفات التي تُقَدَّر بحواسِّنا، في كلِّ وقت، عن التَّغَيُّرات المادية

المَرْئيَّة أو الخَفِيَّة، وتدلُّ جميع آلات القياس، كميزان الحرارة ودليل التَّيَّار الكَهْرَبيِّ ...

إلخ، على مثل تلك الانتقالات، فيجب، لإدراك إحدى الحوادث جيدًا، إذَنْ، أن تَخْضَع هذه

الحادثةُ لتَحَوُّلات مؤدية إلى حدوث حركاتٍ.

ومن الممكن، بل من الراجح، أن تشتمل الطبيعةُ على شيء آخَر غيرِ الحركة، ومما

لا ريب فيه أن جميع الحوادث ليس من أصلٍ مُتَحَرِّكِ الأجزاء، بَيْدَ أن تركيب حواسِّنا أو

تركيبَ الآلات التي تُكْمِلها يَمْنَعنا من معرفة الحوادث التي ليست من مثل ذلك الأصل

المُتَحَرِّك الأجزاء.

إذَنْ، يقوم العلم التجرِبيُّ على قياسات، ومن الممتنع حيازةُ قياساتٍ دقيقة فلا

نَعْرِف أيةَ جسامةٍ فيزياوية بضبط وَثِيق، ومن المتعذر، أيضًا، صُنعُ متريْن متساوييْن،

فكلُّ ما يمكن صنعُه هو أن نُقدِّر، بعد عملٍ شاقٍّ، درجةَ اختلاف مترٍ عن متر آخرَ اتُّخِذَ

نَمُوذَجًا، ووزنُ الكيلوغرام الصحيح يَظَلُّ أمرًا مجهولًا على الرغم من الجهود المُكَرَّرَة

التي بذلَتْها عِدَّةُ أجيال من علماء الفيزياء منذ قرن. 3

إذَنْ، يَصْعُب بلوغ الضبط في المقاييس الذي هو من أهمِّ أهداف العلم، ولن يُوصَل

إلى الضبط المُطْلَق؛ لأن القيمة الحقيقيةَ لأيةِ جسامةٍ فيزياوية أو كيماوية لا تُعْرَف

بالضبط كما قيل آنفًا، وكلُّ ما نَعْرِفه بشيء من الضبط هو قياس درجة عدم ضبطنا،

أي الدلالةُ على حدود الأغاليط.

ومهما يكن نَقْص هذه النتيجة فإِنها لم تُبْلَغ إلا بعناء كبير جدٍّا، وفي هذا سِرُّ

ما قضاه بعض العلوم الأساسية من طويلِ زمنٍ لتحقيق تَقَدُّمه كعلم الفلك والفيزياء

والكيمياء.

وقَلَّتْ معرفة من هم غرباءُ عن العلم لأهَمِّيَّة تلك القياسات، ولا سيما فائدةَ الكُسُور

العُشْريَّة غيرِ الثابتة التي يَبْذُل العلماء مجهوداتٍ كبيرةً في سبيلها، وهؤلاء العلماءُ، فقط،

هم الذين يعلمون أن الكُسُور العُشْرية تنطوي على أسرار الأمور مع صعوبة بلوغ تلك

الكُسور، فبفَضْل البحث العميق فيها اكْتُشف غازُ الأرغون وجميعُ الغازات الملازمة له،

ويَتَّبع كلَّ تقدمٍ في القياسات تقَدُّمٌ مهمٌّ في العلم، حتى في الصِّناعة، فقد تَحَوَّلت الِمدْفَعِيَّة

الحديثة عندما أصبح عُشْر المليمتر قياسًا دارجًا في معامل البنادق والمدافع، ولو استطعنا،

سابقًا، قياسَ جزءٍ من ألف جزء من ثانيةِ قوسِ الدائرة بدلًا من عُشْرها لكان علم الفلك

قد تَغيَّر تَغيُّرًا تامٍّا، ولكنا قد اكتشفنا قوانين حركات الكواكب البعيدة التي افْترَضَت

القياساتُ القديمة سكونَها في الفضاء مع أنها تنتقل بسرعة عظيمة إلى الغاية، ولو أمكن

الميزانُ أن يَكْشِف عن جزء من مائة ألف جزءٍ من أجزاء المليغرام لكان أمر تحويل المادة

معروفًا منذ طويلِ زمنٍ.

ولا يَكْشف ميزانُ الحرارة، المؤَسَّسُ لتعْيين تحولاتِ حَجْم المادة بحسب الحرارة،

عن غير جزءٍ من مائةٍ من الدرجة، ويُؤدِّي مقياس الحرارة الكَهْرَبِيُّ، المؤسَّسُ على فكرة

المقاومة الكَهْرَبِيَّة للمعادن تحت تأثير الجوِّ، إلى قياسِ جزء من مليونٍ من الدرجة،

ويُعَلِّمُنَا أن الطَّيْفَ الشمسيَّ أوسعُ مما كان يُفْتَرَض، ولا رَيْبَ في أنه سيكون لهذه

الملاحظة تأثيرٌ كبير في معارفنا في علم الجوِّ الذي لا يزال ابتدائيٍّا.

ولكلِّ نظام للحوادث ردُّ فعلٍ يؤدي إلى تحقيقه وقياسِه، وجَعَل اكتشافُ رَدِّ فعلٍ

محسوسٍ على مسافة كبيرة، ذاتِ أمواجٍ أَثِيرِيَّة ملازمة لكلِّ إطلاق كَهْرَبيٍّ، أمرَ البَرْقِ

اللاسلكيِّ ممكنًا، أَجَلْ، إن قُوَى الطبيعة كثيرةٌ إلى الغاية على ما يحتمل، ولكن معرفتها

تستلزم اكتشافَ رَدِّ فعلِها في بدء الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت