فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 132

ومع ذلك، وفي كلِّ زمن، يَبْدُو مُحْترفو السياسة الذين تَعَوَّدوا خَلْط الحقيقة بالمنفعة،

أَتْبَاعًا أَوْفِيَاءَ لمذهب الذرائع، ومن أولئك نذكر رُوبسْپير الذي انتحل في إحدى خُطَبِه

صِيَغًا عزيزةً كثيرًا على أصحاب مذهب الذرائع المعاصرين، فبعد أن أبدى استخفافًا

بالفرضيات الفلسفية قال: «إن الحقيقة عند المشترع هي كلُّ شيءٍ نافع للعالَم صالح في

العمل.3»

ويَظلُّ الحكْم الذي أبديناه في الصَّفَحات السابقة عن مذهب الذرائع مستقلٍّا عن

الأمم التي نَبَتَ فيها هذا المذهب وعن المكان الذي ظهر فيه، ويمكننا أن نُسَوِّغ بعضَ

أجزاء هذا المذهب عند نظرنا إلى أنه نَمَا، على الخصوص، لدى الأمريكيين النفعيين الذين

ليس عندهم من الوقت ما يستنفدونه في المناقشات والذين لا يريدون أن يُمْسِكوا من

المبادئ بغير نواحيها التي يُسْتَفاد منها في الحياة اليومية.

ومذهبُ الذرائع إذا ما نُظِر إليه من تلك الناحية وُجِدَ أنه ملائم لاحتياجات الولايات

المتحدة، ومن مزاياه أنه يساعد على تقوية السِّلْم الدينية فيها، فهو إذا ما أبُصِر َمن هذه

الجهة على الخصوص كان من الحقِّ أن يُشَاطَر الحكمُ الآتي الذي أبداه المؤرخ فِيرِيرُو:

إن مذهب الذرائع الأمريكيَّ هو مذهبُ توفيقٍ على الخصوص، فهو يَهْدِفُ إلى

منح الناس وسيلةَ التوفيق بين الأفكار والمذاهب المتعادية بإثباته أن جميع

الأفكار، حتى المتهادمَ منها، يمكنه أن يساعدنا على أن نكون أقومَ وأحكمَ

وأحسنَ مما نحن عليه، وما الفائدة في الاصطراع انتصارًا لمذهب أو فكر على

مذهب أو فكرٍ آخرَ بدلًا من تَرْكِ الناس يستخرجون منه، أحرارًا، كلَّ خيرٍ

يمكن أن يؤديَ إليه؟ ومن يَعْرِفْ أمريكة الشمالية يَقُلْ إنه إذا ما وُجِد مذهب

أمريكيٌّ بالحقيقة كان ذلك المذهبَ.

نَخْتم بهذا الفصل دِراسةَ المبادئ الدينية والفلسفية التي عَدَّتها النفسُ البشرية

حقائقَ، ونحن، بعد أن رأينا الأديانَ تُعَبِّرُ، بالآلهة، عن احتياجاتِنا وأحلامنا وآمالنا وَجَدْنا

أن الفلسفاتِ تقوم على الإنكارات من غير أن تُقِيم ما هو دائم، وبعضُ الفلسفاتِ يَزْعُم

الآن أنه يُؤَلِّهُ الوِجدانَ وبعضُها الآخر يَزْعُم الآن أنه يُؤَلِّه المنفعةَ، بَيْدَ أن هذه الأصنام

الجديدة ليست من القوة والنفوذ بحيث تَفْرِض حكمَها زمنًا طويلًا.

وبجانب الأديان القديمة والفلسفات الحديثة التي تَقْتَرح تحويلَ أوهامنا الناشئةِ

عن رَغَباتنا إلى حقائق أقام العلمُ ببطءٍ حقائقَ مستقلةً عن هذه الرغبات، فسنبحث في

تَكْوينِها عَمَّا قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت