فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 132

لم يَظلَّ العلم قائمًا، دَومًا، على أساس دِراسة ما بين الحوادث من علاقات وعلى الانتفاع

بقُوَى الطبيعة، فالعلمُ، كالدِّيانات والفلسفات، قد حاول أن يَنْفذ أسرارَ الكون الكبرى

فيَعْرِفَ تركيبها.

والعلماءُ، لكي يُحَقِّقوا ذلك، لم يَقْدِروا، بحكم الطبيعة، على غير الانتفاع بما هو

معروف من أجزاء الأشياء، وإذ لم تَزَلْ هذه الأجزاءُ قليلةَ العَدَد بَدَت المباني التي شِيدَت

غيرَ مُرْضية مع مبتكرات العلم الكثيرة.

وليست مبادئُ الكَوْن العلمية الحاضرة كثيرةً مع ذلك، ما دام يمكن أن تُرَدَّ إلى

نظريتيْن: النظرية الآلية والنظرية الطَّاقِيَّة.

وكانت النظرية الأولى، التي تَرْجِع إلى ديكارْت، أساسًا لحسابات لاپلاس فتَعُدُّ

الطبيعةَ عنصريْن أساسيَّيْن: الذَّرَّ والحركة، فتَجِد أن مجموع الذَّرِّ هو الكوْن الثابت، وأن

جميع الحوادث من تراكيب حركات الذَّرِّ.

واكتُشِف، أو ظُنَّ أنه اكْتُشف، حوالَي النصف الثاني من القرن الأخير أمرٌ ثابتٌ

آخر، وهو الطاقةُ التي لاح أنها تستطيع أن تقوم مقام الأولى في تَفَهُّم الحوادث، ومن

دراسة هذا الأمر الآخر اشْتُقَّت النظرية الطَّاقِيَّة.

وجميعُ الحوادث، بحسب هذه النظرية، تُعَدُّ وليدةَ انتقالاتِ كيانٍ لا يَفْنَى، أي

الطاقة، فتُطْرَح جانبًا مبادئُ الكُتْلة والذَّرَّة والقُوَى فيُقْتَصرُ على قياس تقلُّبات الطاقة

التي تلازم الحوادث.

وجميعُ الطاقات قابلٌ للتحول كما يظهر، فيَنْتُج عن إحداها طاقاتٌ أخرى بسهولة،

فيمكن أن يُعَبَّر بالوَحْدَة الواحدة عن مختلف مظاهر الطاقة، فتُخْتارُ، بحسب الأحوال،

الطاقةُ التي يَسْهُل قياسُها كالحرارة مثلًا.

وجَعَل المبدأ اُلطَّاقيُّ إقامةً الكَمِّيِّ مقامَ الكَيْفِيِّ في دِراسة الحوادث أمرًا أسهلَ من

قبل، ولكن من غير أن يأتي بأيِّ إيضاح جديد لهذه الحوادث، فنحن - مع قياسنا

بسهولةٍ نتائجَ الطاقة - لا نَعْرِف شيئًا من طبيعتها، وما شأنُ عمليات القياس التي

تُحَقَّق بالطاقة إلا كشأن عامل السكة الحديدية الذي يَزِنُ الحقائبَ من غير أن يَعْرِف ما

تحتويه.

وإمكانُ تحويل أيِّ شكلٍ للطاقة متى يُرَادُ إلى أيِّ شكلٍ آخرَ يَعْدِلُه، أي الإمكانُ

الذي هو أساس صِناعتنا بأجمعها، مما يُسَوِّغ حقيقةَ المبدأ الفلسفيِّ الذي كُنَّا قد ألمعنا

إليه وهو: أن حوادث الطبيعة إذ كان بعضها مرتبطًا في بعض ارتباطًا وثيقًا فإن تغيير

بعضها يُؤَدِّي إلى تغيير بعضها الآخر بحكم الضرورة، والأمورُ تسير كما لو كان الكَوْنُ

ضَرْبًا من النظام ذي المفاصل الذي لا يُغَيِّر توازنَه في نقطةٍ من غير أن يَبْدُوَ ذلك التغيير

في الأخرى على وجه معادل. 2

وفي تلك النظريات يجب أن يُنْظَر إلى مناهج العمل فقط، فيُعْدَل عن استنباط

إيضاحاتٍ منها عن أصل الأشياء وتحولاتها، على أن نظرياتٍ كتلك تَفْقِدُ قيمتَها إذا ما

أريد انتحالُها في تفسير الحوادث التي نكترث لها أكثر من سواها، أي حوادثِ الحياة،

وذلك بدلًا من تطبيقها على الأعمال الفيزياوية الكيماوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت