فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 132

والإحساسُ إذا ما عُدَّ استعدادًا لِرَدِّ الفعل بتأثير أحد المُحَرِّضات كان في الغالب أعظمَ في

الأجسام المادية مما في الأجسام ذات الحياة، فالسِّلْكُ الدقيق في مقياس درجة الحرارة

الكَهْرَبِيِّ يأتي بِرَدِّ فعلٍ إذا ما صُدِم بشُعاع ساطع لا تزيد حرارته على 100000\ 1 من الدرجة

الواحدة، فإحساسٌ كهذا يُغَيِّر شروطَ حياة الموجودات تغييرًا تامٍّا.

وبِرغْسُن، إذْ يُصِرُّ مثلَنا على تَعَدُّر إدراك العقل لبعض الغرائز، ولكن من غير أن

يخضع لهذا التعذر، يعتقد أن الغريزة تكون سَهْلَةَ المَنَال للعقل «إذا ما غَدَتْ باطنيةً

بالمعرفة بدلًا من أن تكون باديةً بالعمل»، فمن المؤسف أننا لا نَعْرِف وسيلةً لتحويل

الغريزة إلى فكر، أي إلى رَدِّها إلى نور الشعور.

ولو افترضنا إمكانَ ذلك ما أَلقَى ذلك غيرَ نور ضئيل على طبيعة أعمالِ الحياة

العُضْوِيَّة، ومن المشكوك فيه أن يُوَفَّق إلهٌ، مُطَّلِعٌ على أسرار جهاز الحياة العضوية،

لتفسير هذه الحياة لنا، فنحن نَعْرِف الأشياء بالمقايسة فقط، وبماذا تقَاس حوادث

الحياة؟ إنها لا تقاس إلَّا بنفسها، والقُوَى الحَيَوِيَّةُ إذ لا تقاس بشيءٍ من المعلوم

فإنه يتعذر إيضاحها أيضًا، ونحن إذ ندرس الحوادث الحيوية في مظاهرها الفِيزْيَاوِيَّة

الكيماوية كان تفسير هذه الحوادث سهلًا نِسْبِيٍّا؛ وذلك لِما كان من تحديد هذه القُوَى

قَبْلًا، وفيما وراء ذلك يبدأ الليلُ الدَّامِس.

ويمكن تطبيقُ مبدأ عدم إدراك حوادث الحياة على حوادث الذكاء أيضًا، فكلاهما من

طِراز واحد كما يبدو، ومن ذلك أن الغريزة التي تُحْدِث النحلةُ بها نُخْرُوبَها والتي تَضَع

الدجاجة بها بَيضَها هي من نوع العمل غير الشعوريِّ الذي يَحُلُّ به أعاظم الرياضيين،

كهنري پُوَانْكارِه، عويصَ المسائل، أو الذي يُرَكَّب به مشاهيرُ المُلَحِّنين، كسَان سَائن،

اللحنَ المُبْتَكَر بعد أن يكونوا قد بحثوا عنه على غير جَدْوَى، ومن المحتمل أن يكون جميع

هذه الأجهزة تابعًا لسُنَن بسيطة نِسْبيٍّا، ولكن هذه السنَنَ تكون سَهْلةَ الإدراك عندما

يكون ذكاؤنا قد تَطَوَّر بما فيه الكفاية في بضعة آلاف من السنين فاكتشف من الوسائل

الجديدة ما يَرُود به الحوادث.

ونحن نستند إلى تَرَصُّد الحياة العُضْوِيَّة والحياةِ الغريزية فقط فنقول، كنتيجةٍ

عامة، إنه يوجد للمعارف وُجُوهٌ تختلف اختلافًا تامٍّا عما يؤدي إليه العقل.

والحيوانُ إذ تُسَيِّره الغريزة، والخَليَّةُ إذ تَتْبَع تطورَها، يكونان سائريْن إلى هَدَف

مُعَيَّن، ونحن - مع جهلنا مَدَى معرفتهما لهذا الهَدَف - نَعْرِف، فقط، أنهما يَسِيران

كما لو كانا يقرءان مصايرَهما بوضوح.

وهكذا ترانا مَضْطَرِّين إلى توسيع تفسير كلمة المعرفة، وإلى التسليم بوجود بعض

وجوهٍ لإدراك الحوادث مختلفةٍ عن وجوه إدراكنا لحوادثنا، وقد تكْتَشَف هذه الوجوه،

ذاتَ يوم، على ما يحتمل، ولكنها تَبْقَى مجهولةً حتى ذلك اليوم.

انتهينا بالملاحظات السابقة إلى حدود الِمنْطقة الواسعة للحقائق المجهولة، فيكون عملُنا

قد تمَّ إذَنْ.

وتكون غاية هذا الكتاب قد وُصِل إليها لوْ عَلِمْنا أن نُوَسِّع على أوسع تركيبٍ تاريخَ

الحقائق الكبرى التي وَجَّهَت الناس منذ أصولهم البعيدة.

والطريقُ التي سار منها فِطْرِيُّو المغاور إلى المدن الحاضرة الساطعة كانت طويلةً

خَطِرة، وكانت الأشباح الوهمية دليلَ الإنسان عليها في الغالب لا ريب، ولكن هذه الأشباح

هي مصدر الآمال والجهود، والأوهامُ التي تقود إحدى الأمم إذا ما تَبَدَّدت بسرعة أظلمَ

مصيرُ هذه الأمة وَجَنَّ عليه الليل، والبشريةُ القديمة لو اكْتَشَفت أن حقائقَها مُؤَقَّتَةٌ غيرُ

ثابتة ما سارت نحو مستقبل أطيبَ من حالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت