|
[عوى]عَوى الكلب والذئبُ وابن آوى يَعْوي عُواءً: صاح. وهو يُعاوي الكلابَ، أي يُصايحُها. وعَوَيْتُ الشَعْرَ والحَبْلَ عَيًّا: لويته. وعَوَّيْتُهُ أيضا تعوية. قال الشاعرفكأنها لمَّا عَوَيْتُ قرونها * أدْماءُ ساوَقها أغَرُّ نَجيبُ واسْتَعْويتُهُ أنا، إذا طلبت منه ذلك. واسْتَعْوى فلانٌ جماعةً، أي نعقَ بهم إلى الفتنة. وعَوَيْتُ رأس الناقة بزمامها، أي عُجْتُها، فانْعَوى. والناقة تَعْوي برَتَها في سيرها، إذا لوتها بخطامها. قال رؤبة بن العجاج:
تعوى البرى مستوفضات فضا * وعويت عن الرجل، إذا كذَّبت عنه ورددت على مُغْتابه. والعَوَّاءُ ممدودٌ: الكلب يَعوي كثيراً. والعَوَّاءُ: سافلة الإنسان ; وقد يُقصر. والعَوَّاء من منازل القمر، يمد ويقصر، وهي خمسة أنجمٍ، يقال إنَّها ورِكُ الأسد. أبو زيد: العَوَّةُ: الصوت والجَلَبَة، مثل الضوَّة. يقال: سمعت عَوَّةَ القوم وضوَّتهم، أي أصواتهم وجلبتهم. والاصمعى مثله. وتصغير معاوية معية، هذا قول أهل البصرة، لان كل اسم اجتمع فيه ثلاث ياءات أولهن ياء(*) التصغير حذفت واحدة منهن، فإن لم يكن أولاهن ياء التصغير لم تحذف منه شيئا. تقول في تصغير مية: ميية. وأما أهل الكوفة فلا يحذفون منه شيئا. يقولون في تصغير معاوية معيية على قول من يقول: أسيد ; ومعيوة على قول من يقول أسيود. |
|
[عوى]نه: فيه: كأني أسمع "عواء" أهل النار، أي صياحهم، والعواء صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص، من عوى يعوي. وفيه: سئل عن نحر الإبل فأمره أن "يعوي" رؤسها، أي يعطفها إلى أحد شقيها لتبرز لبتها وهي المنحر، والعوي اللي والعطف. وفي ح: المسلم قاتل مشركًا سب النبي صلى الله عليه وسلم "فتعاوى" المشركون عليه حتى قتلوه، أي تعاونوا وتساعدوا، ويروى بغين معجمة بمعناه.
|
|
ع و ى: (عَوَى) الْكَلْبُ وَالذِّئْبُ وَابْنُ آوَى يَعْوِي بِالْكَسْرِ (عُوَاءً) بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ أَيْ صَاحَ. وَهُوَ (يُعَاوِي) الْكِلَابَ أَيْ يُصَايِحُهَا. وَ (الْعَوَّاءُ) مُشَدَّدٌ مَمْدُودٌ الْكَلْبُ يَعْوِي كَثِيرًا.
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
عوى: عوى الثعلب: ضبح. (ألكالا).
عَوَّى (بالتشديد): نبح. (بوشر، همبرت ص62) ونبح، ضبح، صاح. (بوشر). عوَّى بالمقلوب: نبح، وعوع، غنى الصوت مرتفع. (بوشر). عَوَّى: ولْوَل. (فوك). أعوى: انظر ديوان الهذليين (ص256، البيت الثاني) مع شرحه. تعوى: عوى، عوى، نبح. (همبرت ص62، فوك). عَوِى: عُواء، نباح: (بوشر، همبرت ص62). وعُواءَ ضباح، (بوشر). عوى بالمقلوب: وعوعة. عواء كئيب طويل للذئب والكلب. (بوشر). |
|
الدّعوى:[في الانكليزية] Law -suit ،suit ،trial ،claim [ في الفرنسية] Proces ،poursuite ،reclamation في اللغة قول يقصد به الإنسان إيجاب حقّه على غيره والإقرار عكسه يعني إخبار حقّ الغير على نفسه، والشهادة إخبار حقّ الغير على الغير. وعند الفقهاء هي إخبار عند القاضي أو الحكم يحق له أي للمخبر على غيره بحضوره أي بحضور ذلك الغير، فلو لم يكن هذا الإخبار عند القاضي أو الحكم أو لم يكن بحضور ذلك الغير لا يسمّى دعوى، والوصي والولي والوكيل نائبون عن الأصيل فيمكن أن يضاف الحق إلى هؤلاء فلا ينتقض الحدّ بدعوى هؤلاء، والمخبر بالكسر يسمّى مدّعيا وذلك الغير يسمّى مدّعى عليه. وبعضهم عرفهما بالحكم فقال المدّعي من لا يجبر على المخاصمة أي لا يكره على طلب الحقّ لو تركها والمدّعى عليه من يجبر على هذه الخصومة، والجواب عنها فلا يشكل بوصي اليتيم فإنّه مدّعى عليه معنى فيما إذا أجبره القاضي على الخصومة لليتيم، وهذا معنى ما قيل من أنّ المدّعي من إذا ترك ترك، والمدّعى عليه من يجبر إذا ترك. وقيل المدّعي من يشتمل كلامه على الإثبات ولا يصير خصما بالتكلم بالنفي، والمدّعى عليه من يشتمل كلامه على النفي، فإذا قال الخارج لذي اليد هذا الشيء ليس لك لا يكون خصما ما لم يقل هو لي، وإذا قال ذو اليد ليس هذا لك كان خصما.وقيل المدّعي من لا يستحق إلّا بحجة كالخارج والمدّعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة؛ فإنّ ذا اليد إذا قال هولي كان مستحقا له ما لم يثبت الغير استحقاقه. وقيل المدّعي من يلتمس غير الظاهر والمدّعى عليه من يتمسّك بالظاهر، فإذا ادّعى دينا على آخر فإنّه يلتمس أمرا غير ظاهر عارضا، والمدّعى عليه إذا أنكر كان متمسّكا بالأصل وهو براءة ذمته. وقيل المدّعى عليه هو المنكر، هكذا يستفاد من جامع الرموز والبرجندي وغيرهما، وهذا يوافق الحديث المشهور أعني «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» والفرق بين المدعي والمدعى عليه من أهم مسائل كتاب الدعوى وربّما يصعب الفرق بين المدّعي والمنكر لأنّه قد يكون شخص مدّعيا في الظاهر ومنكرا في الواقع، كما إذا قال المودع للمالك رددت الوديعة فإنّه وإن كان في الظاهر مدّعيا للرد لكنه منكر للضمان حقيقة، كذا في الهداية وغيرها.وعند أهل المناظرة قضية تشتمل على الحكم المقصود إثباته بالدليل أو إظهاره بالتنبيه، والقاصد والمتصدي لذلك أي لإثبات الحكم أو لإظهاره يسمّى مدّعيا. فبقيد المقصود خرج قول الناقض بالنقض الإجمالي والمعارض فإنّه لا يسمّى بدعوى لأنهما ليسا مدعيين في عرفهم، لأنّهما لم يتصدّيا لإثبات الحكم أو لإظهاره من حيث إنّه إثبات أو إظهار، بل من حيث إنّه نفي لإثبات الحكم أو إظهاره تصدّى به المدّعي، ومن حيث إنّه معارضة لدليله وإنّما لم يقل المقصود إثباته بالدليل أو التنبيه كما قيل من أنّ المدّعي من نصب نفسه لإثبات الحكم بالدليل أو التنبيه لئلّا يرد أن التنبيه لا يفيد الإثبات. ثم المدّعي إن شرع في الدليل اللّمّي يسمّى معللا بالكسر، وإن شرع في الدليل الإنّي يسمّى مستدلا. وقد يستعمل كل منهما مقام الآخر بمعنى المتمسك بالدليل مطلقا. اعلم أنّ الدعوى من حيث إنّه يرد عليه أو على دليله السؤال أو البحث يسمّى مسئلة ومبحثا، ومن حيث إنه يستفاد من الدليل نتيجة، ومن حيث إنه يقام عليه دليل مدّعى، ومن حيث إنه يحتمل الصدق والكذب يسمّى قضية وخبرا، ومن حيث إنّه إخبار عن الواقع حكاية، ومن حيث إنّه قد يكون كليا قاعدة وقانونا، هكذا يستفاد من الرشيدية وغيره.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
سَعَوَى:
بفتح أوّله، على وزن فعلى، يجوز أن يكون من قولهم مضت سعوة من اللّيل وسعواء من اللّيل يعني به فوق الساعة، والألف للتأنيث، قال الأعور الشّنّيّ: على سعوى أو ساكنين الملاويا |
|
عوى
For words mentioned under this head in many of the lexicons, see art. عو. |
|
عَوَى يَعْوِي عَيًّا وعُواءً، بالضم، وعَوَّةً وعَوِيَّةً: لَوَى خَطْمَهُ، ثم صَوَّتَ، أو مدَّ صَوْتَه ولم يُفْصِحْ،وـ الشيءَ: عَطَفَه،كاعْتَوَى فيهما،وـ الرجلُ: بَلَغَ ثَلاثِينَ سنةً، فَقَوِيَتْ يَدُه،فَعَوَى يَدَ غَيْرِهِ، أي: لَواها شَديداً،وـ البُرَةَ والقَوْسَ: عَطَفَها،كعَوَّاها فانْعَوَى،وـ عَنِ الرَّجُل: كَذَّبَ، ورَدَّ،وـ إلى الفِتْنَةِ: دَعا.والعَوَّاءُ، ويُقْصَرُ: الكَلْبُ، والاسْتُ،كالعُوَّةِ، بالضم والفتح، ومَنْزِلٌ لِلقَمَر خَمْسَةُ كواكِبَ، أو أربعةٌ، كأَنَّها كِتابَةُ ألِفٍ، والنابُ من الإِبِلِ.واسْتَعْواهُمْ: اسْتَغَاثَ بهم.والمُعاوِيَةُ: الكَلْبَةُ، وجِرْوُ الثعْلَبِ، وبِلا لامٍ: ابنُ أبي سفيانَ الصَّحابِيُّ.وأبو مُعاوِيَةَ: الفَهْدُ، وتَصْغيرُها: مُعَيْوَةٌ ومُعَيَّةٌ ومُعَيِّيَةٌ. ومَعْوِيَةُ، بالفتح وسكونِ العينِ: ابنُ امرِئِ القيسِ بنِ ثَعْلَبَةَ.وعَا وعَوْ وعَايْ: زَجْرٌ للضَئينِ، والفِعْلُ: عاعَى يُعاعِي مُعاعاةً، وعَوْعَى يُعَوْعِي وعَيْعَى يُعَيْعِي عَيْعاةً وعَيْعاءٌ.وعَوَّةُ: اسمٌ.وأَعْواءٌ وعُوَيٌّ، كسُمَيٍّ: مَوْضِعانِ.وعاواهُمْ: صايَحَهُمْ.وتَعاوَوْا عليه: اجتمعوا.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الدَّعْوَى: من الدُّعَاء وَهُوَ الطّلب وَالْفِعْل مِنْهُ ادّعى يَدعِي فَهُوَ مُدع وَالْعين الَّذِي يَدعِيهِ يُقَال لَهُ مدعي بِصِيغَة الْمَفْعُول وَلَا يُقَال لَهُ مدعي فِيهِ وَبِه وَالْألف فِي الدَّعْوَى للتأنيث فَلَا ينون وَيجمع على دعاوى بِفَتْح الْوَاو كفتوى على فَتَاوَى.وَقيل الدَّعْوَى فِي اللُّغَة قَول يطْلب بِهِ الْإِنْسَان إِيجَاب الشَّيْء على غَيره إِلَّا أَن اسْم الْمُدَّعِي يُطلق على من لَا حجَّة لَهُ فِي الْعرف وَلَا يُطلق على من لَهُ حجَّة فَإِن القَاضِي يُسَمِّيه مُدعيًا قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة وَبعدهَا يُسَمِّيه محقا لَا مُدعيًا وَيُقَال لمُسَيْلمَة الْكذَّاب لعنة الله عَلَيْهِ مدعي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ عجز عَن إِثْبَاتهَا بل دَعْوَاهُ أثبت كذبهَا لثُبُوت أَن نَبيا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خَاتم الْأَنْبِيَاء بالدلائل القطعية والبراهين الجلية وَلَا يُقَال لرسولنا الصدوق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابه وَسلم مدعي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أثبتها بالمعجزات الباهرات. وَالدَّعْوَى فِي الشَّرْع قَول يطْلب بِهِ الْإِنْسَان إِثْبَات الْحق على الْغَيْر. وَفِي الْوِقَايَة هِيَ أَخْبَار بِحَق لَهُ على غَيره. وَقيل هِيَ طلب الْأَخْبَار بِحَق على الْخُصُومَة سَوَاء جبر شرعا كالمدعى عَلَيْهِ أَو لم يجْبر كالمدعي. وَقيل هِيَ التمَاس أَمر خلاف الظَّاهِر وَقيل هِيَ اسْتِحْقَاق أَمر لَا يثبت إِلَّا بِالْحجَّةِ وَفِي كنز الدقائق هِيَ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه حَالَة الْمُنَازعَة أَي أَن يَدْعُو الْمُدَّعِي الشَّيْء إِلَى نَفسه فِي حَالَة الْخُصُومَة وَشرط جَوَازهَا مجْلِس القَاضِي وَحكمهَا وجوب الْجَواب على الْمُدعى عَلَيْهِ.
|
|
دَعْوًىالجذر: د ع
مثال: أَقَام دَعْوًى قضائيَّةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لصرف الكلمة، مع وجود ما يستوجب منعها من الصرف. الصواب والرتبة: -أَقَامَ دَعْوَى قضائيَّة [فصيحة] التعليق: كلمة «دَعْوَى» منتهية بألف التأنيث المقصورة؛ ولذا فهي ممنوعة من الصرف. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
المذكر والمؤنث لابن التستري الكاتب
المخصص
|
ابْن السّكيت، كَذَب يَكْذِب كَذِباً وكِذْباً وكِذَاباً وَأنْشد: فصَدَقتُها وكَذَبتُها والمرْءُ ينفَعُه كِذَابُه أَبُو عبيد، وَهِي الأُكْذُوبة، قَالَ أَبُو عَليّ، الكَذِب كالضَّحِك واللَّعِب والكِذَاب كالكِتَاب والحِجَاب كِلَاهُمَا مصدر وَفِي التَّنْزِيل وكَذَبوا بِآيَاتِنَا كِذَاباً فالكِذَّاب على وزن الإكْرام وَلم تَجِيء المصادِرُ كمصادر رَحْرَح وصَعْرَرَ ليُعْلم أنَّ الفِعْل لَيْسَ للإلحاق كَمَا لم يَجِيء أَصمّ وأغَذَ على وَزْن قَرْدَد
وجَلْبَب، أَبُو عبيد فَأَما قَوْله تَعَالَى بدَمِ كَذِب فَإِنَّهُ وَصْف بِالْمَصْدَرِ كالعَدْل والرِّضا - أَي بدمٍ مَكْذُوب، أَبُو عبيد، رجل كُذَبةٌ - كَذُوب، أَبُو حَاتِم، رجل كَذْبانُ وكَذُوب وَفِي الْمثل (إِذا كُنْت كَذُوبا فكُنْ ذَكورا) وَهُوَ الرجل يَكْذِب القَوم ثمَّ يَنْسَى ذَلِك يُحَدِّثهم بِخلاف ذَلِك حَتَّى يَعْرِفُوا أَنه كَذُوب - يَقُول الزْمَ كلامَك الأّوَّل تُغَيِّره فتَفْتَضِحَ وَأنْشد: وَإِذا سَمِعتَ بأنَّنِي قد بعْتُهم بوِصَالِ غانِيَةٍ فُقْل كُذُّبْذُب قَالَ أَبُو عَليّ، قَالَ أَبُو زيد فِي تَفْسِير كُذُّبْذُبِ كاذِب وَقَالَ أَبُو عَمْرو كَذِب فَهُوَ على قَول أبي زيد صِفَة وعَلى تَفْسير أبي عَمْرو اسْم فيكونُ المبتدأُ المضْمَر على قَول أبي زيد القائِلُ ذَاك كاذِبٌ وعَلى قَول أبي عَمْرو فقُلْ مَا سِمعْتُ كَذِب وَهَذِه الْكَلِمَة تُحْكَى فِيمَا شَدَّ عَن سِيبَوَيْهٍ من لأَبْنِية وَلَوْلَا ثِقَةُ أبي زيد وسُكونُ النفسِ إِلَى مَا يَرْويه لَكَانَ رَدُّها وَجْهاً لكَونهَا على ملا نَظِيرَ لَهُ أَلا ترى أَن العيْنَ إِذا تَكَرَّرت مَعَ اللَّام فِي نَحْو صَمَحْمَح لَا تُكَرَّرُ إِلَّا مرَّتين وَقد تكرَّرت فِي هَذِه ثَلَاثًا ومَعَ ذَلِك فقد قَالُوا مَرْمَرِيس وتَكَرِّرَت الفاءُ مَعَ الْعين فِيهَا وَلم تَتكرَّر مَعَ غَيرهَا وَلم يلْزم من أجل ذَلِك أَن يُرَدَّ وَلَا يُقْبَل فَكَذَلِك مَا رَوَاه أَبُو زيد من هذِه الْكَلِمَة والكَذِبُ ضَرْب من القَوْل وَهُوَ نُطْق كَمَا أَن القَوْل نُطْق فَإِذا جَازَ فِي القَوْل الَّذِي الكَذِب ضَرْب مِنْهُ أَن يُتَّسع فِيهِ فَيُجعلَ غير نُطْق نَحْو: وقالَتِ الأَنْسَاع للبَطْنِ الحْقِ كَذَلِك يَجُوز أَن يُجْعل فِي الْكَذِب غيْرَ نُطْق فِي قَوْله، كَذَبَ القَرَاطِفُ والقُرُوفُ، فيَكُون فِي ذَلِك انِتْفاء لَهَا كَمَا أَنه إِذا أخْبَر عَن الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ كَانَ انْتِفاء الصِّدْق فِيهِ فعلى هَذَا قَالَ كَذَبَ القَرَاطِفُ - أَي هُوَ مُنْتفٍ لَيْسَ وُجُود كَمَا أَن كَذَبَ فِي الْخَبَر على ذَلِك يَقُول فأوجِدوُها بالغَارَة وَكَذَلِكَ كَذَب عليْكُم العَسَلُ وحَمَل فَلم يُكَذِّب - أَي لم يَجْعَلِ الحَمْلَة فِي غير حُكْم الحَمْلة ولكِنَّه أوْجدَها فأوْقَعها وَقَالُوا حَمَل عَلَيْهِ ثمَّ أكْذَب يَعْنُون كَذَب وعَلى هَذَا قَالُوا حَمْلَة صادِقَة وصَدَق القومُ القِتالَ قَالَ: فِإنْ يَكُ ظَنِّي صادِقِي وهْو صادِقِي فَكَمَا وصفوه بالكَذِب وَصَفوه بِخلافة الَّذِي هُوَ الصِّدْق وَكَذَلِكَ قَالُوا لَيْس لوِقْعَتِها كاذِبَة - أَي هِيَ واقِعَة غيْرُ منْتَفٍ كَوْنُها والكاذِبَة يُشْبِه أَن تَكونَ مَصْدراً كالعاقِبَة والفِعْل الَّذِي هُوَ كَذَبَ من قَوْلهم كَذَب عَليْك الأَمْر فِي هَذَا النَّحْو يَنْبَغِي أَن يكون الْفَاعِل مُسْنَدا إِلَيْهِ وَعَلَيْك مُعَلَّقة بِهِ فأمَّا مَا رُوى من قَول من نَظَر بَعِيرٍ نِضْو فَقَالَ لصاحِبِه كَذَبَ عَليْك البِزْرَ والنَّوَى بِنصب البِزْر فإنَّ عَلَيْك لَا تَتَعلَّق فِيهِ بكَذَب وَلكنه يكون اسمَ الفِعْل وَفِيه ضَمِير المُخَاطَب كَأَنَّهُ قَالَ كَذَب السِّمَنُ - أَي انتَفَى من بَعِيرك فأَوجِدْه بالبِزْر والنَّوَى وهما مَفْعولاً عَلَيْك وأضْمَر الفاعِلَ لدِلالة الْحَال عَلَيْهِ من مُشَاهدةِ عَدَمه فَهَذَا الأَصْل فِي هَذِه الكَلِمة وَلَيْسَ كَمَا ذكر بعضُ رُوَاة أهل اللُّغة أَن كَذَب تَجِيء زِيَادَة فِي الحَدِيث فَأَما قَول عَنْترة: كَذَب العَتِيقٌ وَمَاء شَنٍ بارِدٌ إنْ كُنْتِ سائِلَتِي غَبُوقا فاذْهَبِي فَإِن شِئْت قُلْت فِيهِ إِن مَعْنى كذَب أَنه لَا وجُودَ للعَتِيق الَّذِي هُوَ التمرُ فاطلُبِيه فَإِن لم تَجِدي التَّمر فَكيف تجِدينَ الغَبُوق وَإِن شئتَ قلتَ إِن الكَلِمة لَمَّا كَثُر استِعْمالُها فِي الإِغْراء بالشيءِ والبَعْثِ على طَلَبه وإيجَادِه صَار كَأَنَّهُ يقُول لَهَا عَليْكِ العَتِيقَ - أَي الْزَمِيه وَلَا يُرِيد بقَوله لَهَا كذب نَفْيَه وَلَكِن إضْرابها عَمَّا عداهُ فيكونُ الْعَتِيق فِي المَعْنى مَفْعُولا بِهِ وَإِن كَانَ لَفْظُه مَرْفُوعا بقوله لَهَا مثل سَلاَمٌ عَلَيْك وَنَحْوه مِمَّا يُراد بِهِ الدُّعاءُ وَاللَّفْظ على اللَّفْظ، وحَكَى مُحَمَّد بن السريّ، عَن بعض أهل اللُّغة فِي كَذَب العَتِيقُ أَن مُضَر تَنْصِب بِهِ وأنَّ اليَمَن ترفَعُ بِهِ وَقد تقَدَّم وَجْه ذكر ذَلِك وَقَالُوا كَذَّبته - نَسَبْته إِلَى الكَذِب على مَا يَجِيء عَلَيْهِ هَذَا البِنَاءُ فِي بعض الْمَوَاضِع وأَكْذَبته - صادَفْته كاذِبا أَو قُلْت لَهُ كَذَبْت، ابْن دُرَيْد، كاذَبْته مُكَاذَبة وكِذَابا - كَذَّبته وكَذَّبني، ابْن جنى، قِرَاءة مَن قَرأَ مِمَّن كَذَب بآيَات الله بالتخفِيف دخولُ الْبَاء فِيهَا على المَعْنى لأَنَّه فِي معنَى كَفَر بآيَات اللهِ، أَبُو عبيد، ابْتَشَكَّ الكَلامَ وبَشَك - كَذَب، قَالَ أَبُو عَليّ، أصْل البَشْك سُرْعة الخِيَاطة وَقَالُوا ناقةٌ بَشَكَى - وَهِي السَّرِيعة، أَبُو عبيد، سَرَجَ وشَرَجَ - كَذَب، ابْن دُرَيْد، جاءنِي بكلِمة فسَأَلَنِي عَن مَذَاهِبها فَشَرج عَلَيْهَا أُشْرُوجة - أَي بَنَى عَلَيْهَا بِناءً لَيْسَ مِنْهَا، أَبُو عبيد، خَدَبَ وَلَع يَلَعُ وَلْعا وَلَعاناً - كذَبَ وَأنْشد: وهُنَّ من الإِخْلافِ والوَلَعان ابْن دُرَيْد، أَرَادَ وهنَّ من أهْل الكَذِب والخُلْف، ابْن دُرَيْد، فَشْفَش - افْرَط فِي الكَذِب، ابْن دُرَيْد، سَطَّر عَليْنا - جاءَنا بأحادِيثَ تُشْبِه الباطِلَ والأَساطِيرُ - أحادِيثُ لَا نِظامَ لَهَا واحِدُها إسْطار، قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد، أساطِيرُ جمع أسْطار وأَسْطار جمع سَطْر، أَبُو عبيد، عَبَط عَلَيَّ الكَذِبَ يَعْبِط واعْتَبَط والعِضَة - الكَذِب وَالْجمع عِضُونَ وَهُوَ من العَضِيهة، قَالَ أَبُو عَليّ، جَمَعُوا عِضَة على غِضِينَ على حَدِّ ثُبَةٍ وتُبِينَ وقُلَةٍ قُلِينُ جعلُوا ذَلِك عِوَضاً مِمَّا ذَهَب، صَاحب الْعين، العِضَة والعَضِيهَة - الإِفْك والكَذِب وَقد عَضَهْت أَعْضَهُ عَضْها وأعْضَهْت وَقد تكون العِضَة من الكَهَانة والسِّحْر وَأنْشد: ومِنْ عِضَةِ العاضِهِ المُعْضِه وَقد عَضَهْت الرجُلَ أَعْضَهه عَضْها وأَعْضَهْته - قلتُ فِيهِ مَا لم يَكُنْ وعضَهْت القَوْلَ وأَعْضَهْته والهِلَّوْفُ - الكَذَّاب، ابْن دُرَيْد، النَّهْتَرُ - الكَذِب وَقد نَهْتَر عَلَيْنا، أَبُو عبيد، الخُلاَبِس - الكَذِب وَقيل الحَدِيث الرَّقِيقُ وَأنْشد: وأَشْهَدُ مِنْهُنَّ الحَدِيثَ الخُلاَبِسَا ويُقال خَلْبَس قَلْبَه - فَتَنْه والخِلْباس والخَلاَبِيس - الشيءُ لَا نِظَامَ لَهُ وَقد قيل لَا واحِدَ للخَلاَبِيس، قُطْرب، خُلُق خَلاَبِيس كَذَلِك، ابْن دُرَيْد، الزُّورُ - الكَذِب من قَولهم زَوّرْتُ الكَلام والكِتابَ - قَوَّيْته وشَدَّدته مَأْخُود مِن الزِّوَرَ - وَهُوَ الشَّدِيد وزَوَّرت فَلانا - جَعَلْت كلامَه زُورا وَقد زَوَّر نَفْسه - وَسَمَها بالزُّور والسُّمْهَى - الكَذِب والباطِلُ والزَّرْف - الزِّياد فِي الشَّيء وَقد زَرَف فِي حَدِيثة - كَذَب وزَلَف كَزَرَوف، وَقَالَ، جَاءَ بالخَضِر الرَّطْب - أَي بِكَذِب مُسْتَشْنَع ولهذه الكَلمة مواضِعُ سنأتي عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله، وَقَالَ، جَاءَ بالشُّقَر والبُقَر والشُّقَارَى والبُقَارَى والشُّقَّارَى والبُقَّارَى - أَي الكَذِب والصُّقَر كالشُّقَر، السيرافي، اليَهْيَرَّي والزُّهُو - الكَذِب، ابْن دُرَيْد، ويُقال للكَذَّاب مِطِخْ مِطْخْ - أَي قَوْلك باطِلٌ والبَجَلُ - البُهْتانُ العَظِيم، ابْن دُرَيْد، لَيْس لِهذا الحدِيث نَجْم - أَي أصْل، صَاحب الْعين، الفَنَدُ - الكَذِب وَقد أفنْدَ - كَذَب وفَنَّدْته - كذَّبْته، أَبُو زيد، افْتَأَتَ الرجُلُ - قَالَ عَلَيْك الباطِلَ، ابْن السّكيت، الأزْلُ - الكَذب، وَقَالَ، كَذِبٌ سُمَاق - وَهُوَ الخالِصُ وَأنْشد: أَبْعَدَهُنَّ اللهُ منْ نِيَاقِ إنْ هُنَّ أَنْجَبْنَ من الوَثَاقِ باربع من كذب سماق قَالَ، وكَذِبٌ حَنْبَرِيتٌ - خالِصٌ وَكَذَلِكَ الصُّلْح وَيُقَال كَذِبٌ سَخْتٌ وسَخِيتٌ للشَّدِيد وَقيل إِن سَخْنا بالفارسِيَّة والعَرَبِيَّة واحدٌ وَأنْشد: أَرَادَ حُمْرته، وَقَالَ، كَذَبَ كَذِباً صُرَاحا وصُرَاحِيًّا وصُرَاحِيَةً - وَهُوَ البَيِّن الَّذِي يَعْرِفُه الناسُ، أَبُو عبيد، السَّهْوَقُ - الطَّوِيل وَقد تقدم وَهُوَ الكَذَّاب، ابْن السّكيت، رجل سَحِيحٌ ومَحَّاح - كَذَّاب وَرجل تِمْسَح وتِمْساح كَذَلِك وَقد تقدّم أنَّ التِّمْسَح المارِدُ الخَبِيث، ابْن دُرَيْد، المَلاَّذُ - الكَذَّاب، أَبُو زيد، وَكَذَلِكَ المَرَّاج وَقد مَرَج الكَذِب يَمْرُجُه مَرْجا وَرجل سَرَّاج كَذَلِك والمُمَزّج والمَزَّاج - الكَذَّاب الكَثِير الإِخْلاف الَّذِي لَا يَثْبُت على خُلُق واحِدٍ، الأَثْرمُ، رجل مَلْسُونٌ - كَذَّاب، ابْن السّكيت، مانَ مَيْنا وَرجل مَيُونٌ وَأنْشد: أَزَعَمْتَ أنَّك قد فَتَلْ تَ سَرَاتَنا ومَيْنَا وَقَالَ غَيره، قَالَ مَيْنًا بعد قَوْله كَذِبا الاخْتِلاف اللَّفْظَيْنِ كَمَا قَالَ عزَّ وجلَّ ولقَدْ آتَيْنَا مُوسى الكِتَابَ والفُرْقانَ والفُرْقانُ هُوَ الكِتَاب فِي قَول بعضِهم، ابْن السّكيت، تَسَدَّجَ وَهُوَ سَدّاج - كَذَّاب وَأنْشد: ? حتَّى رَهِبْنا الإِثْمَ وَأَن تُنْسَجَا = فِينَا أَقَاوِيلُ امْرِئٍ تَسَدَّجا أَي تَكذَّب وتَخَلَّق، غَيره، هُوَ السَّدَج وَقد سَدِجَ، ابْن السّكيت، زَغَف لنا فُلانٌ - حَدَّث فزادَ فِي الحَدِيث وكَذَب فِيهِ، وَقد سَدِجَ، ابْن السّكيت، زَغَف لنا فُلانٌ - حَدَّث فزادَ فِي الحَدِيث وكَذَّب فِيهِ، أَبُو عبيد، يَزْغَفُ زَغَفا وَمِنْه اشْتِقاق الدِّرْع الزَّغْف - وَهِي الواسِعَة، ابْن السّكيت، تَخَلَّق كَذِبا وخَلَق قَالَ اللهُ تبارَك وتعالَى وتَخْلُقونَ إِفْكاً، ابْن الْأَعرَابِي، الخُلُق - الكَذِب من قَوْله تَعَالَى إنْ هذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوِّلينَ وَمن قَرَأَ أخَلْق حمله على المَصْدَر، ابْن السّكيت، وَقد خَرَق كَذِبا واخْتَرَقه وخَرَّقه قَالَ الله عزَّ وجلَّ وخَرَّ قُوله بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْر علْمٍ، وَقَالَ، ارْتَجَل الكَذِب - ابْتَدأه من نَفْسه، قَالَ أَبُو عَليّ، أصلُ الارتِجَال تَنَاوُل الشيءِ بِغَيْر كُلْفَة قَالُوا تَرَجَّلْت البِئْرَ - نَزَلْتها من غير أَن أُدَلَّى، صَاحب الْعين، تَقَوَّلْت قَوْلا - ابتَدَعْته كَذِبا، ابْن السّكيت، فِيهِ نَمْلةٌ - أَي كَذِب وَهُوَ رجُل نَمِلٌ ونامِلٌ ومُنْمِل ومِنْمَلٌ، وَقَالَ، خَرَص يَخْرُص خَرْصا وتَخَرَّص، ابْن دُرَيْد، اخْتَرَص كَلاَما - اخْتَلَقه، غَيره، سَمْهَجَ الكَلاَم - كَذَب فِيهِ وَيُقَال للكَذَّاب أبُو بَنَاتِ غَيْر وبَنَاتُ غَيْر - الزُّور والباطِلُ وَأنْشد: إِذا مَا جِئْتَ جاءَ بَناتُ غَيْرٍ وإنْ وَلَّيتَ أَسْرَعْنَ الذَّهَابا ابْن السّكيت، أَفَك يَأْفِكُ أَفْكاً وَالِاسْم الإِفْك، أَبُو عبيد، وَهِي الأَفِيكَة، أَبُو زيد، رجل أفَّاك وأَفُوك، الْخَلِيل، المَأْفُوك والمُؤْتَفِك - الْقَائِل الإِفْك، ابْن السّكيت، وَلَق وَلْقا وَفِيه ولْق ووَلَقَةٌ - وَهُوَ الكَذِب وَقَالَ إِنَّه لَقَمُوص الحَنْجَرة - أَي كَذَّاب ويُقال للكَذَّاب لَا يُوْثَق بسَيْل تَلْعَتِه وفلانٌ لَا يُصَدًَّق أثَرُه وَلَا تُسَالمُ خَيْلاه والمعْنَى واحِدٌ فِي الكَذِب وَقَالَ هُوَ أكْذَب من يَلْمَع - وَهُوَ السَّراب وَيُقَال هُوَ أَكْذَبُ مَنْ دَبَّ ودَرَج - أَي أكذَبُ الأَحْياء والأَمْوات يُقال للْقَوْم إِذا انْقَرَضوا دَرَجُوا وَأنْشد: = قَبِيلةٌ كِشرَاكِ النَّعْل دارِجَةُ صَاحب الْعين، رجُل مُذَّاع - كَذَّاب قَلِيل الوَفَاء لَا يَحْفَظ غائِباً وَقد تقدم أَنه الذِي لَا يَكْتُم سِرًّأ، غَيره، العَثْر - الكَذِب، ابْن دُرَيْد، الطِّخْزُ - الكَذِب، قَالَ، وَلَيْسَ بعربِّي صَحِيح، غير وَاحِد، ادَّعَيْت الشيءَ عَلَيْهِ وَالِاسْم الدَّعْوى، صَاحب الْعين، انْتَحَل الشِّعْر - ادَّعاه وتُحِل قَصِيدةً وَهِي لغَيْره ونَحَلْته القولَ أَنْحَلُه نَحْلاً - نَسَبْته إِلَيْهِ والرَّهَق - الكَذِب، ابْن دُرَيْد، الإِزْهَاف - الكَذِب وَقد أَزْهَقْت الرجُل - أخْبرت القومَ من أَمْره بأمْرٍ لَا يَدْرُون أحَقٌّ هُوَ أم باطِل والإِزْهاف - التَّزْيِين وَأنْشد: أشَاقَتْك لَيْلَى فِي الِّلمَام وَمَا جَزَتْ بِمَا أزْهَفَتْ يَوْم الْتَقْيَنا وضَرَّتِ صَاحب الْعين، الخَوْضُ من الْكَلَام - مَا فِيهِ الكَذِب وَقد خاضَ فِيهِ وَفِي التَّنْزِيل الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا والخَوْض - اللَّبْس فِي الأَمْر. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل، فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم- إضافة لما سبق- أن يقال لهم:
1 - إن آدم عليه السلام الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله عزَّ وجلَّ: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:122. وقد قبل الله توبته. كما أنه عوقب عليه السلام بإخراجه من الجنة وتأثر أبناؤه بالعقوبة، وإن لم يكونوا مقصودين بها. كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم: (لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت) سفر التكوين (2/ 17). وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب. فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الإحياء، وألبسوها هذا اللبوس؟!!! 2 - إن ما وقع من آدم عليه السلام هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له، وهذا ذنب منه في حقِّ الله عزَّ وجلَّ الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن ينزل الرب جل وعلا ليصلب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم. 3 - أن ما وقع من آدم عليه السلام يعتبر يسيرا بالنسبة لما فعله كثير من أبنائه من سب الله عزَّ وجلَّ والاستهزاء به، وعبادة غيره جلَّ وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم عليه السلام. فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم. 4 - إن صلب المسيح الذي هو الله في زعمهم- تعالى الله عن قولهم- قد تمَّ بلا فائدة تذكر، فإن خطيئة آدم ليست على بال بنيه ولا تقض مضاجعهم إنما ما يقلق الإنسان ويخيفه ذنوبه وجرائمه، وهذه لا تدخل في كفارة المسيح في زعمهم. 5 - إن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم، وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى. 6 - إن الأنبياء السابقين والدعاة والصالحين قبل المسيح بناء على كلامهم هذا, كانوا يدعون إلى ضلالة، وقد أخطؤوا الطريق إذ لم يرشدوا الناس إلى حقيقة تلك الخطيئة، ويوعوهم بخطورتها، كما يفهمها النصارى. 7 - إن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة؛ لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى. 8 - إن بين آدم وعيسى عليهما السلام زمناً طويلاً، فمعنى ذلك أن الله بقي متحيراً كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه. 9 - إن الخطيئة وقعت من آدم عليه السلام فلا تنتقل إلى أبنائه، ولا يستحقون هم العقوبة عليها؛ لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره، بل هذا ينافي قواعد العدل، وقد نصَّ الله عزَّ وجلَّ على هذا في القرآن الكريم بقوله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:38. وكذلك ورد في التوراة (لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل). سفر التثنية (24/ 16). 10 - هل من العدل أن يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم، فكيف يعاقب بدلاً عن آدم وذريته ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة؛ لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم. 11 - أن المسيح في زعم النصارى ابن الله، فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه، ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن والموتة الشنيعة؟! 12 - في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله، وأن المصلوب المهان الملعون- تعالى الله عن قولهم، وتقدَّس- هو الله جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه، فهل يوجد كفر أعظم من هذا، وافتراء على الله أكبر من هذا؟ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:139. 13 - هل يليق أو يعقل أن ينزل الله جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه من عليائه وعرشه، ويسمح لأبغض أعدائه إليه اليهود قتلة الأنبياء، والرومان الوثنين أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه؟ ثم هو يفعل هذا؟ لماذا؟ لأجل أن يرضي نفسه؟ لأجل من؟ من أجل عبيده؟ هذا مما لا يمكن أن يقال ويقبل بحال من الأحوال، بل يجب أن يستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند مرور مثل هذا الخاطر والوسواس، ويقال: سبحانك هذا بهتان عظيم! 14 - حسب عقيدة الفداء لدى النصارى يكون أعظم الناس برًّا وفضلاً على النصارى والبشرية عموماً اليهود والرومان والواشي بالمسيح؛ لأنهم الذين تحقق على أيديهم في زعم النصارى الهدف الأسمى الذي جاء من أجله المسيح، وهو الموت على الصليب. 15 - إن جميع تحركات المسيح ودعوته وفق اعتقاد النصارى في الصلب والفداء لم تكن إلا تمثيلاً أحسن المسيح أداء الدور فيه، مما جعل اليهود يغضبون عليه، فيعلقونه على الصليب. 16 - بناء على دعوى النصارى في أن المسيح فدى البشر بدمه، فمعنى ذلك أنه لا حاجة إلى الإيمان به واعتقاد صلبه وألوهيته وما إلى ذلك؛ لأن الخطيئة قد ارتفعت عن جميع البشر ببذله نفسه، مثل من كان عليه دين فجاء أحد من الناس فقضى ذلك الدين عنه، فالمطالبة تسقط عنه بمجرد القضاء، وهذا ما لا يقول به النصارى مخالفين في ذلك دليل العقل. 17 - إن دعوى النصارى بأن الصلب وقع على الجسد البشري الذي حمل الخطيئة، وأن هذا الجسد مات. دعوى تنقضها وتبطلها قصة قيامة المسيح عندهم، فلو كان تجسد لأجل تحمل الخطيئة، فالواجب أن يفني ذلك الجسد بعد حلول العقوبة عليه. 18 - إن دعوى أن المسيح قام من قبره ولمسوه وتأكدوا منه، ثم ارتفع إلى السماء تنقض دعوى أنه ابن الله وأنه تجسد بالصورة البشرية؛ لأن الدور الذي تجسد من أجله قد أدَّاه وانتهى، ثم إن الجسد البشري لا حاجة إليه حيث يذهب المسيح في زعمهم عن يمين أبيه، وهذا من أوضح القضايا لو كانوا يعقلون. بعد هذا كله من حق الإنسان أن يتساءل: هل النصارى على درجة كبيرة من الذكاء والخبث الشيطاني الذي جعلهم يُغلِّفون بغضهم لله عزَّ وجلَّ، وبغضهم للمسيح عليه السلام بهذه الدعاوى الكاذبة التي يظهرونها، ويُصرون على التمسك بها بدون أدنى دليل عقلي أو شرعي، زاعمين أنهم يعبرون بذلك عن شدة حبهم لله عزَّ وجلَّ وشدة حبهم للمسيح أيضاً؟! أم أنهم على درجة شديدة من الغباء والحمق الغالي الذي جعلهم لا يميزون بين ما هو ثناء وحب حقيقي، وبين ما هو طعن وسخرية وبغض وأحقاد تنفث على الله عزَّ وجلَّ وعلى نبيه المسيح عليه السلام؟ وصدق الله القائل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8. وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم عليها، إذ ليس في النصرانية أي عامل جذب يمكن أن يجذب الناس إليها، وليس فيها ما يمكن أن يتحدث فيه، ويقدم للناس سوى هذه القضية التي يركزون عليها تركيزاً شديداً، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بإيحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، وتأنيب الضمير، والخوف من الهلكة، يفتحون له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينون له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس، ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله. ¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 327 |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
يزعم النصارى أن المسيح عليه السلام سوف يتولَّى يوم القيامة محاسبة الناس وإدانتهم، ولهم على ذلك نصوص من إنجيل يوحنا وغيره. ومن ذلك ما ورد في (إنجيل يوحنا) (5/ 26): (كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً؛ لأنه ابن الإنسان).
وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (5/ 10): (لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً). وثبوت هذه العقيدة فرع عن ثبوت أصلها، وهي الأناجيل أو الرسائل، أما الأناجيل فقد سبق الحديث عنها، و (إنجيل يوحنا) أقلها نصيباً من الصحة. أما كلام بولس في رسائله فإنه غير مقبول؛ لأنه كما سيتبين يهودي متعصب، وهو أول من انحرف بالديانة النصرانية عن وجهها إلى الشرك ودعوى ألوهية المسيح إلى غير ذلك من الضلالات. وما نعتقده في ذلك أن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يتولَّى حساب الناس يوم القيامة، ويكون الرسل شهوداً على أقوامهم. ¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 333 |
|
في الفرنسية/ These
في الانكليزية/ Thesis في اللاتينية/ Thesis الدعوى في اللغة هي القول، نقول دعوى فلان كذا. وهي ان يقصد الإنسان اثبات حق له على غيره، والاقرار عكسه، وهو اثبات حق الغير على نفسه. والدعوى عند أهل المناظرة تشتمل على الحكم المقصود اثباته بالدليل واظهاره بالبينة، والقاصد أو المتصدّي لاثبات الحكم أو لاظهاره هو المدعي، وخصمه هو المدعى عليه. قال الغزالي: نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين مفردين دعوى، اذا تحدى به المتحدي ولم يكن عليه برهان، وكان في مقابلة القائل خصم، فان لم يكن في مقابلته خصم سميناه قضية (محك النظر، ص 14 - 15). والدعوى قول يلتزم الإنسان اثباته مع دحض الاعتراض عليه، ويطلق على رأي الفيلسوف في مسألة معينة، أو على ما يقصد المحامي اثباته في مرافعته، أو على الفكرة التي يدافع عنها احد رجال السياسة في خطبه ومناقشاته. والدعوى عند (كانت) هي الطرف الإيجابي من مناقضات العقل، وهو يتضمن التصديق بوجود حد نهائي لكل مسألة. وهذا الحدّ هو الأوّل في مرتبة الوجود، عنده يقف البحث بعد عدد متناه من الحدود المتوسطة (مثل البدء في الزمان، والعنصر البسيط في الأشياء، والفعل الحر، والموجود الواجب بذاته). والدعوى عند (هيجل) هي الطرف الأول في جملة مؤلفة من ثلاثة حدود أو ثلاث قضايا، وهي الدعوى ( These)، ونقيض الدعوى ( Antithese)، والتأليف بينهما ( Synthese). وإذا اطلق لفظ ( These) على الرسالة التي يضعها احد الطلاب للحصول على احدى الدرجات الجامعية سمي بالاطروحة، لأن الاطروحة هي المسألة تطرحها للنظر والبحث. |
|
في الفرنسية/ Antithese
في الانكليزية/ Antithesis في اللاتينية/ Antithesis النقيض المخالف، والنقيضان هما الأمران المتمانعان بالذات، أي الأمران اللذان يتمانعان، ويتدافعان، بحيث يقتضي تحقق احدهما انتفاء الآخر، وبالعكس. ونقيض كل قضية رفع تلك القضية فإذا قلنا: كل انسان حيوان بالضرورة، فنقيضها انه ليس كذلك (تعريفات الجرجاني). ونقيض الدعوى قضية مقابلة. لدعوى معيّنة، وهي عند (كانت) الطرف السالب من نقائض العقل ( Antnomies) وعند (هيجل) المرحلة الثانية من مراحل الجدل المعارضة للمرحلة الاولى أو الدعوى. لأن مراحل الجدل عنده ثلاث: الدعوى ( These)، ونقيض الدعوى ( Antithese)، والتأليف بينهما ( Synthese). ( ر: الجدل، الدعوى). |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِدِّعَاءِ، مَصْدَرُ ادَّعَى، وَتُجْمَعُ عَلَى دَعَاوَى بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا. وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: الطَّلَبُ وَالتَّمَنِّي، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} . (1) وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ، كَمَا فِي قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . (2) وَمِنْهَا: الزَّعْمُ. وَلاَ تُطْلَقُ الدَّعْوَى عَلَى الْقَوْل الْمُؤَيَّدِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، بَل يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا، وَصَاحِبُهُ مُحِقًّا لاَ مُدَّعِيًا، فَلاَ تُطْلَقُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مَقْرُونٌ بِالْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَةُ. وَكَانُوا يُسَمُّونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ. وَالدَّعْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ __________ (1) سورة يس / 57 (2) سورة يونس / 10 الإِْنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ. (1) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْقَضَاءُ: 2 - الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ. وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْل الْخُصُومَةِ. (2) وَالصِّلَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ أَنَّ الدَّعْوَى طَلَبُ حَقٍّ، وَالْقَضَاءُ نَهْوِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الطَّلَبِ وَالإِْلْزَامِ بِهِ. ب - التَّحْكِيمُ: 3 - التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَ، يُقَال: __________ (1) لسان العرب، المصباح المنير، تاج العروس، التعريفات ص 72، المبسوط 17 / 29 مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى، وانظر تنوير الأبصار 1 / 370، 372 ط مصطفى الحلبي 1386 هـ، والفروق 4 / 72 مطبعة عيسى الحلبي - الطبعة الأولى 1346، وتحفة المحتاج 10 / 285 المطبعة الميمنية بمصر - الطبعة الثالثة 1315 هـ، والمغني 9 / 271مطعة دار المنار الطبعة الثالثة 1367 هـ، وكشاف القناع 4 / 227 المطبعة العامرة الشرقية - الطبعة الأولى 1319 هـ وغاية المنتهى 3 / 476 مؤسسة دار السلام للطباعة والنشر بدمشق - الطبعة الأولى، ومنتهى الإرادات - القسم الثاني ص 628 - مطبعة دار الجيل الجديد 1381 هـ. تحقيق الشيخ عبد الغني عبد الخالق. (2) بدائع الصنائع 7 / 2، ومغني المحتاج 4 / 372، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 6 / 453 حَكَّمُوهُ بَيْنَهُمْ: أَيْ فَوَّضُوهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَيُقَال: حَكَّمْنَا فُلاَنًا فِيمَا بَيْنَنَا أَيْ أَجَزْنَا حُكْمَهُ بَيْنَنَا. وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا. (1) وَعَلَى هَذَا يَشْتَرِكُ التَّحْكِيمُ وَالدَّعْوَى فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الْفَصْل فِي الْخُصُومَةِ، وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ، وَالأَْثَرُ، وَالْمَحَل: فَالتَّحْكِيمُ فِي حَقِيقَتِهِ عَقْدٌ مَبْنَاهُ عَلَى اتِّفَاقِ إِرَادَتَيْنِ، حَيْثُ يَكُونُ بِتَرَاضِي الْخُصُومِ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَصِحُّ بِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ. (2) أَمَّا الدَّعْوَى فَهِيَ تَصَرُّفٌ قَوْلِيٌّ يَقُومُ بِهِ الْمُدَّعِي بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ. وَلِلتَّحْكِيمِ أَثَرٌ إِنْشَائِيٌّ، حَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ وِلاَيَةٍ خَاصَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَبْل التَّحْكِيمِ، أَمَّا الدَّعْوَى فَلَيْسَ لَهَا مِثْل هَذَا الأَْثَرِ، إِذْ تُرْفَعُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنْ عَقْدِ التَّوْلِيَةِ. وَالتَّحْكِيمُ يَجُوزُ فِي الأَْمْوَال بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. (3) __________ (1) البحر الرائق 7 / 24 طبع دار الكتب العربية الكبرى بمصر. (2) فتح القدير 5 / 500 طبعة بولاق 1318 هـ، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 139 طبع دمشق 1975 م (3) روضة القضاة ص 80 طبع بغداد 1970 م، تبصرة الحكام 1 / 55، أدب القضاء ص 138طبع دمشق، الإنصاف 11 / 198 - مطبعة السنة المحمدية 1958م. أَمَّا الدَّعْوَى فَتَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ بِلاَ خِلاَفٍ. ج - الاِسْتِفْتَاءُ: 4 - الاِسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الإِْفْتَاءِ، وَالإِْفْتَاءُ هُوَ: الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمِ الشَّارِعِ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَاءِ الأَْدِلَّةِ وَاتِّبَاعِ مُقْتَضَيَاتِهَا. (1) وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الاِسْتِفْتَاءَ هُوَ طَلَبُ بَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ. وَتَخْتَلِفُ الدَّعْوَى عَنْهُ أَنَّ فِيهَا طَلَبَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِحَقٍّ، فَتَقْتَضِي وُجُودَ خَصْمٍ يُطْلَبُ إِلْزَامُهُ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ فِي الاِسْتِفْتَاءِ طَلَبُ إِلْزَامٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ خَصْمٍ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 5 - لَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِيقَتِهَا إِخْبَارًا يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ أَمَامَ الْقَضَاءِ، وَهِيَ تَحْتَمِل الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَمِنَ الْبَدَهِيِّ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً إِذَا كَانَتْ دَعْوَى كَاذِبَةً، وَكَانَ الْمُدَّعِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ، فَهِيَ عِنْدَئِذٍ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ بِهَا الضِّرَارَ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَرِيمَهُ لاَ يُنْكِرُ حَقَّهُ، وَأَنَّهُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِتَوْفِيَتِهِ إِيَّاهُ، فَيَرْفَعُ الدَّعْوَى لِلتَّشْهِيرِ بِهِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً. __________ (1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص 5 مطبعة الأنوار بمصر - الطبعة الأولى 1938 م، والإنصاف 11 / 186 أَرْكَانُ الدَّعْوَى: 6 - أَرْكَانُ الدَّعْوَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هِيَ: الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعَى، وَالْقَوْل الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعِي يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ. وَلِكُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِيمَا بَعْدُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ التَّعْبِيرُ الْمَقْبُول الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ إِنْسَانٍ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لَهُ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ، مِثْل قَوْل الرَّجُل: لِي عَلَى فُلاَنٍ أَوْ قِبَل فُلاَنٍ كَذَا، أَوْ قَضَيْتُ حَقَّ فُلاَنٍ، أَوْ أَبْرَأَنِي عَنْ حَقِّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرُّكْنَ هَل هُوَ مُجَرَّدُ التَّعْبِيرِ الطَّلَبِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، أَوْ أَنَّهُ هُوَ مَدْلُول ذَلِكَ التَّعْبِيرِ، أَوْ أَنَّهُ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هَل رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ الدَّال أَوِ الْمَدْلُول أَوْ كِلاَهُمَا؟ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْقْوَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ. (1) __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 222 مطبعة الجمالية بالقاهرة 1910 م، حاشية الشرنبلالي على درر الحكام 2 / 329 المطبعة العامرة الشرقية 1304 هـ، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي 4 / 290 - المطبعة الأميرية - الطبعة الأولى 1314 هـ، الدرر المنتقى في شرح الملتقى 2 / 205 مطبوع على هامش مجمع الأنهر - المطبعة العثمانية - الطبعة الأولى 1327هـ، المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص18 مطبعة النيل بالقاهرة كَيْفِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: 7 - تَمْيِيزُ الْقَاضِي الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَهَمِّ الأُْمُورِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا، ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَل عِبْءَ الإِْثْبَاتِ فِي الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعِي. وَعِبْءَ دَفْعِهَا بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمُدَّعِي إِثْبَاتَهَا بِالْبَيِّنَةِ. وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الْعِبْءَ الأَْوَّل أَثْقَل مِنَ الْعِبْءِ الثَّانِي، فَإِنْ أَخْطَأَ الْقَاضِي فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ سَيُحَمِّل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِبْءَ الأَْثْقَل، وَيَجْعَل عَلَى الْمُدَّعِي الْعِبْءَ الأَْخَفَّ، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ وَالظُّلْمِ فِي الْقَضَاءِ. لِذَلِكَ اجْتَهَدَ الْفُقَهَاءُ فِي وَضْعِ الضَّوَابِطِ الَّتِي تُعِينُ الْقُضَاةَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي أَيَّةِ خُصُومَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ حَصْرُ أَقْوَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي اتِّجَاهَيْنِ: 8 - الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى النَّظَرِ إِلَى جَنَبَةِ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ: فَمَنْ كَانَتْ جَنَبَتُهُ قَوِيَّةً بِشَهَادَةِ أَيِّ أَمْرٍ مُصَدِّقٍ لِقَوْلِهِ كَانَ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالآْخَرُ مُدَّعِيًا. وَمَعَ اتِّفَاقِ أَصْحَابِ هَذَا الاِتِّجَاهِ عَلَى هَذَا الأَْصْل، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الأَْمْرِ الْمُصَدِّقِ الَّذِي إِذَا تَجَرَّدَ عَنْهُ قَوْل أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي، فَتَبَايَنَتْ - بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ - تَعْرِيفَاتُهُمْ لِلْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: أَوَّلاً: ذَهَبَ مُعْظَمُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ مَنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَاهُ عَنْ أَمْرٍ يُصَدِّقُهُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ كَانَ أَضْعَفَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَمْرًا فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الصِّدْقِ. (1) وَفَسَّرَ آخَرُونَ مِنْهُمْ هَذَا الأَْمْرَ الْمُصَدِّقَ بِقَوْلِهِمِ: الْمُدَّعِي هُوَ مَنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسُهُ. وَالْمَعْهُودُ هُوَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ وَالْغَالِبُ. (2) وَرَأَى بَعْضُهُمْ تَقْيِيدَ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ لِلْمُدَّعِي بِقَوْلِهِ " حَال الدَّعْوَى "، أَيْ أَنَّ: التَّجَرُّدَ الْمَقْصُودَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ حَال الدَّعْوَى، وَقَبْل إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلِذَلِكَ قَال بَعْضُهُمْ " بِمُصَدِّقٍ غَيْرِ بَيِّنَةٍ "، أَيْ أَنْ لاَ يَكُونَ الأَْمْرُ الْمُصَدِّقُ الَّذِي تَجَرَّدَ عَنْهُ قَوْل الْمُدَّعِي هُوَ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّهُ يَظَل مُدَّعِيًا وَلَوْ لَمْ يَتَجَرَّدْ قَوْلُهُ مِنْهَا. (3) __________ (1) حاشية الأمير 2 / 316 المطبعة البهية الشرقية 1304 هـ، مواهب الجليل 6 / 124 مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى 1325 هـ. (2) تبصرة الحكام 1 / 123 مطبعة مصطفى الحلبي 1958 م مطبوع على هامش فتح العلي المالك، القوانين الفقهية ص 288 مطبعة النهضة بتونس 1926م، البهجة في شرح التحفة 1 / 28 المطبعة البهية بمصر، ياقوتة الحكام ص 4، المطبعة المولوية بفاس العليا - الطبعة الأولى 1327 هـ، العقد المنظم للحكام 2 / 198 مطبوع على هامش تبصرة الحكام - المطبعة العامرة الشرقية - الطبعة الأولى 1301 هـ، الخرشي 7 / 154 - المطبعة الأميرية الكبرى ببولاق - الطبعة الثانية 1317 هـ (3) حاشية الدسوقي 4 / 143 - مطبعة عيسى الحلبي، التاج والإكليل ومواهب الجليل 6 / 124 مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى 1329 هـ، شرح حدود ابن عرفة ص 470 - المطبعة التونسية بتونس - الطبعة الأولى 1350 هـ، حاشية الأمير 2 / 316 ثُمَّ إِنَّ الأَْمْرَ الْمُصَدِّقَ الَّذِي إِذَا اعْتَضَدَ بِهِ جَانِبُ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ كَانَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ شَيْئَيْنِ هُمَا: الأَْصْل وَالظَّاهِرُ: 9 - أَمَّا الأَْصْل فَهُوَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمَعْمُول بِهَا فِي الْوَاقِعَةِ الْمَخْصُوصَةِ، أَوِ الدَّلاَلَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ، أَوِ اسْتِصْحَابُ الْحَال الأَْوَّل. (1) وَقَدْ ذَكَرُوا مِنَ الأُْصُول: 1 - الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الْحُقُوقِ قَبْل عِمَارَتِهَا: فَمَنِ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى آخَرَ، فَأَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ كَانَ الْمُنْكِرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَقَدْ عَضَّدَهُ هَذَا الأَْصْل، فَكَانَ الْقَوْل لَهُ بِيَمِينِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ. وَلَوِ اعْتَرَفَ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ وَادَّعَى الْقَضَاءَ، لَكَانَ الطَّالِبُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذَا الدَّفْعِ، لأَِنَّ الأَْصْل اسْتِصْحَابُ عِمَارَةِ الذِّمَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ شُغْلِهَا، فَكَانَ الْقَوْل لَهُ بِيَمِينِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلآْخَرِ بَيِّنَةٌ. 2 - الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الصِّحَّةُ قَبْل ثُبُوتِ مَرَضِهِ، وَيَكُونُ مُدَّعِي الْمَرَضِ مُدَّعِيًا خِلاَفَ الأَْصْل، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَإِذَا وَقَعَ طَلاَقُ رَجُلٍ لِزَوْجَتِهِ طَلاَقًا بَائِنًا، ثُمَّ مَاتَ، فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 122 الْوَرَثَةِ تَدَّعِي أَنَّهُ طَلَّقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِكَيْ تَرِثَ مِنْهُ، فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُدَّعِيَةً خِلاَفَ الأَْصْل الَّذِي يَقْضِي بِأَنَّ الإِْنْسَانَ سَلِيمٌ حَتَّى يَثْبُتَ مَرَضُهُ، فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ وَالْقَوْل لِلْوَرَثَةِ. 3 - الأَْصْل عَدَمُ الْمَضَارَّةِ وَالتَّعَدِّي، فَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى الطَّبِيبِ الْعَمْدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَادَّعَى الطَّبِيبُ الْخَطَأَ، فَإِنَّ الْقَوْل لَهُ. 4 - الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْجَهْل بِالشَّيْءِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ الدَّلِيل بِالْعِلْمِ، فَإِذَا قَامَ الشَّرِيكُ يَطْلُبُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ بِالشُّفْعَةِ مِمَّنِ اشْتَرَاهَا، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُرُورِ عَامٍ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عِلْمَ الشَّرِيكِ بِالْبَيْعِ، وَادَّعَى هُوَ جَهْلَهُ بِذَلِكَ كَانَ الْقَوْل قَوْل الشَّرِيكِ، وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُدَّعِي، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي تَشْهَدُ أَنَّ الشَّرِيكَ كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِالْعَقْدِ. 5 - الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْفَقْرُ، لِسَبْقِهِ، حَيْثُ يُولَدُ خَالِيَ الْيَدِ، فَيَكْتَسِبُ بِعَمَلِهِ، فَيُصْبِحُ غَنِيًّا، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ مَحْمُولُونَ عَلَى الْمُلاَءِ لِغَلَبَتِهِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا تَعَارَضَ فِيهِ الأَْصْل وَالْغَالِبُ، وَقُدِّمَ الأَْخِيرُ فِيهِ، وَفَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ زَاعِمَ الإِْعْسَارِ يُعْتَبَرُ مُدَّعِيًا، وَإِنْ وَافَقَهُ الأَْصْل الَّذِي هُوَ الْفَقْرُ، فَهُوَ الْمُدَّعِي وَالْمَطَالِبُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الإِْعْسَارِ. 10 - وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَيُسْتَفَادُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْعُرْفُ، وَالْقَرَائِنُ الْمُغَلِّبَةُ عَلَى الظَّنِّ. الأَْوَّل: الْعُرْفُ، وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمُ الْمَعْهُودَ وَالْغَالِبَ وَالْعَادَةَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى حُجِّيَّتِهِ بِقَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . (1) وَقَدْ قَالُوا: الْعُرْفُ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْصْل، وَكُل أَصْلٍ كَذَّبَهُ الْعُرْفُ، رُجِّحَ هَذَا الأَْخِيرُ عَلَيْهِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَسَائِل، مِنْهَا مَا لَوِ ادَّعَى الصَّالِحُ التَّقِيُّ الْعَظِيمُ الْمَنْزِلَةَ أَوِ الشَّأْنَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ عَلَى أَفْسَقِ النَّاسِ وَأَدْنَاهُمْ عِلْمًا وَدِينًا دِرْهَمًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهُ، وَالأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَيُقَدَّمُ الأَْصْل عَلَى الْغَالِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. (2) الأَْمْرُ الثَّانِي: الْقَرَائِنُ وَظَوَاهِرُ الْحَال وَغَلَبَةُ الظَّنِّ، فَمَنْ حَازَ شَيْئًا مُدَّةً يَتَصَرَّفُ فِيهِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ قَوْل الْحَائِزِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ، وَيَكُونُ الآْخَرُ مُدَّعِيًا، لأَِنَّ قَوْلَهُ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ الْمُسْتَنْبَطَ مِنَ الْوَاقِعِ وَالْقَرَائِنِ، فَيُكَلَّفُ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَقَعَتْ دَعْوَاهُ بِيَمِينِ الْحَائِزِ. (3) وَقَدِ اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْضَ الْمَسَائِل، إِمَّا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، __________ (1) سورة الأعراف / 199 (2) القوانين الفقهية ص 288، العقد المنظم للحكام 2 / 198، وتهذيب الفروق 4 / 119 - 120 (3) القوانين الفقهية ص 288 وَإِمَّا لِلضَّرُورَةِ: كَمَا فِي قَوْل الأُْمَنَاءِ فِي تَلَفِ الأَْمَانَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّهُ يُقْبَل مَعَ أَنَّ الأَْصْل عَدَمُهُ، لأَِنَّهُ أَمْرٌ عَارِضٌ، وَإِنَّمَا قُبِل كَيْلاَ يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُول الأَْمَانَاتِ، فَتَفُوتُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ. (1) وَكَمَا فِي قَوْل الْغَاصِبِ بِتَلَفِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل مَعَ يَمِينِهِ، لِلضَّرُورَةِ، وَيُعْتَبَرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَاعْتُبِرَ مُدَّعِيًا لَكَانَ مَصِيرُهُ الْخُلُودَ فِي السِّجْنِ. (2) ثَانِيًا: ذَهَبَ مُعْظَمُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ: مَنْ يَلْتَمِسُ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ: مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ. (3) وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، وَظَاهِرٌ بِغَيْرِهِ، وَيُطْلِقُونَ كَثِيرًا لَفْظَ " الأَْصْل " عَلَى النَّوْعِ الأَْوَّل، وَإِذَا ذَكَرُوا الظَّاهِرَ فِي مُقَابَلَةِ الأَْصْل كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ النَّوْعَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِغَيْرِهِ. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقْصَدُ بِهِ النَّوْعَانِ جَمِيعًا. __________ (1) تهذيب الفروق 4 / 122 بهامش الفروق - مطبعة عيسى الحلبي بمصر - الطبعة الأولى 1346 هـ. (2) تبصرة الحكام 1 / 126 (3) الوجيز للغزالي 2 / 260 - مطبعة الآداب 1317 هـ، المنهاج ومغني المحتاج 4 / 464 طبع الحلبي 1377هـ، قواعد الأحكام 2 / 32 - دار الشرق للطباعة بالقاهرة 1388هـ، شرح المحلي 4 / 336 مطبعة مصطفى الحلبي 1956م، حاشية الباجوري 2 / 401 مطبعة السعادة - الطبعة الأولى 1910 م وَالظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ هُوَ أَقْوَى أَنْوَاعِ الظَّاهِرِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنَ الأُْصُول، كَالظَّاهِرِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْبَرَاءَةِ الأَْصْلِيَّةِ: بَرَاءَةِ الذِّمَمِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَالأَْجْسَادِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَبَرَاءَةِ الإِْنْسَانِ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال جَمِيعِهَا. (1) وَالظَّاهِرُ بِغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْعُرْفِ وَالْعَوَائِدِ، أَوْ مِنَ الْقَرَائِنِ وَدَلاَئِل الْحَال. وَإِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ مَعَ الظَّاهِرِ بِغَيْرِهِ فَغَالِبًا مَا يُقَدِّمُ الشَّافِعِيَّةُ الأَْوَّل، وَيَكُونُ الَّذِي يَدَّعِي خِلاَفَهُ مُدَّعِيًا يُكَلَّفُ بِالْبَيِّنَةِ إِنْ لَمْ يُقِرَّ خَصْمُهُ، وَالآْخَرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِثَال ذَلِكَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْحَاضِرِ أَنَّهُ لاَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَالأَْصْل يَقْضِي بِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ، وَالظَّاهِرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَرَائِنِ الْحَال يَقْضِي بِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَالشَّافِعِيَّةُ يُقَدِّمُونَ الأَْوَّل عَلَى الثَّانِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَكُونُ الْقَوْل قَوْل الْمَرْأَةِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ الْمَرْأَةَ مُدَّعِيَةً، وَالزَّوْجُ مُدَّعًى عَلَيْهِ. (2) أَمَّا إِذَا تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ فِي قُوَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنْ __________ (1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 70 - 71 - طبع مكة 1331 هـ، وقواعد الأحكام 2 / 32، مغني المحتاج 4 / 464 طبع الحلبي 1377 هـ (2) لب اللباب ص 255 - المطبعة التونسية بتونس 1346 هـ يَكُونَا مُسْتَفَادَيْنِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَصْلَيْنِ فِي قُوَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَانَ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُدَّعِيًا مُكَلَّفًا بِالْبَيِّنَةِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ الأُْمِّ مَا نَصُّهُ: إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَكْرَاهُ بَيْتًا مِنْ دَارٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، وَادَّعَى الْمُكْتَرِي أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا ذَلِكَ الشَّهْرَ بِعَشَرَةٍ، فَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ، وَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ. (1) وَيَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّقَّةَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً بَيْنَ الْمِعْيَارِ الَّذِي قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَجْل التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَيْنَ الْمِعْيَارِ الَّذِي قَال بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، بَل إِنَّهُمَا يَكَادَانِ يَتَشَابَهَانِ، وَالْخِلاَفُ بَيْنَهُمَا مُنْحَصِرٌ فِي التَّطْبِيقِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَتَعَارَضُ أَمْرَانِ مِنْ أُمُورِ الظَّاهِرِ: فَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ الأَْصْل أَقْوَى مَنَابِعِ الظُّهُورِ غَالِبًا، وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ دَلاَئِل الْحَال مِنْ عُرْفٍ وَقَرَائِنَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدَّمَ الأَْقْوَى فِي نَظَرِهِ، وَجَعَل مُخَالِفَهُ مُدَّعِيًا وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. 11 - الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، وَهُوَ تَعْرِيفُ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ: مَنْ إِذَا تَرَكَ الْخُصُومَةَ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ. مَنْ إِذَا تَرَكَهَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا. (2) وَمِثْلُهُ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ __________ (1) الأم 6 / 241 - المطبعة الأميرية ببولاق - الطبعة الأولى 1324 هـ (2) المبسوط 17 / 31، وبدائع الصنائع 6 / 224، وتبيين الحقائق 4 / 291، وتبصرة الحكام 1 / 124، والوجيز 2 / 260، والمغني 9 / 272 ذَهَبُوا إِلَى اشْتِقَاقِ تَعْرِيفِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ تَعْرِيفِ الدَّعْوَى نَفْسِهَا: فَالْمُدَّعِي - عِنْدَهُمْ - هُوَ مُنْشِئُ الدَّعْوَى، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَنْ تَوَجَّهَتْ ضِدُّهُ الدَّعْوَى، وَلِذَلِكَ قَال بَعْضُهُمْ: الْمُدَّعِي هُوَ مَنْ يُضِيفُ إِلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ عَلَى الآْخَرِ وَإِذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَنْ يُضَافُ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَإِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ. (1) وَقَال بَعْضُهُمْ: الْمُدَّعِي هُوَ مَنْ يُطَالِبُ غَيْرَهُ بِحَقٍّ يَذْكُرُ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُطَالِبُهُ غَيْرُهُ بِحَقٍّ يَذْكُرُ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَيْهِ. وَقَال آخَرُونَ: الْمُدَّعِي هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ قِبَل غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ حَقًّا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَنْ يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. (2) الْفَائِدَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: 12 - أَهَمُّ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ تَعْيِينُ الطَّرَفِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ عِبْءُ الإِْثْبَاتِ، وَالطَّرَفُ الَّذِي لاَ يُكَلَّفُ إِلاَّ بِالْيَمِينِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لِلطَّرَفِ الأَْوَّل. وَهَذَا الأَْمْرُ هُوَ مَدَارُ الْقَضَاءِ وَعَمُودُهُ، إِذْ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ لاَ يَبْقَى عَلَى الْقَاضِي سِوَى تَطْبِيقِ الْقَوَاعِدِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَالتَّرْجِيحِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ عَرَفَ __________ (1) المغني 9 / 272 (2) كشاف القناع 4 / 227، بدائع الصنائع 6 / 224 الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ مَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا. (1) وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، لأَِنَّ جَانِبَهُ ضَعِيفٌ، إِذْ هُوَ يُرِيدُ تَغْيِيرَ الْحَال الْمُسْتَقِرِّ بِمَا يَزْعُمُهُ، وَفِي هَذَا يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: " فَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ الْقَوْل لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هُوَ أَنَّ لَهُ سَبَبًا يَدُل عَلَى صِدْقِهِ دُونَ الْمُدَّعِي فِي مُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَهُوَ كَوْنُ السِّلْعَةِ بِيَدِهِ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ كَوْنُ ذِمَّتِهِ بَرِيئَةً عَلَى الأَْصْل فِي بَرَاءَةِ الذِّمَمِ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِيمَا فِي ذِمَّتِهِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ مِنْ أَجْلِهِ عَلَى الْمُدَّعِي إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ هُوَ تَجَرُّدُ دَعْوَاهُ مِنْ سَبَبٍ يَدُل عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ. (2) وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ. (3) مَكَانُ الدَّعْوَى: 13 - الْكَلاَمُ فِي مَكَانِ الدَّعْوَى يَقْتَضِي بَيَانَ أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: الْمَجْلِسُ الَّذِي تُرْفَعُ فِيهِ __________ (1) المقدمات الممهدات 2 / 318 - مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى 1325 هـ (2) المقدمات الممهدات 2 / 316 - 317 (3) حديث: " لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم ". أخرجه البخاري (الفتح 8 / 213 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1336 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس. الدَّعْوَى وَتُنْظَرُ فِيهِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَالثَّانِي: الْقَاضِي الْمُخْتَصُّ بِنَظَرِ الدَّعْوَى. أَوَّلاً: مَجْلِسُ الْقَضَاءِ: 14 - الأَْصْل أَنَّ جَمِيعَ الأَْمْكِنَةِ صَالِحَةٌ لِتَلَقِّي الْمُتَنَازِعَيْنِ وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَاتِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَحْرُمُ فِيهِ ذَلِكَ، إِلاَّ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِهْدَارُ حَقٍّ أَوْ فِعْل مُحَرَّمٍ، كَمَا لَوِ اسْتَخْدَمَ الْقَاضِي مِلْكَ إِنْسَانٍ مِنْ أَجْل الْقِيَامِ بِإِجْرَاءَاتِ التَّقَاضِي مِنْ غَيْرِ الْحُصُول عَلَى إِذْنِهِ. وَلَكِنْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِفَاتٍ وَخَصَائِصَ يُسْتَحَبُّ تَوَافُرُهَا فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي تُرْفَعُ فِيهَا الدَّعَاوَى، وَيُفْصَل فِيهَا بَيْنَ الْخُصُومِ. وَيُمْكِنُ إِرْجَاعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْخَصَائِصِ إِلَى أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تَوَفَّرَ التَّيْسِيرُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، وَالاِهْتِدَاءِ إِلَى مَوْضِعِهَا، وَأَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يُتَوَخَّى الْعَدْل وَالإِْنْصَافُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا يَبْذُلُونَهُ مِنَ الْجَهْدِ لِلْوُصُول إِلَيْهَا. (1) الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تَوَفَّرَ الاِسْتِقْرَارُ النَّفْسِيُّ وَالرَّاحَةُ الْجَسَدِيَّةُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ يَقْصِدُونَهَا لِلتَّقَاضِي، وَلِلْقُضَاةِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهَا مَجْلِسًا لِلْقِيَامِ بِوَظَائِفِهِمْ. وَيَنْبَنِي عَلَى الأَْمْرِ الأَْوَّل أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ __________ (1) مغني المحتاج 4 / 387 طبع الحلبي 1377 هـ الْقَضَاءِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ، بِحَيْثُ يَصِل إِلَيْهِ كُل قَاصِدٍ لِلتَّقَاضِي، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ بَارِزٍ، وَلَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مُسْتَتِرٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ، حَتَّى وَإِنْ أَقَامَ الْقَاضِي عَلَى بَابِهِ مَنْ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُول عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَظْهَرُ جُلُوسُهُ بِهِ، وَلاَ يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْغُرَبَاءُ. (1) وَيَنْبَنِي عَلَى الأَْمْرِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ فَسِيحًا لاَ يَتَأَذَّى الْحَاضِرُونَ بِضِيقِهِ، وَأَنْ يَكُونَ نَزِهًا لاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ وَالْغُبَارُ وَالدُّخَانُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيَجْلِسُ الْقَاضِي لِلصَّيْفِ حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ، وَلِلرِّيَاحِ وَالشِّتَاءِ حَيْثُ يَلِيقُ. (2) وَلِلْفُقَهَاءِ اخْتِلاَفَاتٌ وَتَفْصِيلاَتٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ مِنِ اتِّخَاذِ الْبَوَّابِ وَالْحَاجِبِ، وَاتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَجْلِسًا لِلتَّقَاضِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ، وَمَسْجِدٌ، وَحَاجِبٌ ج 16 - 244) . ثَانِيًا: الْقَاضِي الْمُخْتَصُّ بِنَظَرِ الدَّعْوَى: 15 - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ __________ (1) درر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه 2 / 406، المنهاج ومغني المحتاج 4 / 387 طبع الحلبي 1377 هـ. القوانين الفقهية ص 284، أسهل المدارك 3 / 199 - مطبعة عيسى الحلبي - الطبعة الأولى، المهذب 2 / 293 طبع دار إحياء الكتب العربية، الفروع 3 / 793 - مطبعة المنار بمصر 1339هـ. (2) المهذب 2 / 293 طبع دار إحياء الكتب العربية، المنهاج ومغني المحتاج 4 / 390 - طبع 1377 هـ. وَاحِدٌ يَخْتَصُّ بِالطَّرَفَيْنِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ الدَّعْوَى. أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ الْقُضَاةُ، وَاسْتَقَل كُلٌّ بِمَحَلَّةٍ يَخْتَصُّ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِهَا، وَلاَ يَتَعَدَّاهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْقَاضِي الْمُخْتَصِّ بِنَظَرِ الدَّعْوَى عَلَى الآْرَاءِ الآْتِيَةِ. 16 - الرَّأْيُ الأَْوَّل: أَنَّ الدَّعْوَى تُرْفَعُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَخْتَارُهُ الْمُدَّعِي. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَمُعْظَمُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (1) وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِذَا تَعَدَّدَ الْقُضَاةُ فِي نِطَاقِ بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْمُتَنَازِعَانِ مِنْ أَهْل هَذَا الْبَلَدِ. (2) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِأَنَّ الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، بِحَيْثُ إِذَا تَرَكَهَا تُرِكَ وَشَأْنُهُ، فَهُوَ الْمُنْشِئُ لِلْخُصُومَةِ، فَيُعْطَى الْخِيَارَ: إِنْ شَاءَ أَنْشَأَهَا عِنْدَ قَاضِي مَكَانِهِ هُوَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْشَأَهَا عِنْدَ قَاضِي مَكَانِ خَصْمِهِ، فَلأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي الدَّعْوَى جُعِل الْحَقُّ لَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي. (3) __________ (1) البحر الرائق 7 / 193 - مطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر 1333 هـ، نهاية المحتاج 8 / 86 - المطبعة البهية المصرية 1304 هـ، حاشية الشرواني وحاشية العبادي على تحفة المحتاج 10 / 119، القواعد لابن رجب ص 362 - الطبعة الأولى 1933م، منتهى الإرادات القسم الثاني ص 575، غاية المنتهى 3 / 431 (2) حاشية الدسوقي 4 / 164 (3) حاشية الدسوقي 4 / 135، كشاف القناع 4 / 172، تكملة حاشية ابن عابدين 7 / 401 المطبعة العثمانية 1327 هـ. 17 - الرَّأْيُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي الَّذِي يَنْظُرُ فِي الدَّعْوَى يَكُونُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ لِلْمُدَّعِي، وَإِلَى هَذَا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ. وَيَسْتَنِدُ هَذَا الرَّأْيُ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَدَافِعُ يَطْلُبُ السَّلاَمَةَ لِنَفْسِهِ، وَالأَْصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ، فَأَخْذُهُ إِلَى مَنْ يَأْبَاهُ لِرِيبَةٍ يَثْبُتُ عِنْدَهُ رُبَّمَا يُوقِعُهُ فِي ارْتِبَاكٍ يَحْصُل لَهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِثْبَاتِ مَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ، فَالأَْوْلَى مُرَاعَاةُ جَانِبِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَاعْتِبَارُ اخْتِيَارِهِ، لأَِنَّهُ يُرِيدُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَخَصْمُهُ يُرِيدُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ طَلَبَ السَّلاَمَةَ أَوْلَى بِالنَّظَرِ مِمَّنْ طَلَبَ ضِدَّهَا. (1) وَيَرَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَذْهَبَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لَيْسَ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ عِنْدَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي الَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ الدَّعْوَى وَيُنْظَرُ فِيهَا هِيَ لِمَكَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّ قَاضِيَ هَذَا الْمَكَانِ هُوَ الْمُخْتَصُّ فِيهِ، فَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ لاِخْتِيَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لِمَكَانِهِ. (2) 18 - الرَّأْيُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، __________ (1) الدر المختار مع تكملة الحاشية 7 / 401، البحر الرائق 7 / 193 (2) الفواكه البدرية ص 76، البحر الرائق 7 / 193 فَقَدِ اتَّفَقُوا مَعَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي أَنَّ الاِخْتِيَارَ يَكُونُ لِلْمُدَّعِي فِي تَحْدِيدِ الْقَاضِي الْمُخْتَصِّ بِنَظَرِ الدَّعْوَى فِي حَالَةِ تَعَدُّدِ الْقُضَاةِ فِي نِطَاقِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ. إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مَعَهُمْ فِي تَحْدِيدِهِ عِنْدَمَا يَتَعَدَّدُ الْقُضَاةُ، وَتَتَعَدَّدُ الْبِلاَدُ، وَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْمُدَّعَى بِهِ أَيْضًا عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: 1 - فَفِي دَعَاوَى الدَّيْنِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى تُنْظَرُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ فِيهِ الطَّالِبُ بِالْمَطْلُوبِ. (1) وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مُدَّعِيَ الدَّيْنِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْقُضَاةِ إِذَا كَانَ هُوَ وَخَصْمُهُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَتَعَدَّدَ قُضَاتُهُ، وَكَانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِالنَّظَرِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الدَّعَاوَى. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِخَصْمِهِ فِي أَيِّ مَكَانٍ يَجِدُهُ، وَيُطَالِبُ بِحَقِّهِ عِنْدَ قَاضِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. 2 - وَفِي دَعَاوَى الْعَيْنِ يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ الْمُتَخَاصِمَانِ مِنْ بَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكِلاَهُمَا فِي وِلاَيَةِ قَاضٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الدَّعْوَى تُرْفَعُ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي بَلَدِ الْمُدَّعِي أَمْ فِي بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَحَيْثُمَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ. (2) __________ (1) التاج والإكليل ومواهب الجليل 6 / 146، الخرشي 7 / 174، العقد المنظم للحكام 2 / 201، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 164 (2) حاشية الدسوقي 4 / 164 وَأَمَّا إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي وِلاَيَةِ قَاضٍ، فَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: وَهُوَ لاِبْنِ الْمَاجِشُونِ كَمَا نَقَل عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَفِيهِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الدَّعْوَى يَنْبَغِي أَنْ تُرْفَعَ إِلَى الْقَاضِي الْمَوْجُودِ فِي مَحَل الشَّيْءِ الْمُدَّعَى. (1) فَإِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ يَسْمَعُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي، وَيَضْرِبُ لِمَنْ عِنْدَهُ الْحَقُّ الْمُدَّعَى أَجَلاً حَتَّى يَأْتِيَ، فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يُوَكِّل لَهُ وَكِيلاً يَقُومُ عَنْهُ بِالْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ. (2) وَنَقَل فَضْل بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ ذَهَبَ إِلَيْهِ سَحْنُونُ وَابْنُ كِنَانَةَ. (3) الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ قَوْل مُطَرِّفِ وَأَصْبَغَ، وَيَرَيَانِ أَنَّ الدَّعْوَى إِنَّمَا تُرْفَعُ إِلَى قَاضِي مَوْضِعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى مَوْضِعِ الْمُدَّعِي وَلاَ مَوْضِعِ الْمُدَّعَى بِهِ. (4) وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، وَقَدْ نَقَلَهُ فَضْل بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَل بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، (5) غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مِنْ حَقِّ __________ (1) التاج والإكليل ومواهب الجليل 6 / 146، الخرشي 7 / 174، تبصرة الحكام 1 / 84، العقد المنظم للحكام 2 / 200، حاشية الدسوقي 4 / 164 (2) حاشية الدسوقي 4 / 164 (3) تبصرة الحكام 1 / 84 (4) الشرح الكبير 4 / 164 مطبوع على هامش حاشية الدسوقي، تبصرة الحكام 1 / 84 (5) حاشية الدسوقي 4 / 164 الْمُدَّعِي أَنْ يَبْدَأَ بِقَاضِي مَحَلَّتِهِ، فَيَرْفَعَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، وَيُثْبِتَ عِنْدَهُ بَيِّنَتَهُ، ثُمَّ يَكْتُبَ قَاضِيهِ إِلَى قَاضِي مَحَلَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَيَأْخُذَ الْمُدَّعِي كِتَابَ قَاضِيهِ لِيُقَدِّمَهُ إِلَى قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ وَكَّل غَيْرَهُ، وَأَرْسَلَهُ بِالْكِتَابِ، فَإِذَا قَدِمَ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ إِلَى قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَلَّمَهُ كِتَابَ قَاضِيهِ، فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، قَرَأَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَإِلاَّ أَنْفَذَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَفْعَل الْمُدَّعِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَدِمَ مُبَاشَرَةً إِلَى قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ مَعَهُ، نُظِرَتِ الدَّعْوَى، وَطُلِبَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَخْرَجُ. أَمَّا إِذَا أَعْلَمَهُ الْمُدَّعِي أَنَّ بَيِّنَتَهُ فِي مَكَانِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، كَتَبَ إِلَى قَاضِي مَحَلَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَطَلَبَ مِنْهُ تَزْوِيدَهُ بِالْبَيِّنَةِ. وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال يُعْطَى الْمُدَّعِي أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّةَ الْكَافِيَةَ لِتَحْضِيرِ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ. غَيْرَ أَنَّ أَصْبَغَ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَجَدَ الْمُدَّعِي خَصْمَهُ فِي مَحَلَّتِهِ أَوْ مَحَلَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، وَتَعَلَّقَ بِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الدَّعْوَى فِي هَذِهِ الْحَال هُوَ قَاضِي الْمَكَانِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فِيهِ. (1) تِلْكَ الآْرَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْقَاضِي الْمُخْتَصِّ بِنَظَرِ الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِهَا فِيمَا إِذَا تَمَيَّزَ الْمُدَّعِي __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 84 مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ كَاخْتِلاَفِهِمَا فِي قِسْمَةِ الْمِلْكِ، أَوْ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ صَدَاقٍ اخْتِلاَفًا يُوجِبُ تَحَالُفَهُمَا، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ أَحَدِ تِلْكَ الآْرَاءِ السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا تُرْفَعُ الدَّعْوَى إِلَى أَقْرَبِ الْقُضَاةِ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ كَانَ الْقَوْل لَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي الْمُخْتَصِّ. (1) الرَّأْيُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، هُوَ مَنْعُ الْمُتَنَازِعَيْنِ مِنَ التَّقَاضِي إِلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ. (2) وَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ظُلْمِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْتَاجًا إِلَى رَفْعِ الدَّعْوَى أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ هَذَا الْمُحْتَاجُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَبِذَلِكَ تُتَاحُ لِلآْخَرِ الْفُرْصَةُ فِي التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ الاِتِّفَاقَ عَلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ أَنْوَاعُ الدَّعَاوَى: 19 - لِلدَّعَاوَى تَقْسِيمَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ __________ (1) حاشية الشرواني وحاشية العبادي على تحفة المحتاج 10 / 119، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 575، كشاف القناع 4 / 172، القواعد لابن رجب ص 363، 364 (2) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 69 - مطبعة مصطفى الحلبي - الطبعة الثانية 1386هـ - 1966 م يَعُودُ مُعْظَمُهَا إِلَى اعْتِبَارَيْنِ: الاِعْتِبَارُ الأَْوَّل: يَعُودُ إِلَى مَدَى صِحَّةِ الدَّعَاوَى، وَهَذَا بِدَوْرِهِ يَعُودُ إِلَى مِقْدَارِ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهَا. الاِعْتِبَارُ الثَّانِي: يَعُودُ إِلَى تَنَوُّعِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى. أَنْوَاعُ الدَّعَاوَى بِاعْتِبَارِ صِحَّتِهَا: 20 - أَوَّلاً: الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ: وَهِيَ الدَّعْوَى الْمُسْتَوْفِيَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِهَا، وَتَتَضَمَّنُ طَلَبًا مَشْرُوعًا. وَهَذِهِ الدَّعْوَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا، فَيُكَلَّفُ الْخَصْمُ بِالْحُضُورِ، وَبِالْجَوَابِ إِذَا حَضَرَ، وَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنَ الْمُدَّعِي إِذَا أَنْكَرَ خَصْمُهُ، وَتُوَجَّهُ الْيَمِينُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنِ الْبَيِّنَةِ. 21 - ثَانِيًا: الدَّعْوَى الْفَاسِدَةُ: وَهِيَ الدَّعْوَى الَّتِي اسْتَوْفَتْ جَمِيعَ شَرَائِطِهَا الأَْسَاسِيَّةِ، وَلَكِنَّهَا مُخْتَلَّةٌ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهَا بِصُورَةٍ يُمْكِنُ إِصْلاَحُهَا وَتَصْحِيحُهَا، كَأَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ، وَلاَ يُبَيِّنُ مِقْدَارَهُ، أَوْ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ عَقَارٍ، وَلاَ يُبَيِّنُ حُدُودَهُ. وَتَرْجِعُ أَسْبَابُ الْفَسَادِ فِي الدَّعْوَى إِلَى تَخَلُّفِ أَحَدِ شَرْطَيْنِ هُمَا: أ - شَرْطُ الْمَعْلُومِيَّةِ: مَعْلُومِيَّةُ الْمُدَّعَى، كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ، أَوْ مَعْلُومِيَّةُ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّعَاوَى. ب - الشُّرُوطُ الْمَطْلُوبَةُ فِي التَّعْبِيرِ الْمُكَوِّنِ لِلدَّعْوَى، كَمَا لَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي طَلَبِ عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُدَّعِي فِيهَا أَنَّهَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ مُتَرَدِّدًا فِي الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا، كَأَنْ يَقُول: أَشُكُّ أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَى فُلاَنٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلاً. فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالاَتِ لاَ تُرَدُّ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي إِكْمَال مَا يَنْقُصُهَا، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ نُظِرَتْ دَعْوَاهُ، وَطَلَبَ الْجَوَابَ مِنْ خَصْمِهِ، وَإِلاَّ فَتُرَدُّ إِلَى أَنْ يُصَحِّحَهَا. (1) وَهَذَا الاِصْطِلاَحُ فِي تَسْمِيَةِ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ مِنَ الدَّعَاوَى بِالْفَاسِدَةِ اخْتَصَّ بِهِ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الدَّعَاوَى، وَجَعَلُوا لَهُ الأَْحْكَامَ ذَاتَهَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا بِالدَّعَاوَى النَّاقِصَةِ. وَالدَّعْوَى النَّاقِصَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ: كُل دَعْوَى يَفْتَقِرُ الْحَاكِمُ فِي فَصْل الْخُصُومَةِ مَعَهَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ. (2) وَقَدْ جَعَلُوا الدَّعْوَى النَّاقِصَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَاقِصَةُ الصِّفَةِ وَنَاقِصَةُ الشَّرْطِ: أَمَّا نَاقِصَةُ الصِّفَةِ فَهِيَ الدَّعْوَى الَّتِي لَمْ يُفَصِّل الْمُدَّعِي فِيهَا أَوْصَافَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى اللاَّزِمَ ذِكْرُهَا، كَأَنْ يُهْمِل ذِكْرَ حُدُودِ الْعَقَارِ الْمُدَّعَى، أَوْ __________ (1) المبسوط 16 / 78، تبصرة الحكام 1 / 104، تحفة المحتاج 10 / 297، المغني 9 / 86 (2) أدب القضاء للغزي ق10 أ - مخطوط بدار الكتب (907 فقه شافعي) . مِقْدَارَ الدَّيْنِ، وَفِيهَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَل الْمُدَّعِيَ عَنِ النَّقْصِ، فَإِنْ أَكْمَلَهُ صَحَّتِ الدَّعْوَى وَإِلاَّ فَلاَ. وَأَمَّا نَاقِصَةُ الشَّرْطِ فَيَقْصِدُونَ بِهَا دَعْوَى النِّكَاحِ الَّتِي لاَ يُذْكَرُ فِيهَا الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ. (1) وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ هَذِهِ الدَّعَاوَى عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى عَمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَهُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ الدَّعَاوَى عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ نَاقِصَةً فِي حُكْمِهَا لِنُقْصَانِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا. وَهَذِهِ هِيَ الدَّعَاوَى الَّتِي يَنْقِصُهَا حُصُول خِلْطَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا تُسْمَعُ، وَلَكِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ يُطَالَبُ بِالْيَمِينِ إِذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إِثْبَاتِهَا بِالْبَيِّنَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَالدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ، أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ فِي ذَاتِهَا، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا جَمِيعُهَا إِلاَّ الْيَمِينَ. وَالشَّرْطُ النَّاقِصُ فِيهَا لاَ يُمْكِنُ اسْتِكْمَالُهُ خِلاَفًا لِلدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ. 22 - ثَالِثًا: الدَّعْوَى الْبَاطِلَةُ: وَهِيَ الدَّعْوَى غَيْرُ الصَّحِيحَةِ أَصْلاً، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ، لأَِنَّ إِصْلاَحَهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَتَعُودُ أَسْبَابُ الْبُطْلاَنِ فِي الدَّعَاوَى إِلَى فَقْدِ أَحَدِ الشُّرُوطِ الأَْسَاسِيَّةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهَا. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ __________ (1) الحاوي للماوردي جـ 13 ق 45 ب - مخطوط بدار الكتب المصرية (501 فقه شافعي) الدَّعْوَى الَّتِي يَرْفَعُهَا الشَّخْصُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ فِي رَفْعِهَا صِفَةٌ، كَأَنْ يَكُونَ فُضُولِيًّا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتَكُونُ بَاطِلَةً. وَكَذَلِكَ الدَّعْوَى الْمَرْفُوعَةُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِخَصْمٍ، وَالدَّعْوَى الْمَرْفُوعَةُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالدَّعْوَى الَّتِي لاَ تَسْتَنِدُ إِلَى حَقٍّ وَلَوْ فِي الظَّاهِرِ، كَمَنْ يَطْلُبُ فِي دَعْوَاهُ الْحُكْمَ عَلَى آخَرَ بِوُجُوبِ إِقْرَاضِهِ مَالاً لأَِنَّهُ مُعْسِرٌ، وَدَعْوَى مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا، كَدَعْوَى الْمُطَالَبَةِ بِثَمَنِ خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ. وَقَدْ تُسَمَّى هَذِهِ الدَّعَاوَى عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ بِالدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ، وَهُوَ اصْطِلاَحٌ عَامٌّ عِنْدَهُمْ يَدْخُل تَحْتَهُ جَمِيعُ الدَّعَاوَى الْمُخْتَلَّةِ فِي أَيَّةِ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهَا الأَْسَاسِيَّةِ، وَقَدْ صَنَّفَهَا الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِنْفَيْنِ: الصِّنْفُ الأَْوَّل: مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَذَلِكَ كَمُسْلِمٍ ادَّعَى نِكَاحَ مَجُوسِيَّةٍ، فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ لاِمْتِنَاعِ مَقْصُودِهَا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي. الصِّنْفُ الثَّانِي: مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، وَجُعِل هَذَا الصِّنْفُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: الضَّرْبُ الأَْوَّل: دَعْوَى مَا لاَ تُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: دَعْوَى مَا تُقَرُّ عَلَيْهِ الْيَدُ، وَلاَ تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالسَّمَادِ النَّجِسِ، فَهَذِهِ تُقَرُّ عَلَيْهَا الْيَدُ، لِلاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَبِالسِّمَادِ فِي الزُّرُوعِ وَالشَّجَرِ، فَإِذَا تَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، لَمْ يَخْل مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا أَوْ تَالِفًا، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا كَانَتِ الدَّعْوَى بَاطِلَةً، لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ بِتَلَفِهَا مِثْلٌ وَلاَ قِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً لَمْ يَخْل أَنْ يَدَّعِيَهَا بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الأُْولَى، كَأَنْ يَدَّعِيَهَا بِالاِبْتِيَاعِ، كَانَتِ الدَّعْوَى بَاطِلَةً، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ ثَمَنَهَا، فَتَكُونَ دَعْوَاهُ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الثَّمَنِ إِنْ طَلَبَهُ، وَيَكُونَ ذِكْرُ ابْتِيَاعِهَا إِخْبَارًا عَنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لاِسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ. أَمَّا إِذَا ادَّعَاهَا بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَقَدْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ مِنْ أَحَدِ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: دَعْوَى غَصْبِهَا، وَدَعْوَى الْوَصِيَّةِ بِهَا، وَدَعْوَى هِبَتِهَا. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: دَعْوَى مَا تُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهِ مِلْكًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِل مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ، وَهَذَا كَالْوَقْفِ، فَالدَّعْوَى فِيهِ عَلَى الْمَالِكِ فَاسِدَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهَا الْقَاضِي عَلَى مَالِكٍ، لاِسْتِحَالَةِ انْتِقَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ. (1) 23 - الدَّعَاوَى الْمَمْنُوعُ سَمَاعُهَا: وَهَذِهِ الدَّعَاوَى صَحِيحَةٌ فِي أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَ الْقُضَاةُ مِنْ سَمَاعِهَا، لاِقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ كَدَعْوَى مَا تَقَادَمَ زَمَانُهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ ذِمَّتِهِ، قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: (الْقَضَاءُ مُظْهِرٌ لاَ مُثْبِتٌ، وَيَتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَخُصُومَةٍ، __________ (1) الحاوي للماوردي ج 13 ق 44 ب، 45 أ حَتَّى لَوْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَسَمِعَهَا لَمْ يَنْفُذْ) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: (سَلاَطِينُ آل عُثْمَانَ يَأْمُرُونَ قُضَاتَهُمْ فِي جَمِيعِ وِلاَيَاتِهِمْ أَنْ لاَ يَسْمَعُوا دَعْوَى بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً سِوَى الْوَقْفِ وَالإِْرْثِ، وَنَقَل فِي الْحَامِدِيَّةِ فَتَاوَى مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا بَعْدَ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ هَل يَبْقَى النَّهْيُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ الَّذِي نَهَى بِحَيْثُ لاَ يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى نَهْيٍ جَدِيدٍ؟ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النَّهْيِ، وَلاَ يَسْتَمِرُّ. . .) . (1) وَعَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِمُرُورِ الزَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مِنَ السُّلْطَانِ، فَيَكُونُ الْقَاضِي مَعْزُولاً عَنْ سَمَاعِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ، فَإِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِسَمَاعِهَا بِالرَّغْمِ مِنْ مُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُسْمَعُ، وَالْغَرَضُ مِنَ النَّهْيِ قَطْعُ الْحِيَل وَالتَّزْوِيرِ، وَعَدَمُ سَمَاعِ الْقَاضِي لَهَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ إِنْكَارِ الْخَصْمِ، فَلَوِ اعْتَرَفَ تُسْمَعُ، إِذْ لاَ تَزْوِيرَ مَعَ الإِْقْرَارِ. وَعَدَمُ سَمَاعِهَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ حَيْثُ يَتَحَقَّقُ تَرْكُهَا الْمُدَّةَ الْمُقَرَّرَةَ، فَلَوِ ادَّعَى الْمُدَّعِي فِي أَثْنَائِهَا، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَاهُ ثَانِيَةً، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّعْوَى الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَشَرْطُ الدَّعْوَى الْقَاطِعَةِ لِلْمُدَّةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا تَرَكَ دَعْوَاهُ مُدَّةَ خَمْسَ __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 342 - مطبعة مصطفى الحلبي 1386هـ. عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يَدَّعِ عِنْدَ الْقَاضِي، بَل طَالَبَ خَصْمَهُ بِحَقِّهِ مِرَارًا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنْ لاَ تُسْمَعَ دَعْوَاهُ. وَتَرْكُ الدَّعْوَى إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّ طَلَبِهَا، فَلَوْ مَاتَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ، أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مَثَلاً مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ فَلَهَا طَلَبُ مُؤَخَّرِ الْمَهْرِ، لأَِنَّ حَقَّ طَلَبِهِ إِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الطَّلاَقِ، لاَ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَخَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ مُدَّةَ التَّقَادُمِ لإِِعْسَارِ الْمَدْيُونِ، ثُمَّ ثَبَتَ يَسَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ ثُبُوتِ الْيَسَارِ. (1) أَنْوَاعُ الدَّعَاوَى بِاعْتِبَارِ تَنَوُّعِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى: 24 - الْمُدَّعَى فِي الدَّعْوَى لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ الْحُقُوقِ الَّتِي قَرَّرَهَا الشَّارِعُ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَعُودُ فِي مُجْمَلِهَا إِمَّا إِلَى حِفْظِ النَّوْعِ الإِْنْسَانِيِّ وَبَقَاءِ النَّسْل وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَإِمَّا إِلَى حِفْظِ الْفَرْدِ الإِْنْسَانِيِّ وَمَا يَتَّبِعُهُ مِنْ حِفْظِ عِرْضِهِ وَعَقْلِهِ وَدِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (2) وَقَدْ شُرِعَتِ الدَّعَاوَى مِنْ أَجْل حِمَايَةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ، فَتَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِهَا، وَذَلِكَ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: 25 - أَوَّلاً: الْمُدَّعَى قَدْ يَكُونُ فِعْلاً مُحَرَّمًا وَقَعَ مِنْ __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 343 (2) العناية 6 / 137 بهامش فتح القدير - مطبعة مصطفى محمد 1356 هـ. شَخْصٍ وَيُوجِبُ عُقُوبَتَهُ، كَالْقَتْل، أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوِ السَّرِقَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْعُدْوَانِ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ، بِأَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَقْدًا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ غَيْرِهَا. فَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ تَقْسِيمُ الدَّعَاوَى إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ هُمَا: دَعَاوَى التُّهْمَةِ، وَدَعَاوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ. وَفَائِدَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ تَظْهَرُ فِي الإِْجْرَاءَاتِ وَطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الْمُتَّبَعَةِ فِي كُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ: 1 - فَإِنَّ بَعْضَ دَعَاوَى التُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِنِصَابٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الشُّهُودِ يَزِيدُ عَلَى النِّصَابِ الْمَطْلُوبِ فِي الدَّعَاوَى الأُْخْرَى. وَكَثِيرٌ مِنْهَا لاَ يَثْبُتُ بِالنُّكُول إِذَا صَدَرَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. 2 - ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَدْ أَجَازُوا فِي حَقِّ الْمُتَّهَمِ فِي دَعَاوَى التُّهْمَةِ أَسَالِيبَ مِنَ الإِْجْرَاءَاتِ لاَ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا فِي الدَّعَاوَى الأُْخْرَى، وَذَلِكَ كَحَبْسِ الْمُتَّهَمِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ تَلْحَقُهُمُ التُّهْمَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ مَجْهُول الْحَال. (1) 26 - ثَانِيًا: الْمُدَّعَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا، أَوْ حَقًّا شَرْعِيًّا مَحْضًا. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ تَصْنِيفُ الدَّعَاوَى إِلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ: الصِّنْفُ الأَْوَّل: دَعَاوَى الْعَيْنِ: وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ مَحَلُّهَا عَيْنًا مِنَ الأَْعْيَانِ، وَالْعَيْنُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَقَارًا فَتُسَمَّى بِدَعْوَى الْعَقَارِ، أَوْ تَكُونَ مَنْقُولاً فَتُسَمَّى دَعْوَى الْمَنْقُول. __________ (1) تبصرة الحكام 2 / 153، 158 - 159 الصِّنْفُ الثَّانِي: دَعَاوَى الدَّيْنِ: وَهِيَ مَا يَكُونُ مَحَلُّهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، مَهْمَا كَانَ سَبَبُ هَذَا الدَّيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْدَ قَرْضٍ، أَمْ ثَمَنَ مَبِيعٍ، أَمْ ضَمَانًا لِشَيْءٍ أَتْلَفَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الصِّنْفُ الثَّالِثُ: دَعَاوَى الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ: وَيُقْصَدُ بِهَا الدَّعَاوَى الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْحُقُوقُ الأُْخْرَى الَّتِي لاَ تَدْخُل فِي زُمْرَةِ الأَْعْيَانِ وَلاَ زُمْرَةِ الدُّيُونِ، وَلَيْسَ لَهَا خَصَائِصُهَا مِنْ قَابِلِيَّةِ الاِنْتِقَال بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَمُعْظَمُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُقُوقِ الْعَائِلِيَّةِ مِنْ نَسَبٍ وَنِكَاحٍ وَحَضَانَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا دَعَاوَى الشُّفْعَةِ. (1) وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ لأَِنْوَاعِ الدَّعَاوَى أَمْرَانِ هُمَا: 1 - مَعْرِفَةُ الْخَصْمِ الَّذِي تُوَجَّهُ إِلَيْهِ الدَّعْوَى، فَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ قَوَاعِدَ - سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - لَتَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي كُل صِنْفٍ مِنْ تِلْكَ الأَْصْنَافِ، وَجَعَلُوا لِكُل نَوْعٍ قَاعِدَةً خَاصَّةً، لِمَعْرِفَةِ مَنْ هُوَ الْخَصْمُ فِي الدَّعْوَى. 2 - مَعْرِفَةُ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الْمُدَّعَى فِي كُل نَوْعٍ، فَجَعَلُوا لِمَعْلُومِيَّةِ الْمُدَّعَى فِي دَعَاوَى الدَّيْنِ قَاعِدَةً عَامَّةً، وَكَذَلِكَ لِدَعَاوَى الْعَيْنِ، وَدَعَاوَى الْحُقُوقِ الْمَحْضَةِ. وَفِي كُل مَرَّةٍ يُرِيدُ الْقَاضِي تَحْدِيدَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِي الدَّعْوَى يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ هِيَ. __________ (1) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 154 - ط دار الكتب الحديثة - الكويت 27 - ثَالِثًا: الْمُدَّعَى قَدْ يَكُونُ حَقًّا أَصْلِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ يَدًا وَتَصَرُّفًا، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تَنْقَسِمُ الدَّعَاوَى إِلَى قِسْمَيْنِ: دَعَاوَى الْحَقِّ، وَدَعَاوَى الْحِيَازَةِ أَوْ دَعَاوَى وَضْعِ الْيَدِ، وَفِي الأُْولَى يُطْلَبُ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ الأَْصْلِيِّ، وَهُوَ حَقُّ الْمِلْكِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَيُطْلَبُ فِي الثَّانِي الْحُكْمُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْعَيْنِ مَحَل الدَّعْوَى. وَالْحِيَازَةُ مَصْلَحَةٌ يَرْعَاهَا الشَّارِعُ وَيَحْمِيهَا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ ارْتِكَازُهَا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، فَلاَ يُعْتَرَفُ بِهَا عِنْدَئِذٍ وَإِنْ طَالَتْ. وَلِذَلِكَ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْيَدَ أَوِ (الْحِيَازَةَ) حَقٌّ مَقْصُودٌ لِلإِْنْسَانِ، (1) فَيَصِحُّ أَنْ تُطْلَبَ بِالدَّعْوَى، سَوَاءٌ أَطُلِبَ الْحُكْمُ بِهَا أَمْ طُلِبَتْ إِعَادَتُهَا لِمَنْ سُلِبَتْ مِنْهُ، أَمْ طُلِبَ دَفْعُ التَّعَرُّضِ لَهَا أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَمِنَ الدَّعَاوَى الَّتِي شُرِعَتْ لِهَذَا الْغَرَضِ: 28 - أ - دَعْوَى دَفْعِ التَّعَرُّضِ: وَالتَّعَرُّضُ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنْ يُحَاوِل غَيْرُ ذِي حَقٍّ الاِسْتِيلاَءَ عَلَى مَا هُوَ لِغَيْرِهِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، أَوْ بِالاِسْتِعَانَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَيَرْفَعُ صَاحِبُ الْحَقِّ دَعْوَى يَطْلُبُ بِهَا مَنْعَ تَعَرُّضِهِ لَهُ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ دَفْعَهُ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ قَرَّرَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّعَرُّضَ هُوَ كُل مَا يَسْتَضِرُّ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُدَّعَى: إِمَّا بِمَدِّ الْيَدِ إِلَى مِلْكِهِ. أَوْ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَوْ __________ (1) المبسوط 17 / 35، العناية 6 / 256 - 257، الشرح الصغير 4 / 320 بِمُلاَزَمَتِهِ عَلَيْهِ وَقَطْعِهِ عَنْ أَشْغَالِهِ. (1) وَقَدْ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الدَّعْوَى مَهْمَا كَانَ مَحَلُّهَا عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً، (2) بَل ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِهَا لِدَفْعِ تَعَرُّضٍ مُوَجَّهٍ إِلَى ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ، كَأَنْ يُطَالِبَهُ بِدَيْنٍ يَدَّعِيهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَتَضَرَّرُ مِنْ هَذِهِ الْمُطَالَبَةِ، كَأَنْ يُلاَزِمَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يُشَنِّعَ عَلَيْهِ فِي جَاهِهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُطَالَبَتُهُ لاَ تَضُرُّهُ، فَإِنَّهَا لاَ تَصِحُّ دَعْوَى دَفْعِ التَّعَرُّضِ مِنْهُ. (3) وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الدَّعْوَى عَنْ دَعْوَى قَطْعِ النِّزَاعِ بِأَنَّ هَذِهِ الأَْخِيرَةَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ إِنْسَانٍ غَيْرَهُ عِنْدَ الْقَاضِي بِدُونِ أَنْ يُعَارِضَهُ فِي شَيْءٍ يَضُرُّهُ، وَيَقُول لِلْقَاضِي: بَلَغَنِي أَنَّ فُلاَنًا يُرِيدُ مُنَازَعَتِي وَمُخَاصَمَتِي، وَأُرِيدُ قَطْعَ النِّزَاعِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَطْلُبُ إِحْضَارَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ فَلْيُبَيِّنْهُ أَمَامَكَ بِالْحُجَّةِ، وَإِلاَّ فَلْيَعْتَرِفْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُل حَقٍّ يَدَّعِيهِ، فَهَذَا الْقَوْل لاَ يُسْمَعُ مِنْهُ، لأَِنَّ الْمُدَّعِيَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ. (4) 29 - ب - دَعْوَى اسْتِرْدَادِ الْحِيَازَةِ: يَجُوزُ __________ (1) الحاوي للماوردي ج 13 ق 44 ب، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 507 - 508 - طبع دار الكتب العلمية، بيروت. (2) البحر الرائق 7 / 194، الحاوي جـ 13 ق 44 ب، المغني 9 / 85 (3) الحاوي جـ 13 ق 44 ب (4) البحر الرائق 7 / 194 لِصَاحِبِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْقَاضِي إِعَادَةَ حِيَازَتِهِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ بِالْقَهْرِ أَوِ الْحِيلَةِ أَوِ الْخِدَاعِ، فَلِمَالِكِ الْعَيْنِ أَوْ مُسْتَعِيرِهَا أَوْ مُسْتَأْجِرِهَا أَوْ مُرْتَهِنِهَا أَنْ يَرْفَعَ الدَّعْوَى لاِسْتِرْدَادِ مَا سُلِبَ مِنْهُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ سَالِبُ الْحِيَازَةِ مُحِقًّا فِيمَا فَعَل فَيُقْضَى لَهُ بِحَقِّهِ وَحِيَازَتِهِ. شُرُوطُ الدَّعْوَى: 30 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى جُمْلَةُ شُرُوطٍ بَعْضُهَا فِي الْقَوْل الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعِي يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ لِنَفْسِهِ، وَبَعْضُهَا فِي الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا فِي الْمُدَّعَى بِهِ، وَبَعْضُهَا فِي رُكْنِ الدَّعْوَى. أَوَّلاً: مَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَوْل الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعِي وَيَطْلُبُ بِهِ حَقًّا لِنَفْسِهِ: يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقَوْل عِدَّةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ: 31 - الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ لاَ تَكُونَ الدَّعْوَى مُنَاقِضَةً لأَِمْرٍ سَبَقَ صُدُورُهُ عَنِ الْمُدَّعِي. (1) وَالتَّنَاقُضُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ تَقَابُل __________ (1) المبسوط 17 / 96، بدائع الصنائع 6 / 223 - 224، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87 - المطبعة الحسينية بمصر 1322 هـ، القوانين الفقهية لابن جزي ص 291، تبصرة الحكام 1 / 136 - 137، شرح المحلي على المنهاج 4 / 334، تحفة المحتاج 10 / 296، مغني المحتاج 4 / 110 طبع سنة 1377 هـ، الفروع 3 / 808، غاية المنتهى 3 / 448، كشاف القناع 4 / 203 الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ. (1) وَالْمَقْصُودُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَسْبِقَ مِنَ الْمُدَّعِي مَا يُعَارِضُ دَعْوَاهُ بِحَيْثُ بِهِ يَسْتَحِيل الْجَمْعُ بَيْنَ السَّابِقِ وَاللاَّحِقِ، (2) وَذَلِكَ كَمَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَلاَ تُقْبَل لِوُجُودِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الدَّعْوَيَيْنِ، إِذِ الْوَقْفُ لاَ يَصِيرُ مِلْكًا. (3) وَالتَّنَاقُضُ الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى قَدْ يَقَعُ مِنَ الْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ، كَمَا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ شِرَاءَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ هِبَتَهُ مِنْهُ، أَوْ إِيدَاعَهُ عِنْدَهُ أَوْ إِجَارَتَهُ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى مِلْكِيَّةَ هَذَا الشَّيْءِ، وَكَمَا لَوْ خَطَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً يُرِيدُ نِكَاحَهَا، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ زَوْجُهَا. (4) وَقَدْ يَقَعُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَفْعٍ مِنَ الدُّفُوعِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا، كَمَا لَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ وَدِيعَةً، فَأَنْكَرَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الإِْيدَاعِ، فَدَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَدِّهَا أَوْ هَلاَكِهَا، __________ (1) كشاف اصطلاحات الفنون المجلد الثاني ص 1413 (2) الفواكه البدرية ص 98 (3) درر الحكام وحاشية الشرنبلالي 2 / 355، تنوير الأبصار والدر المختار ص 7 / 18 (4) جامع الفصولين 1 / 149 - المطبعة الأزهرية - الطبعة الأولى 1300 هـ، شرح المحلي على المنهاج 4 / 344 فَلاَ يُقْبَل دَفْعُهُ، لِتَنَاقُضِهِ مَعَ إِنْكَارِهِ السَّابِقِ. (1) وَيَجْمَعُ هَذِهِ الأَْمْثِلَةَ وَأَشْبَاهَهَا أَنَّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى فِيهِ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ الإِْسْقَاطِ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَل مِنْهُ. (2) وَلاَ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى إِلاَّ بِشُرُوطٍ هِيَ: 32 - أ - أَنْ يَكُونَ الأَْمْرَانِ الْمُتَنَاقِضَانِ (وَهُمَا الدَّعْوَى وَمَا صَدَرَ قَبْلَهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) صَادِرَيْنِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُدَّعِي، أَوْ عَنْ شَخْصَيْنِ هُمَا فِي حُكْمِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل، وَالْوَارِثِ وَالْمُوَرِّثِ. فَلَوْ أَنَّ الْوَكِيل ادَّعَى عَيْنًا لِمُوَكِّلِهِ، وَكَانَ هَذَا الْمُوَكِّل قَدْ سَبَقَ مِنْهُ إِقْرَارٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْعَيْنَ لَيْسَتْ لَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ لِغَيْرِهِ، لَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْوَكِيل لِمُنَاقَضَتِهَا لإِِقْرَارِ الْمُوَكِّل. (3) 33 - ب - أَنْ لاَ يَقَعَ مِنَ الْمُدَّعِي تَوْفِيقٌ بَيْنَ دَعْوَاهُ وَمَا صَدَرَ عَنْهُ مِمَّا يُنَاقِضُهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا __________ (1) جامع الفصولين 1 / 149، العقد المنظم للحكام 2 / 198، تبصرة الحكام 1 / 136 - 137 (2) تبصرة الحكام 1 / 136 (3) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، تحفة المحتاج وحاشية الشرواني 10 / 296 جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) . (1) وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِي هَذَا الشَّرْطِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: مِثْل رَأْيِ الْجُمْهُورِ. (2) الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ وُقُوعُ التَّوْفِيقِ الْفِعْلِيِّ مِنَ الْمُدَّعِي بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ إِمْكَانِ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّنَاقُضِ، وَسَوَاءٌ أَوَقَعَ فِي الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ، أَمْ وَقَعَ فِي الدَّفْعِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيِّنًا أَمْ مُبْهَمًا. (3) فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الرَّأْيِ إِذَا دَفَعَ الْخَصْمُ بِتَنَاقُضِ خَصْمِهِ فِي دَعْوَاهُ اكْتُفِيَ لِرَدِّ هَذَا الدَّفْعِ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْقَاضِي إِمْكَانَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ سُؤَال الْمُتَنَاقِضِ - ظَاهِرًا - أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا فِعْلاً. فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا ادَّعَى دَارًا بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ أَبِيهِ، ثُمَّ ادَّعَاهَا إِرْثًا مِنْهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ الثَّانِيَةُ لإِِمْكَانِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْكَلاَمَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدِ ابْتَاعَ الدَّارَ مِنْ أَبِيهِ، فَعَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِ ذَلِكَ لِعَدَمِ __________ (1) القوانين الفقهية ص 291، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 51 ب، مختصر الفتاوى المصرية ص 608، جامع الفصولين 1 / 128، درر الحكام 2 / 35 (2) جامع الفصولين 1 / 152 (3) جامع الفصولين 1 / 151 - 152، طبع 1300 هـ، حاشية ابن عابدين 7 / 14 طبع 1386 هـ الْبَيِّنَةِ، ثُمَّ وَرِثَهَا بَعْدَ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى أَوَّلاً انْتِقَال الدَّارِ إِلَيْهِ بِالإِْرْثِ، ثُمَّ ادَّعَاهَا بِالشِّرَاءِ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ الأُْخْرَى، لِلتَّنَاقُضِ وَتَعَذُّرِ التَّوْفِيقِ. (1) الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ إِمْكَانِ التَّوْفِيقِ إِذَا وَقَعَ التَّنَاقُضُ فِي كَلاَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَيْ: فِي دَفْعِهِ لِلدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ) . أَمَّا إِذَا وَقَعَ التَّنَاقُضُ مِنَ الْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِهِ عَدَمُ إِمْكَانِ التَّوْفِيقِ، وَإِنَّمَا عَدَمُ وُقُوعِ التَّوْفِيقِ الْفِعْلِيِّ مِنَ الْمُتَنَاقِضِ. وَيُعْتَبَرُ التَّنَاقُضُ مَانِعًا مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ التَّوْفِيقُ مُمْكِنًا، إِذَا لَمْ يَقُمِ الْمُدَّعِي بِالتَّوْفِيقِ الْفِعْلِيِّ بَيْنَ أَقْوَالِهِ الْمُتَنَاقِضَةِ. (2) الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ التَّوْفِيقِ الْفِعْلِيِّ لاِعْتِبَارِ التَّنَاقُضِ مَانِعًا مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لِنَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، وَكَانَ التَّوْفِيقُ خَفِيًّا، وَإِلاَّ فَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الإِْمْكَانِ، فَمَنْ كَانَ قَدِ ادَّعَى لِغَيْرِهِ عَيْنًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ تَأْرِيخِ الدَّعْوَى السَّابِقَةِ، فَإِنْ وَفَّقَ بِهَذَا فِعْلاً، وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ وَسُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، (3) لأَِنَّ دَعْوَاهُ الأُْولَى إِقْرَارٌ بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِ __________ (1) جامع الفصولين 1 / 128 (2) الدر المختار مع تكملة حاشية ابن عابدين 7 / 16، المجاني الزهرية ص 10 (3) درر الحكام 2 / 355، جامع الفصولين 1 / 124 درر الحكام 2 / 355، جامع الفصولين 1 / 124 وَنَفْيٌ لِلْمِلْكِ عَنْ نَفْسِهِ، وَدَعْوَاهُ الثَّانِيَةُ إِيجَابُ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ وَنَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَتَنَاقَضَ النَّافِي وَالْمُثْبِتُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ الْفِعْلِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِظُهُورِ التَّنَاقُضِ وَخَفَاءِ التَّوْفِيقِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ مَبْلَغًا مِنَ ذ0 الْمَال، فَدَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَدَّاهُ لَهُ فِي مَكَانِ كَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ ذَلِكَ دَفَعَ بِأَنَّهُ أَدَّاهُ الدَّيْنَ فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الدَّفْعِ الأَْوَّل، فَيُقْبَل دَفْعُهُ الثَّانِي، لإِِمْكَانِ التَّوْفِيقِ بِأَنْ يَكُونَ أَدَّاهُ مَرَّتَيْنِ لِقَطْعِ مُطَالَبَتِهِ. (1) 34 - ج - وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ الْمَانِعِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى أَنْ لاَ يَكُونَ الْكَلاَمُ الأَْوَّل قَدْ كُذِّبَ شَرْعًا بِالْقَضَاءِ، (2) فَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ كَفَل لَهُ عَنْ مَدْيُونِهِ بِأَلْفٍ، فَأَنْكَرَ الْكَفَالَةَ، وَبَرْهَنَ الدَّائِنُ أَنَّهُ كَفَل عَنْ مَدْيُونِهِ، وَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَأَخَذَ الْمَكْفُول لَهُ مِنْهُ الْمَال، ثُمَّ إِنَّ الْكَفِيل ادَّعَى عَلَى الْمَدْيُونِ أَنَّهُ كَفَل عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ، قُبِلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَسُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى مُنَاقِضَةً لِمَا سَبَقَ مِنْهُ مِنْ إِنْكَارِ الْكَفَالَةِ عِنْدَمَا ادَّعَاهَا عَلَيْهِ الدَّائِنُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ إِنْكَارَهُ السَّابِقَ __________ (1) جامع الفصولين 1 / 146 (2) الفواكه البدرية ص 99، الدر المختار وتكملة حاشية ابن عابدين 7 / 18، جامع الفصولين 1 / 140 بَطَل أَثَرُهُ بِتَكْذِيبِ الْحَاكِمِ لَهُ. (1) هَذَا وَقَدْ قَرَّرَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُغْتَفَرُ فِي الدَّعْوَى فِي الْمَسَائِل الَّتِي تَخْفَى أَسْبَابُهَا مِثْل مَسَائِل النَّسَبِ وَبَعْضِ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِالطَّلاَقِ وَغَيْرِهَا. (2) مَا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّنَاقُضُ. 35 - يَرْتَفِعُ التَّنَاقُضُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: التَّوْفِيقُ الْفِعْلِيُّ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَصْدِيقُ الْخَصْمِ. فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِينَارٍ بِسَبَبِ الْقَرْضِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ، فَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ بِالرَّغْمِ مِنْ تَنَاقُضِهِ. (3) هَذَا وَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُغْتَفَرُ فِيمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ. فَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ (م 1655) : " يُعْفَى عَنِ التَّنَاقُضِ إِذَا ظَهَرَتْ مَعْذِرَةُ الْمُدَّعِي وَكَانَ مَحَل خَفَاءٍ ". وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ عَنْ وَرَثَةٍ بَالِغِينَ، وَخَلَّفَ حِصَّتَهُ __________ (1) جامع الفصولين 1 / 140، تكملة حاشية ابن عابدين 7 / 18 (2) بدائع الصنائع 6 / 224، درر الحكام 2 / 256، الفواكه البدرية ص 100، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، جامع الفصولين 1 / 135 - 136 (3) الدر المختار مع التكملة 7 / 17 - 18 مِنْ دَارٍ، وَصَدَّقَ الْوَرَثَةُ أَنَّ بَقِيَّةَ الدَّارِ لِفُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ مُوَرِّثَهُمُ الْمَذْكُورَ اشْتَرَى بَقِيَّةَ الدَّارِ مِنْ وَرَثَةِ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ فِي حَال صِغَرِ الْمُصَدِّقِينَ، وَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ، لأَِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ فِي مَحَل الْخَفَاءِ فَيَكُونُ عَفْوًا. وَمِنْ ذَلِكَ دَعْوَى النَّسَبِ أَوِ الطَّلاَقِ، لأَِنَّ النَّسَبَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ وَهُوَ الْعُلُوقُ، إِذْ هُوَ مِمَّا يَغْلِبُ خَفَاؤُهُ عَلَى النَّاسِ، فَالتَّنَاقُضُ فِي مِثْلِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَالطَّلاَقُ يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّوْجُ. وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَدِينُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إِبْرَاءِ الدَّائِنِ لَهُ. وَالْمُخْتَلِعَةُ بَعْدَ أَدَاءِ بَدَل الْخُلْعِ لَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلاَقِ الزَّوْجِ قَبْل الْخُلْعِ. (1) وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَهَكَذَا كُل مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ فَإِنَّهُ يُعْفَى فِيهِ عَنِ التَّنَاقُضِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا أَفْتَى فِي الْحَامِدِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْكْثَرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ: إِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ أَبُوهُ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الشَّرِيعَةِ وَعَلَى مَا تُحْمَل عَلَيْهِ الدِّيَانَةُ، ثُمَّ جَاءَ بِشُهُودٍ أَخْبَرُوهُ أَنَّ أَبَاهُ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ __________ (1) مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي 5 / 144 - 145، ودرر الحكام 4 / 228، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 29 - 30 و 175، والزيلعي وهامشه 4 / 99 - 100، والبدائع 6 / 224 وَحَازَهَا لَهُ، أَوْ أَقَرَّ الأَْبُ أَنَّهُ مَلَكَهَا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّهُ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ كُلَّهَا مَوْرُوثَةٌ إِلاَّ هَذِهِ الدَّارَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهَا دُونَ الْوَرَثَةِ وَاعْتَذَرَ بِإِخْبَارِ الْبَيِّنَةِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، بِذَلِكَ بَل أَقَرَّ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيُقْبَل عُذْرُهُ وَيُقِيمُ بَيِّنَتَهُ، وَلاَ يَكُونُ إِقْرَارُهُ السَّابِقُ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ وَقَادِحًا فِيهَا، لأَِنَّ هَذَا عُذْرٌ عَادِيٌّ يُسْمَعُ مِثْلُهُ. وَنُقِل عَنْ سَحْنُونَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. (1) وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَل لِلْعُذْرِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تُقْبَل لِلْمُنَاقَضَةِ. (2) وَهَذَا عَلَى مَا جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَالْقَلْيُوبِيِّ. وَفِي حَوَاشِي الشِّرْوَانِيِّ وَابْنِ قَاسِمٍ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ أَقَرَّ مَدِينٌ لآِخَرَ، ثُمَّ ادَّعَى أَدَاءَهُ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ حَالَةَ الإِْقْرَارِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِلتَّحْلِيفِ فَقَطْ. فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالأَْدَاءِ قُبِلَتْ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لاِحْتِمَال مَا قَالَهُ، فَلاَ تَنَاقُضَ، كَمَا لَوْ قَال: لاَ بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ. (3) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الإِْنْكَارِ، فَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ إِبْرَاءَ الْمُدَّعِي لَهُ سَابِقًا __________ (1) الحطاب 5 / 223، والفروق للقرافي 4 / 38 (2) نهاية المحتاج 8 / 250، وقليوبي 4 / 305 (3) حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج 5 / 399 عَلَى زَمَنِ إِنْكَارِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَقَال: مَا اقْتَرَضْتُ مِنْهُ وَمَا اشْتَرَيْتُ مِنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ اقْتَرَضَ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فَقَال: قَضَيْتُهُ أَوْ أَبْرَأَنِي قَبْل هَذَا الْوَقْتِ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، لأَِنَّ إِنْكَارَ الْحَقِّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَضَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، لأَِنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَيَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ. (1) 36 - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِتَعْبِيرَاتٍ جَازِمَةٍ وَقَاطِعَةٍ وَلاَ تَرَدُّدَ فِيهَا، فَلاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى بِنَحْوِ: أَشُكُّ أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَى فُلاَنٍ مَبْلَغَ كَذَا، أَوْ أَنَّهُ غَصَبَ مِنِّي دَابَّتِي. (2) وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ دَعَاوَى الاِتِّهَامِ (الدَّعَاوَى الْجِنَائِيَّةُ) ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالأَْلْفَاظِ الْمُتَرَدِّدَةِ، فَإِذَا قَال: أَتَّهِمُهُ بِسَرِقَةِ دِينَارٍ مَثَلاً، فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، لأَِنَّ دَعَاوَى الاِتِّهَامِ تَرْجِعُ فِي أَسَاسِهَا إِلَى الشَّكِّ وَالظَّنِّ. (3) 37 - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ يُطَالِبُ بِالْحَقِّ الَّذِي يَدَّعِيهِ: وَهَذَا الشَّرْطُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، وَفِي مُعْظَمِ الْمَذَاهِبِ قَوْلاَنِ بِخُصُوصِهِ. الرَّاجِحُ مِنْهُمَا: عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَالاِكْتِفَاءُ بِدَلاَلَةِ الْحَال. وَاشْتَرَطَهُ أَصْحَابُ __________ (1) شرح منتهى الإرادات 3 / 493، والمغني 9 / 236 - 237 (2) حاشية الدسوقي 4 / 144، لب اللباب ص 255 (3) حاشية الدسوقي 4 / 144 الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْحِيحِهِ، بَيْنَمَا صَرَّحَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى مِنْهُمْ بِتَصْحِيحِ خِلاَفِهِ. وَعَدَمُ اشْتِرَاطِهِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِهِ بِأَنَّ حَقَّ الإِْنْسَانِ يَجِبُ إِيفَاؤُهُ بِطَلَبِهِ، وَالْحُكْمُ حَقُّ الْمُدَّعِي، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ طَالِبٍ لَهُ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقَضِيَّةَ عَلَى سَبِيل الْحِكَايَةِ وَالاِسْتِفْتَاءِ، فَإِذَا طَلَبَهُ تَبَيَّنَ غَرَضُهُ، وَبِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ، لاَ لإِِنْشَائِهَا، فَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي الْقَضَاءَ لَهُ بِحَقِّهِ أَجَابَهُ إِلَى طَلَبِهِ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ، فَإِنْ نَظَرَ فِي الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ مَا طُلِبَ لِلْحَقِّ مِنَ الْمُدَّعِي كَانَ مُنْشِئًا لِلْخُصُومَةِ، وَهُوَ مَا لَمْ يُجْعَل الْقَضَاءُ لأَِجْلِهِ. وَاحْتَجَّ الآْخَرُونَ بِأَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ وَدَلاَئِل الْحَال تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ لاَ يَقْصِدُ بِدَعْوَاهُ إِلاَّ الْحُكْمَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَتَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ، وَكَوْنُ الْمُدَّعِي يَقُول ذَلِكَ حِكَايَةً بَعِيدٌ جِدًّا، لأَِنَّ مَجَالِسَ الْقَضَاءِ لَمْ تُنْشَأْ لِهَذَا الْغَرَضِ. (1) __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 222، العناية وتكملة فتح القدير 6 / 144، الفواكه البدرية ص 106، الهداية وتكملة فتح القدير 6 / 147، تبصرة الحكام 1 / 38 طبع 1301 هـ، الحاوي الكبير ج 13 ق 44 أ، المغني 9 / 86، الروض الندي ص 512، غاية المنتهى 3 / 499، كشاف القناع 4 / 203 38 - الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِلِسَانِ الْمُدَّعِي عَيْنًا: وَهَذَا الشَّرْطُ اخْتَصَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَجُزِ التَّوْكِيل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِي عُذْرٌ مَقْبُولٌ، أَوْ يَرْضَى خَصْمُهُ بِالتَّوْكِيل. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَجَوَازِ التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ شَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ أَبَى. (1) 39 - الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَى الْعَيْنِ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ الْخَصْمِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الشَّرْطِ دَعْوَى مَنْعِ التَّعَرُّضِ، لأَِنَّ الْخَصْمَ فِيهَا يَتَعَرَّضُ لِلْمُدَّعِي وَيَكُونُ الْعَيْنُ فِي يَدِ هَذَا الأَْخِيرِ. (2) ثَانِيًا: شُرُوطُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَرْطَانِ: شَرْطُ الأَْهْلِيَّةِ، وَشَرْطُ الصِّفَةِ. 40 - شَرْطُ الأَْهْلِيَّةِ: لَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى تَصَرُّفًا __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 222، تبصرة الحكام 1 / 111 طبع 1301 هـ، فتح المعين وترشيح المستفيدين ص 245، منتهى الإرادات - القسم الأول ص 444 (2) العناية 6 / 144، مواهب الجليل 6 / 125، مغني المحتاج 4 / 465، الشرواني على تحفة المحتاج 10 / 296، الحاوي الكبير 13 / ق 43 ب يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْهَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَهْلاً لِلْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (1) وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ أَهْلاً فَيُطَالِبُ لَهُ بِحَقِّهِ مُمَثِّلُهُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ. وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَشْتَرِطُونَ كَمَال الأَْهْلِيَّةِ فِي كِلاَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَكْتَفُونَ بِالأَْهْلِيَّةِ النَّاقِصَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، (2) وَيُشْتَرَطُ الرُّشْدُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَسْتَثْنُونَ بَعْضَ الْحَالاَتِ وَلاَ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا كَمَال الأَْهْلِيَّةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: 1 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الدَّعْوَى وَأَنْ يَكُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، (3) وَذَلِكَ لأَِنَّ الدَّعْوَى وَالْجَوَابَ عَلَيْهَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، فَتَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ، وَلاَ تَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ. 2 - وَالْمَالِكِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: __________ (1) درر الحكام 2 / 330، الفتاوى الهندية 4 / 2، تبصرة الحكام 1 / 133، المنهاج مع شرح المحلي 4 / 163، مغني المحتاج 4 / 407 - 408، إعانة الطالبين 4 / 241، الفروع 3 / 808، كشاف القناع 4 / 277 (2) جامع أحكام الصغار على هامش جامع الفصولين 1 / 303 - 304، مغني المحتاج 4 / 407 - 408 (3) درر الحكام 2 / 303، المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص 88، جامع أحكام الصغار 1 / 37 فَأَمَّا الْمُدَّعِي فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الرُّشْدُ، وَتَصِحُّ الدَّعْوَى مِنَ السَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ، وَلاَ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ كَمَا هُوَ الْحَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (1) وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الأَْهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمَهَا أَوْ نَاقِصَهَا لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِ. 3 - وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ فِي الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُمْ بِهِ، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْقَتْل عَلَى السَّفِيهِ. (2) 4 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَصِحُّ الدَّعْوَى عَلَى السَّفِيهِ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ حَال سَفَهِهِ، فَتَصِحُّ عَلَيْهِ دَعْوَى الطَّلاَقِ وَالْقَذْفِ. (3) وَالْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يُجِيزُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، وَهُمْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا بِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَيِّتِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ، وَكَانَتْ حَاضِرَةً لَدَيْهِ وَبِشُرُوطٍ أُخْرَى سَتَأْتِي. وَيُحَلِّفُهُ الْقَاضِي يَمِينًا سَمَّاهَا بَعْضُهُمْ " يَمِينَ الاِسْتِظْهَارِ "، وَيَذْكُرُ فِيهَا __________ (1) مواهب الجليل 6 / 127 (2) المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي 4 / 163 - 164، تحفة المحتاج 10 / 293، مغني المحتاج 4 / 110 طبع 1377 هـ. (3) منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 628، الفروع 3 / 808، كشاف القناع 4 / 277 أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا ادَّعَى بِهِ مِمَّنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ أَبْرَأَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. (1) وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَلأَِنَّهُمْ لاَ يُجِيزُونَ الدَّعْوَى إِلاَّ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ وَمُكَلَّفٍ، وَلاَ يُجِيزُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَوْلَى لاَ يُجِيزُونَ سَمَاعَ الدَّعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ أَوِ الْمَيِّتِ، حَيْثُ هُمْ أَضْعَفُ حَالاً مِنَ الْغَائِبِ. شَرْطُ الصِّفَةِ: 41 - الْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا شَأْنٍ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَهَا الدَّعْوَى، وَأَنْ يَعْتَرِفَ الشَّارِعُ بِهَذَا الشَّأْنِ وَيَعْتَبِرَهُ كَافِيًا لِتَخْوِيل الْمُدَّعِي حَقَّ الاِدِّعَاءِ، وَلِتَكْلِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ وَالْمُخَاصَمَةِ. وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمُدَّعِي إِذَا كَانَ يَطْلُبُ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ. (2) وَيَحِقُّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَرْفَعَ دَعْوَى لِمَدِينِهِ يُطَالِبُ فِيهِ بِحُقُوقِهِ إِذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِأَمْوَالِهِ وَأُشْهِرَ إِفْلاَسُهُ. وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ مَنْ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَقُّ مُنْتَقِلاً إِلَيْهِ صَحَّتْ دَعْوَاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، فَتَصِحُّ الدَّعْوَى مِنَ __________ (1) مغني المحتاج 4 / 407 - 408، والدسوقي 4 / 162، 227 (2) تبصرة الحكام 1 / 109 الْوَارِثِ فِيمَا يَدَّعِيهِ لِمُورِثِهِ، وَلاَ تَصِحُّ مِنَ الدَّائِنِ الَّذِي يَرْفَعُ دَعْوَى لِمَدِينِهِ إِذَا لَمْ يُشْهَرْ إِفْلاَسُهُ. (1) وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَا صِفَةٍ، فَلاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلاَّ إِذَا رُفِعَتْ فِي وَجْهِ مَنْ يَعْتَبِرُهُ الْمُشَرِّعُ خَصْمًا، وَيُجْبِرُهُ عَلَى الدُّخُول فِي الْقَضِيَّةِ، لِيُجِيبَ بِالاِعْتِرَافِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ. وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَى إِنْسَانٍ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِنْكَارِهِ خَصْمًا فِي الدَّعْوَى، وَتَصِحُّ بِتَوْجِيهِهَا إِلَيْهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِهِ حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا بِإِنْكَارِهِ، (2) وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَدَّدَ الْفُقَهَاءُ الْخَصْمَ فِي مُخْتَلَفِ أَنْوَاعِ الدَّعَاوَى: أ - فَفِي دَعَاوَى الْعَيْنِ يَكُونُ الْخَصْمُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ. (3) وَذَلِكَ لأَِنَّ أَيَّ شَخْصٍ لَيْسَتِ الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ فِي يَدِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا، وَالْحَائِزُ لَهَا هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ أَنْ يَقْرَبَهَا، فَهُوَ إِذَنِ الْخَصْمُ فِي دَعْوَاهَا. وَالْيَدُ الَّتِي يَكُونُ صَاحِبُهَا خَصْمًا فِي الدَّعْوَى هِيَ الَّتِي تَدُل عَلَى الْمِلْكِ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ __________ (1) تحفة المحتاج 11 / 310، مغني المحتاج 2 / 147 طبع الحلبي 1377 هـ (2) مواهب الجليل 6 / 125 (3) الهداية والعناية والتكملة 6 / 146، درر الحكام 2 / 330، جامع الفصولين 1 / 38، تبصرة الحكام 1 / 104 طبع 1301 هـ، الأم 6 / 236، إعانة الطالبين 4 / 241 كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ يَدًا طَارِئَةً، كَيَدِ مُسْتَأْجِرٍ، أَوْ مُسْتَعِيرٍ، أَوْ مُرْتَهِنٍ، لَمْ يَصِحَّ تَوْجِيهُ الدَّعْوَى إِلَى صَاحِبِهَا مُنْفَرِدًا، وَلَكِنْ يُطْلَبُ مِنَ الْحَائِزِ الْعَرَضِيِّ الْحُضُورُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِيُؤْمَرَ بِتَسْلِيمِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى عِنْدَ إِثْبَاتِ الدَّعْوَى. وَإِذَا وَجَّهَهَا الْمُدَّعِي إِلَيْهِ، كَانَ لِهَذَا الْحَائِزِ الْعَرَضِيِّ أَنْ يَدْفَعَ الدَّعْوَى بِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ يَدٌ عَارِضَةٌ، بِشَرْطِ أَنْ يُبَرْهِنَ عَلَى دَفْعِهِ، وَعِنْدَئِذٍ تُرَدُّ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَيُطْلَبُ مِنْهُ رَفْعُهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْمَالِكِ. (1) وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مُخْتَصٌّ بِدَعَاوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَنِ السَّبَبِ، أَمَّا إِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّ فُلاَنًا غَصَبَ مِنْهُ مَالَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَفْعُ هَذِهِ الدَّعْوَى بِحُجَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ لَيْسَتْ فِي يَدِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي دَعْوَى الْفِعْل - كَمَا سَيَأْتِي - أَنَّهَا يَصِحُّ تَوْجِيهُهَا ضِدَّ الْفَاعِل. (2) 42 - وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا يَأْتِي: 1 - إِذَا بَاعَ رَجُلٌ مِلْكَ غَيْرِهِ، وَسَلَّمَهُ بِدُونِ إِذْنِهِ، كَانَ الْخَصْمُ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَلَكِنَّ مَحَل __________ (1) الهداية 6 / 212، درر الحكام 2 / 343، جامع الفصولين 1 / 130 - 131، نهاية المحتاج 8 / 168، 169، المغني 9 / 301، كشاف القناع 6 / 275 طبع 1367 هـ (2) الهداية والتكملة 6 / 112، درر الحكام 2 / 343، جامع الفصولين 1 / 130 - 131، الفتاوى الهندية 4 / 43، نهاية المحتاج 8 / 168، المغني 9 / 301، كشاف القناع 6 / 275 طبع 1367 هـ. ذَلِكَ إِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي اسْتِرْدَادَ الْعَيْنِ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ التَّضْمِينَ سُمِعَتِ الدَّعْوَى عَلَى الْبَائِعِ الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، لأَِنَّهَا تَكُونُ دَعْوَى فِعْلٍ عِنْدَئِذٍ. 2 - إِذَا تُوُفِّيَ شَخْصٌ عَنْ تَرِكَةٍ فِيهَا أَعْيَانٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ، وَأَرَادَ شَخْصٌ الاِدِّعَاءَ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِهَا كَانَ الْخَصْمُ لَهُ هُوَ الْوَارِثُ الَّذِي فِي يَدِهِ تِلْكَ الْعَيْنُ، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ. (1) 3 - إِذَا بِيعَ عَقَارٌ، فَطَلَبَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ تَسَلَّمْهُ الْمُشْتَرِي كَانَ هُوَ الْخَصْمُ لِلشَّفِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْهُ كَانَ الْخَصْمُ لَهُ كُلًّا مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الأَْوَّل وَاضِعُ الْيَدِ، فَيَحْضُرُ مِنْ أَجْل التَّسْلِيمِ، وَالآْخَرُ مَالِكٌ، فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى إِلاَّ بِحُضُورِهِمَا جَمِيعًا. (2) 4 - إِذَا بَاعَ شَخْصٌ لِغَيْرِهِ عَيْنًا، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَيْهِ، فَأَرَادَ آخَرُ ادِّعَاءَ مِلْكِيَّتِهَا، كَانَ الْخَصْمُ لَهُ كُلًّا مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الأَْوَّل وَاضِعُ الْيَدِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ لِيُؤْمَرَ بِالتَّسْلِيمِ عِنْدَ ثُبُوتِ الدَّعْوَى، وَأَمَّا إِذَا سَلَّمَهَا الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي كَانَ الْخَصْمُ هُوَ الْمُشْتَرِي. فَفِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ فِي يَدِ غَيْرِ __________ (1) البحر الرائق 7 / 194، جامع الفصولين ص 52، أدب القضاء للغزي ق 2 أ. (2) جامع الفصولين 1 / 52 الْمَالِكِ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمِلْكِ حُضُورُ الاِثْنَيْنِ. (1) وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمَالِكُ لِلْعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ فِعْلاً، وَلَكِنَّهَا عَلَيْهِ حُكْمًا، وَالآْخَرُ حِيَازَتُهُ لَهَا عَرَضِيَّةٌ وَمُؤَقَّتَةٌ، وَلأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِهِ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ حُضُورُ الآْخَرِينَ لِغَايَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ لِلْمُدَّعِي عِنْدَ ثُبُوتِ الدَّعْوَى. 5 - وَفِي دَعَاوَى الدَّيْنِ، الْخَصْمُ هُوَ مَنْ كَانَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ نَائِبُهُ، لأَِنَّ الْمَدِينَ هُوَ الَّذِي إِذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ حَمَل نَتِيجَةَ إِقْرَارِهِ وَأُلْزِمَ بِهِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لاَ تُوَجَّهُ الدَّعْوَى ضِدُّ حَائِزِ الْعَيْنِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا الْمَدِينُ، كَالْمُسْتَأْجَرِ مِنْهُ، وَلاَ الْغَاصِبِ مِنْهُ، وَلاَ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ. 6 - وَفِي دَعْوَى الْفِعْل كَالْغَصْبِ وَغَيْرِهِ، الْخَصْمُ هُوَ الْفَاعِل، (2) أَيِ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَامَ بِالْفِعْل. 7 - وَفِي دَعْوَى الْقَوْل، الْخَصْمُ هُوَ الْقَائِل، أَيِ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال الْقَوْل، فَدَعْوَى الطَّلاَقِ تُقِيمُهَا الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْقَذْفِ أَوِ الشَّتْمِ. 8 - وَفِي دَعْوَى الْعَقْدِ، الْخَصْمُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لَهُ، أَوْ __________ (1) البحر الرائق 7 / 194، جامع الفصولين 1 / 38 (2) درر الحكام 2 / 344 مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، كَالْوَكِيل، أَوِ الْوَارِثِ، أَوِ الْوَصِيِّ. 9 - وَفِي دَعْوَى الْحَقِّ، كَحَقِّ الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ، الْخَصْمُ هُوَ كُل شَخْصٍ لَهُ شَأْنٌ فِي الدَّعْوَى، وَهُوَ الَّذِي يُنَازِعُ الْمُدَّعِيَ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهِ. دَعْوَى الْحِسْبَةِ: (1) 43 - الدَّعْوَى هِيَ طَلَبُ شَخْصٍ حَقَّهُ مِنْ آخَرَ فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ كَمَا سَبَقَ، فَهِيَ أَصْلاً تَحْتَاجُ إِلَى طَالِبٍ (الْمُدَّعِي) وَمَطْلُوبٍ (الْمُدَّعَى) وَمَطْلُوبٍ مِنْهُ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) . وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَلاَ تَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى بِغَيْرِ الطَّلَبِ مِنْ مُدَّعٍ مُعَيَّنٍ كَمَا هُوَ الأَْصْل. أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ وَالتَّعَدِّي عَلَى مَا يَرْجِعُ مَنَافِعُهُ لِلْعَامَّةِ، فَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى مُدَّعٍ خَاصٍّ، وَتُقْبَل فِيهَا شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ. (أَيْ: لِلأَْجْرِ لاَ لإِِجَابَةِ مُدَّعٍ) مَعَ مُرَاعَاةِ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ الْخَاصَّةِ بِهَا حَسَبَ تَنَوُّعِ مَوْضُوعَاتِهَا. __________ (1) الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، فهي وظيفة دينية وحق ثابت لكل مسلم وللمحتسب، إلا أنه متعين على المحتسب بحكم الولاية، أما على غيره فداخل في فروض الكفاية (الأحكام السلطانية للماوردي ص 240) وللمقارنة بين الحسبة والقضا فَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ سَبْقُ الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ بِحُقُوقِ النَّاسِ. قَال الأَْتَاسِيُّ: لأَِنَّ ثُبُوتَ حُقُوقِهِمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِمْ، وَلَوْ بِالتَّوْكِيل. بِخِلاَفِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، حَيْثُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الدَّعْوَى، لأَِنَّ إِقَامَةَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ عَلَى كُل أَحَدٍ، فَكُل أَحَدٍ خَصْمٌ فِي إِثْبَاتِهَا، فَصَارَ كَأَنَّ الدَّعْوَى مَوْجُودَةٌ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَال: يَنْتَصِبُ أَحَدُ الْعَامَّةِ خَصْمًا عَنِ الْبَاقِينَ مِنَ الْعَامَّةِ فِي الْمَحَال الَّتِي مَنْفَعَتُهَا عَائِدَةٌ إِلَى الْعُمُومِ. ثُمَّ قَال نَقْلاً عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: بَنَى حَائِطًا عَلَى الْفُرَاتِ وَاتَّخَذَ عَلَيْهِ رَحًى، أَوْ بَنَى فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، فَخَاصَمَهُ أَحَدٌ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَدْمِهِ. (1) وَذَكَرَ فِي الدُّرِّ فِي بَحْثِ الشَّهَادَةِ: وَالَّذِي تُقْبَل فِيهِ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً بِدُونِ الدَّعْوَى أَرْبَعَةَ عَشْرَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هِيَ الْوَقْفُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ (أَيْ لِلْعَامَّةِ) ، وَطَلاَقُ الزَّوْجَةِ، وَتَعْلِيقُ طَلاَقِهَا، وَحُرِّيَّةُ الأَْمَةِ وَتَدْبِيرُهَا، وَالْخُلْعُ، وَهِلاَل رَمَضَانَ، وَالنَّسَبُ، وَحَدُّ الزِّنَى، وَحَدُّ الشُّرْبِ، وَالإِْيلاَءُ، وَالظِّهَارُ، وَحُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، وَدَعْوَى الْمَوْلَى نَسَبَ الْعَبْدِ، وَالشَّهَادَةُ بِالرَّضَاعِ. __________ (1) مجلة الأحكام العدلية م 1696، وشرحها للأتاسي 5 / 248، وانظر درر الحكام 4 / 344 ثُمَّ قَال: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ شَاهِدَ الْحِسْبَةِ لاَ بُدَّ أَنْ يَدَّعِيَ مَا يَشْهَدُ بِهِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُدَّعٍ آخَرُ. وَعَلَى هَذَا فَكُل مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تُقْبَل فِيهِ الدَّعْوَى حِسْبَةً. ثُمَّ عَلَّقَ عَلَى كَلاَمِ الدُّرِّ نَقْلاً عَنِ الأَْشْبَاهِ: وَلَيْسَ لَنَا مُدَّعٍ حِسْبَةً إِلاَّ فِي دَعْوَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَقَال: مُرَادُهُ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى مُدَّعِيًا، أَوْ أَنَّ مُدَّعِيَ الْحِسْبَةَ لاَ يَحْلِفُ لَهُ الْخَصْمُ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الشَّهَادَةِ. (1) وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي بَحْثِ الشَّهَادَةِ (2) أَنَّهُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ فِي حَقِّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ إِنِ اسْتُدِيمَ ارْتِكَابُ التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ الرَّفْعِ، كَعِتْقٍ لِرَقِيقٍ، مَعَ كَوْنِ السَّيِّدِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مِنِ اسْتِخْدَامٍ وَبَيْعٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَطَلاَقٍ لِزَوْجَةٍ مَعَ كَوْنِ الْمُطَلِّقِ لَمْ يَنْكَفَّ عَنْهَا فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالرَّفْعِ، وَكَوَقْفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً، وَوَاضِعُ الْيَدِ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ، فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالرَّفْعِ لِرَدِّهِ إِلَى أَصْلِهِ. وَكَرَضَاعٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ ارْتِكَابَ التَّحْرِيمِ بِأَنْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَنْقَضِي بِالْفَرَاغِ مِنْ مُتَعَلَّقِهِ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ، خُيِّرَ فِي الرَّفْعِ وَعَدَمِهِ، وَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ السَّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْرِ __________ (1) حاشية ابن عابدين 3 / 402 - 403 بتصرف يسير. (2) الشرح الصغير للدردير 4 / 247 - 249 الْمُجَاهِرِ، وَإِلاَّ فَالرَّفْعُ أَوْلَى. (1) وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: وَتُقْبَل شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، بِأَنْ يَشْهَدَ بِتَرْكِهَا، وَفِيمَا لَهُ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ، كَطَلاَقٍ، وَعِتْقٍ، وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا، بِأَنْ يَشْهَدَ بِمَا ذُكِرَ لِيَمْنَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَشْهَدَ بِمُوجَبِهِ، كَحَدِّ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. وَالأَْفْضَل فِيهِ السَّتْرُ إِذَا رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ. كَمَا ذَكَرُوا مِنْهَا الرَّضَاعَ. قَال الشِّرْبِينِيُّ: تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ أُمِّ الزَّوْجَةِ وَبِنْتِهَا مَعَ غَيْرِهِمَا حِسْبَةً بِلاَ تَقَدُّمِ دَعْوَى، لأَِنَّ الرَّضَاعَ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَبُوهَا وَابْنُهَا، أَوِ ابْنَاهَا بِطَلاَقِهَا مِنْ زَوْجِهَا حِسْبَةً. (2) وَقَال فِي مَحَلٍّ آخَرَ: وَمَا تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ هَل تُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَاهَا؟ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا: " تُسْمَعُ، لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُسْمَعُ فِي غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ ". (3) __________ (1) الشرح الصغير للدردير 4 / 247 - 249، وجواهر الإكليل 2 / 236 (2) المحلي وحاشية القليوبي وعميرة عليه 4 / 322، 323، ومغني المحتاج 3 / 424، 4 / 437 (3) مغني المحتاج 4 / 437 وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ أَنَّهَا تُقْبَل فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْخَالِصَةِ حِسْبَةً، كَمَا تُقْبَل فِيمَا كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلاَ تَفْتَقِرُ إِلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: 44 - أَحَدُهُمَا: حَقٌّ لآِدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، وَالْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْوَقْفِ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَلاَ تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ الدَّعْوَى، لأَِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ، فَلاَ تُسْتَوْفَى إِلاَّ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَإِذْنِهِ، وَلأَِنَّهَا حُجَّةٌ عَلَى الدَّعْوَى وَدَلِيلٌ لَهَا فَلاَ يَجُوزُ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهَا. 45 - الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ سِقَايَةٍ، أَوْ مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ، أَوِ الْوَصِيَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِ هَذَا، أَوْ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْكَفَّارَةِ، فَلاَ تَفْتَقِرُ الشَّهَادَةُ بِهِ إِلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ مِنَ الآْدَمِيِّينَ يَدَّعِيهِ وَيُطَالِبُ بِهِ. وَلِذَلِكَ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَشَهِدَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى فَأُجِيزَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ قَبُولٌ مِنْ أَحَدٍ وَلاَ رِضًى مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ كَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالطَّلاَقِ، أَوِ الظِّهَارِ، أَوْ إِعْتَاقِ الرَّقِيقِ، تَجُوزُ الْحِسْبَةُ بِهِ وَلاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ دَعْوَى. (1) هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ كُل مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تُقْبَل فِيهِ الدَّعْوَى حِسْبَةً. (2) ثَالِثًا: شُرُوطُ الْمُدَّعَى بِهِ: 46 - الشَّرْطُ الأَْوَّل - يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا (3) ، وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ الْمُدَّعَى بِهِ تَصَوُّرُهُ، أَيْ تَمَيُّزُهُ فِي ذِهْنِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي. (4) وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّعْوَى هُوَ إِصْدَارُ الْحُكْمِ فِيهَا، وَالْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ فَصْل الْخُصُومَةِ بِإِلْزَامِ الْمَحْقُوقِ بِرَدِّ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ إِلْزَامَ مَعَ الْجَهَالَةِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِمَا لاَ إِلْزَامَ فِيهِ، وَهَكَذَا لاَ يَتَحَصَّل مَقْصُودُ الدَّعْوَى بِدُونِ الْعِلْمِ __________ (1) المغني 9 / 215 - 216 (2) ابن عابدين 3 / 403 (3) بدائع الصنائع 6 / 222، حاشية الشلبي 4 / 292، تهذيب الفروق 4 / 114، 117، حاشية الدسوقي 4 / 292، المهذب 2 / 311، المغني 9 / 84، نيل المآرب بشرح دليل الطالب 2 / 143، كشاف القناع 6 / 277 طبع 1367 هـ (4) تهذيب الفروق 4 / 114، حاشية العدوي على الخرشي 7 / 154، حاشية الدسوقي 4 / 144. فَوَجَبَ اشْتِرَاطُهُ لِصِحَّتِهَا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ مَرْهُونَةٌ بِمُطَابِقَتِهَا لِلدَّعْوَى، فَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى مَجْهُولَةَ الْمُدَّعَى بِهِ لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا لاَ تَصِحُّ عَلَى الْمَجْهُول، فَتَكُونُ الدَّعْوَى مَرْفُوضَةً لِعَدَمِ إِمْكَانِ إِثْبَاتِهَا. (1) حُدُودُ هَذَا الشَّرْطِ: 47 - لِلْمُدَّعَى بِهِ جَوَانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ: فَهُنَاكَ ذَاتُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، وَهَذَا يَخْتَلِفُ حُدُودُهُ حَسَبَ الأَْحْوَال، فَيُفْصَل فِيهِ بَيْنَ مَا يَكُونُ عَيْنًا وَمَا يَكُونُ دَيْنًا، وَالأَْوَّل يُفْصَل فِيهِ بَيْنَ مَا هُوَ عَقَارٌ وَمَا هُوَ مَنْقُولٌ. كَمَا أَنَّ الدَّعَاوَى الأُْخْرَى الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا غَيْرُ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، كَدَعْوَى النَّسَبِ لَهَا قَوَاعِدُ تَخْتَلِفُ فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّعَى بِهِ. وَهُنَاكَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَاقِعَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُدَّعِي فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَدَّعِيهِ، وَهُنَاكَ أَيْضًا شُرُوطُ هَذَا السَّبَبِ، وَقَدْ وَضَعَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ قَاعِدَةً عَامَّةً فِي كَيْفِيَّةِ الْعِلْمِ بِالْمُدَّعَى بِهِ، فَقَالُوا: (إِنَّمَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى جَهَالَةٌ تَمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَتَوْجِيهِ الْمُطَالَبَةِ نَحْوَهُ، حَيْثُ يَكُونُ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولاً يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، أَمَّا إِذَا سَلِمَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ هَذَا، وَكَانَ __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 222، حاشية الشلبي 4 / 292، نيل المآرب 2 / 143 مَحْصُورًا بِمَا يُضْبَطُ بِهِ فَلاَ) (1) وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل هَذَا الشَّرْطِ حَسَبَ أَنْوَاعِ الدَّعَاوَى الْمُخْتَلِفَةِ: كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي دَعَاوَى الْعَيْنِ: الْمُدَّعَى بِهِ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولاً، وَلِكُلٍّ طَرِيقَةٌ خَاصَّةٌ فِي التَّعْرِيفِ بِهِ: 48 - فِي دَعْوَى الْعَقَارِ: يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ذِكْرُ مَا يُمَيِّزُ الْعَقَارَ الْمُدَّعَى عَنْ غَيْرِهِ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِذِكْرِ حُدُودِهِ، وَنَاحِيَتِهِ مِنَ الْبَلَدِ الْمَوْجُودِ فِيهَا. (2) لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا تَخْصِيصَهُ بِقُيُودٍ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ، فَاشْتَرَطُوا ذِكْرَ الْمَحَلَّةِ وَالسِّكَّةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا ذَلِكَ الْعَقَارُ، مَعَ ذِكْرِ جِهَةِ الْبَابِ الَّتِي يُفْتَحُ عَلَيْهَا. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا، وَأَمَّا فِي الْعَقَارِ الْمَشْهُورِ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِتَحْدِيدِهِ غَيْرُ ذِكْرِ اسْمِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالصَّاحِبَيْنِ. (3) وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ فِي __________ (1) أدب القضاء - الغزي ق 3 أ. (2) بدائع الصنائع 6 / 222، تنوير الأبصار 1 / 391، تبصرة الحكام 1 / 105 طبع 1301 هـ. إعانة الطالبين 4 / 241، المغني 9 / 85، كشاف القناع 6 / 278 طبع 1367 هـ. (3) تنوير الأبصار مع قرة عيون الأخيار 1 / 391، المنهاج مع شرح المحلي 4 / 311، فتح المعين وإعانة الطالبين 4 / 243، كشاف القناع 6 / 278 طبع 1367 هـ. تَعْرِيفِ الْعَقَارِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَشْهُورًا أَمْ غَيْرَ مَشْهُورٍ. (1) وَيُشْتَرَطُ فِي تَعْرِيفِ الْحُدُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يُذْكَرَ أَسْمَاءُ أَصْحَابِهَا وَأَنْسَابُهُمْ إِلاَّ الْمَشْهُورِينَ مِنْهُمْ، فَيُكْتَفَى بِأَسْمَائِهِمْ، وَيُكْتَفَى عِنْدَهُمْ بِذِكْرِ ثَلاَثَةِ حُدُودٍ لِلْعَقَارِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ الدَّعْوَى بِذِكْرِ ثَلاَثَةِ حُدُودٍ بِأَنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْكُل غَالِبًا، وَاشْتَرَطَ زُفَرُ أَنْ تُذْكَرَ جَمِيعُ الْحُدُودِ، (2) وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الاِكْتِفَاءُ بِالْحَدَّيْنِ وَالْحَدِّ الْوَاحِدِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْخَطَأَ فِي ذِكْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْحُدُودِ الأَْرْبَعَةِ يَجْعَل الدَّعْوَى غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الشَّكَّ فِي مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي لِمَا يَدَّعِيهِ، وَلِعَدَمِ انْطِبَاقِ الدَّعْوَى عَلَى مَحَل النِّزَاعِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَى حَالَةِ الاِبْتِدَاءِ. (3) وَأَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدِ اشْتَرَطُوا ذِكْرَ جَمِيعِ الْحُدُودِ لأَِنَّ التَّعْرِيفَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِذِكْرِ الْحُدُودِ الأَْرْبَعَةِ، وَأَضَافَ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى بِثَلاَثَةٍ وَأَقَل مِنْهَا إِذَا عُرِفَ الْعَقَارُ بِهَا. وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ فِي الْعَقَارِ لاَ تَتَقَيَّدُ بِالْحُدُودِ الأَْرْبَعَةِ، فَقَدْ __________ (1) تنوير الأبصار والدر المختار مع قرة عيون الأخيار 1 / 391 (2) تنوير الأبصار والدر المختار وقرة عيون الأخيار 1 / 300، 391، 392، وتبصرة الحكام 1 / 105، ونهاية المحتاج 8 / 111، وفتح المعين وإعانة الطالبين، والمنهاج والمحلي وحاشية قليوبي وحاشية عميرة 4 / 311، وكشاف القناع 6 / 278. (3) قرة عيون الأخيار 1 / 392. يُعْرَفُ بِالشُّهْرَةِ الْعَامَّةِ فَلاَ تَحْتَاجُ لِذِكْرِ حَدٍّ وَلاَ غَيْرِهِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ دَعْوَى الْعَقَارِ ذِكْرُ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ. وَذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي الْبِلاَدِ الَّتِي لَمْ يَقْدُمْ بِنَاؤُهَا، أَيْ حَدِيثَةُ الْعَهْدِ فِي تَأْسِيسِهَا، فَلاَ يُسْأَل فِيهَا عَنْ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، لاِحْتِمَال أَنَّ الْمُدَّعِيَ تَمَلَّكَهُ بِسَبَبِ الْخُطَّةِ، أَيْ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنَ الأَْصْل، وَلَمْ يَنْتَقِل إِلَى مِلْكِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ النَّاقِلَةِ لِلْمِلْكِيَّةِ كَالْبَيْعِ، وَذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِ تَأْسِيسِهِ، وَأَمَّا دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي الْبِلاَدِ الَّتِي قَدُمَ بِنَاؤُهَا، وَطَال الْعَهْدُ عَلَى تَأْسِيسِهَا فَلاَ تَصِحُّ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قِدَمَ الْبِنَاءِ قَرِينَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِيهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ النَّاقِلَةِ لِلْمِلْكِيَّةِ، لاِسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ تَمَلَّكَهُ بِسَبَبِ الْخُطَّةِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا، فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ، إِذْ لاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمِلْكِ بِسَبَبٍ مَجْهُولٍ، وَمَا دَامَ حُدُوثُ السَّبَبِ مُتَيَقَّنًا، فَيُحْتَمَل أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُدَّعِي بَاطِلٌ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِلْكٌ. (1) وَصَرَّحَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ ذِكْرِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يُمَيِّزُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ دَعْوَى الْعَقَارِ وَغَيْرِهَا. (2) بَل رَأَى بَعْضُ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ __________ (1) البحر الرائق 7 / 201 (2) تبصرة الحكام 1 / 130 - 131، الخرشي 7 / 154. الْقَاضِيَ إِنْ لَمْ يَسْأَل عَنْهُ وَقَبِل الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَالْخَابِطِ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَكُونُ فَاسِدًا، فَلاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِيُعْرَفَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَوِ ادَّعَى الْمُدَّعِي نِسْيَانَ السَّبَبِ لَمْ يُكَلَّفْ بِبَيَانِهِ (1) . فِي دَعْوَى الْمَنْقُول: 49 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الْمُدَّعَى بِهِ الْمَنْقُول: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَنْقُول الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ، وَبَيْنَ الْمَنْقُول الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَالْحَاضِرِ فِيهِ: فَأَمَّا الْمَنْقُول الْقَائِمُ الْحَاضِرُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيُعْلَمُ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ لأَِنَّ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ مُمْكِنَةٌ فِي هَذِهِ الْحَال، فَلاَ يُصَارُ إِلَى أَقَلٍّ مِنْهَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعَيْنُ الْمَنْقُولَةُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي: فَإِنْ كَانَ إِحْضَارُهَا إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ مُيَسَّرًا بِحَيْثُ لاَ يُكَلِّفُ نَفَقَةً، طُلِبَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِحْضَارُهَا لِيُشَارَ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ إِحْضَارُهَا يُكَلِّفُ نَفَقَةً، فَيَذْهَبُ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ إِلَى مَكَانِ وُجُودِهَا لِيُشَارَ إِلَيْهَا. وَأَمَّا الْمَنْقُول الْهَالِكُ فَيُعْرَفُ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ، لأَِنَّ عَيْنَ الْمُدَّعَى بِهِ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَتُهَا، __________ (1) التاج والإكليل 6 / 124، تهذيب الفروق 4 / 115، تبصرة الحكام 1 / 130 - 131، العقد المنظم للحكام 2 / 198. وَلاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالْوَصْفِ، إِذِ الْعَيْنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، فَاشْتُرِطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ، حَيْثُ تُعْرَفُ بِهَا الْعَيْنُ الْهَالِكَةُ. وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْقُول الْقِيَمِيِّ، وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُعْتَبَرُ دَعْوَى دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، فَيُشْتَرَطُ فِي تَعْرِيفِهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّيْنِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا. (1) وَأَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ يَقْصِرُوا طَرِيقَةَ الْعِلْمِ بِالْمَنْقُول عَلَى الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، أَوْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا: فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَجَبَ عَلَى الْمُدَّعِي ذِكْرُ وَصْفِهِ الْمَشْرُوطِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ. وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا: فَإِنْ كَانَ مُنْضَبِطًا بِالْوَصْفِ، فَيَجِبُ وَصْفُهُ بِمَا يَنْضَبِطُ بِهِ، وَإِلاَّ فَيَجِبُ ذِكْرُ قِيمَتِهِ. (2) وَأَصْل الْخِلاَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ الأَْعْيَانَ الْقِيَمِيَّةَ، هَل تَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ أَوْ لاَ تَنْضَبِطُ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِيَمِيَّ __________ (1) الهداية مع فتح القدير والتكملة 6 / 142 - 143، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 544، جامع الفصولين 1 / 70، الفتاوى الهندية 4 / 3، 5، 6 (2) أدب القضاء لابن أبي الدم ق 26 أ، المحرر في الفقه 2 / 206، كشف المخدرات ص 511، منتهى الإرادات القسم الثاني ص 592 - 593، الروض الندي ص513، نيل المآرب 2 / 143، تبصرة الحكام 1 / 131، تهذيب الفروق 4 / 114، المنهاج وشرح المحلي 4 / 336، المغني 9 / 84 - 85، نهاية المحتاج 8 / 162، كشاف القناع 4 / 204 لاَ يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ، لأَِنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَشْتَرِكُ مَعَ عَيْنٍ أُخْرَى فِي الْوَصْفِ وَالْحِلْيَةِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ قَالُوا: لاَ بُدَّ مِنَ الإِْشَارَةِ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَمِيِّ، لأَِنَّ الشَّكَّ لاَ يَنْقَطِعُ إِلاَّ بِهَا. (1) وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْعْيَانِ الْقِيَمِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تَنْضَبِطَ بِالْوَصْفِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ ذَهَبُوا إِلَى الاِكْتِفَاءِ بِوَصْفِ مِثْل هَذِهِ الأَْعْيَانِ فِي الدَّعْوَى، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا إِحْضَارَهَا لِيُشَارَ إِلَيْهَا. الْعِلْمُ بِسَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الْمَنْقُول: 50 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الْمَنْقُول عَلَى الآْرَاءِ التَّالِيَةِ: (2) أ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ دَعْوَى الْمِثْلِيِّ وَدَعْوَى الْقِيَمِيِّ: فَاشْتَرَطُوا ذِكْرَ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي الأُْولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ أَحْكَامِ الأَْسْبَابِ الْمُرَتِّبَةِ لِلدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَلأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنَ الدُّيُونِ، فَلاَ بُدَّ لِصِحَّةِ دَعْوَى اشْتِغَالِهَا مِنْ بَيَانِ سَبَبِ هَذَا الاِشْتِغَال. (3) __________ (1) حاشية الشلبي 4 / 293 (2) الوجيز وفتح العزيز 9 / 267 وما بعدها، تحفة الطلاب مع حاشية الشرقاوي 2 / 24 (3) البحر الرائق 7 / 195، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 547 ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي دَعَاوَى الْعَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِثْلِيَّةً أَمْ قِيَمِيَّةً، وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَل الْمُدَّعِيَ عَنْ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمُدَّعَى بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْطَنْ لِذَلِكَ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَجِّهَ هَذَا السُّؤَال، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُدَّعِي عَنْ ذِكْرِهِ لَمْ يُكَلَّفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ عَنِ الدَّعْوَى، وَبِذَلِكَ لاَ تُنْتِجُ أَثَرَهَا، وَهُوَ وُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ. (1) وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ يَكُونُ مُعْتَمِدًا فِي دَعْوَاهُ عَلَى سَبَبٍ فَاسِدٍ، كَأَنْ يَكُونَ ثَمَنَ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ، فَإِنَّ كُل هَذَا وَنَحْوَهُ لاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لاِسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ. (2) ج - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الْمَنْقُول، سَوَاءٌ أَكَانَ قِيَمِيًّا أَمْ مِثْلِيًّا، لِتَعَدُّدِ الأَْسْبَابِ وَكَثْرَتِهَا، وَفِي إِيجَابِ ذِكْرِهَا عَلَى الْمُدَّعِي حَرَجٌ كَبِيرٌ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ضَيَاعُ حُقُوقِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَوَجَبَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. (3) وَفِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي مِنْهَا ذُكُورٌ وَمِنْهَا إِنَاثٌ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ صِفَةِ الأُْنُوثَةِ أَوِ الذُّكُورَةِ فِي __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 130 - 131، التاج والإكليل 6 / 124، الخرشي 7 / 154، تهذيب الفروق 4 / 114 - 115 (2) العقد المنظم للحكام 2 / 198 (3) المهذب 2 / 311، الحاوي الكبير ج 13 ق 43 ل، 49 أ، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 592، شرح المنتهى 4 / 276 - 277، كشاف القناع 4 / 204 الدَّعْوَى (1) . كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ: 51 - إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ نَقْدًا، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِبَيَانِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَوَصْفِهِ وَقَدْرِهِ، (2) وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّقْدُ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ فَلاَ حَاجَةَ لِذِكْرِ غَيْرِ قَدْرِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مِثْلِيًّا، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِمِثْل مَا يُعْلَمُ بِهِ النَّقْدُ. وَإِذْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا قِيَمِيَّةً، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تَكُونُ فِي الدَّعْوَى فِي هَذِهِ الْحَال دَعْوَى دَيْنٍ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هَالِكَةً، فَإِذَا كَانَتْ هَالِكَةً تُعْلَمُ بِذِكْرِ قِيمَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلاَّ فَلاَ تُعْلَمُ إِلاَّ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهَا. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تَثْبُتُ الأَْعْيَانُ الْقِيَمِيَّةُ فِي الذِّمَّةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ، وَعِنْدَئِذٍ تُعْلَمُ عِنْدَهُمْ بِذِكْرِ أَوْصَافِهَا الَّتِي تَنْضَبِطُ بِهَا، وَهِيَ الأَْوْصَافُ الَّتِي يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا فِي عَقْدِ السَّلَمِ (3) . __________ (1) الفروق 4 / 72، منتهى الإرادات 2 / 594، جواهر العقود 2 / 499 (2) الهداية مع تكملة القدير 6 / 141، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 547، تبصرة الحكام 1 / 105 طبع 1301 هـ، المهذب 2 / 311، المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي، وحاشية عميرة 4 / 236 - 237، المغني 9 / 85 (3) الفروق 4 / 72، تبصرة الحكام 1 / 105 طبع 1301 هـ، فتح المعين وإعانة الطالبين 4 / 241، ترشيح المستفيدين ص 407 - 408، المغني 9 / 84، 85، منتهى الإرادات، القسم الأول 391، وكشاف القناع 4 / 204 الْعِلْمُ بِسَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ: 52 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ عَلَى الآْرَاءِ الآْتِيَةِ: أ - فَذَهَبَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَرَتَّبَ لَهُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَل هُوَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ إِتْلاَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ. (1) وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ كُل دَيْنٍ لاَ بُدَّ لِتَرَتُّبِهِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنِ اشْتِغَالِهَا بِالدُّيُونِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ سَبَبٍ لِكُل دَيْنٍ فَيَجِبُ عَلَى مُدَّعِي الدَّيْنِ بَيَانُ سَبَبِهِ، لأَِنَّ الأَْسْبَابَ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا، فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الدَّيْنِ عَقْدَ السَّلَمِ مَثَلاً، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مَكَانِ الإِْيفَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِبْدَال بِهِ قَبْل الْقَبْضِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ ثَمَنَ مَبِيعٍ، حَيْثُ يَجُوزُ الاِسْتِبْدَال بِهِ قَبْل قَبْضِهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ مَكَانِ الإِْيفَاءِ. (2) وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَدْ يَكُونُ السَّبَبُ بَاطِلاً كَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ ثَمَنَ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ نَتِيجَةَ مُقَامَرَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ لِيُعْرَفَ ذَلِكَ. وَمِنْ جِهَةٍ ثَالِثَةٍ فَإِنَّ بَعْضَ __________ (1) البحر الرائق 7 / 195، الفتاوى الهندية 4 / 3، تبصرة الحكام 1 / 104 طبع 1301هـ. الخرشي، وحاشية العدوي 7 / 154، تهذيب الفروق 4 / 115 (2) جامع الفصولين 1 / 73 الأَْسْبَابِ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِي دَعْوَى الدَّيْنِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى شَخْصٍ وَقَال: إِنَّهُ نَتِيجَةٌ لِحِسَابٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ، فَيَدَّعِي عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذَا الإِْقْرَارِ. (1) ب - وَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ إِلاَّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنَ النُّقُودِ الَّتِي انْقَطَعَ التَّعَامُل بِهَا وَفِي الْمِثْلِيَّاتِ. (2) وَفِي حَالَةِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ الدَّيْنَ فِي تَرِكَةِ زَوْجِهَا، لأَِنَّهَا قَدْ تَظُنُّ أَنَّ النَّفَقَةَ تَصْلُحُ سَبَبًا لإِِيجَادِ الدَّيْنِ فِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ مَعَ أَنَّهَا لاَ تَصْلُحُ لِذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ الزَّوْجِ. (3) وَعَلَّلُوا عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالاَتِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ يَسْتَحْيِي مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُل فِي الْحَرَجِ، وَبِأَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الأَْسْبَابِ لاَ يُمْكِنُ بَيَانُهَا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا انْتَقَل إِلَى الْمُدَّعِي سَنَدُ دَيْنٍ مِنْ مُورِثِهِ، وَكَانَ سَبَبُ الدَّيْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي السَّنَدِ، وَالْمُدَّعِي لاَ يَعْرِفُهُ. ج - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَعْوَى الدَّيْنِ تَكُونُ صَحِيحَةً وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى. (4) وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ __________ (1) الفتاوى الهندية 4 / 3، جامع الفصولين 1 / 84 (2) جامع الفصولين 1 / 76 (3) قرة عيون الأخيار 1 / 399 (4) المهذب 2 / 311، إعانة الطالبين 4 / 243، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 592 أَسْبَابَ الْمِلْكِ تَكُونُ مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى يَكْثُرُ عَدَدُهَا، كَالإِْرْثِ وَالاِبْتِيَاعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَسَقَطَ وُجُوبُ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهَا لِكَثْرَتِهَا وَاخْتِلاَفِهَا (1) . كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي دَعْوَى الْعَقْدِ: 53 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ شُرُوطِ الْعَقْدِ لِصِحَّةِ دَعْوَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى بَيَانُ شُرُوطِ كُل سَبَبٍ لَهُ شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ وَمُعَقَّدَةٌ، فَلاَ تَصِحُّ دَعْوَى النِّكَاحِ وَالسَّلَمِ إِلاَّ بِذِكْرِ شُرُوطِهِمَا مُفَصَّلَةً. (2) وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ ذِكْرَ الطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَعْوَى الْعَقْدِ، وَخَالَفَ آخَرُونَ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ الطَّوْعُ، وَالإِْكْرَاهُ نَادِرٌ لاَ حُكْمَ لَهُ. (3) ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ ذِكْرُ شُرُوطِ الْعَقْدِ فِي دَعْوَاهُ، لأَِنَّ ظَاهِرَ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، فَتُحْمَل الدَّعْوَى عَلَى الصَّحِيحِ. (4) ج - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ ذِكْرُ شُرُوطِ الْعَقْدِ فِي دَعْوَاهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْعَقْدُ عَقْدَ نِكَاحٍ، __________ (1) المهذب 2 / 311، الحاوي الكبير جـ 13 ق 749 (2) البحر الرائق 7 / 195، معين الحكام ص 55 - 56 (3) البحر الرائق 7 / 202، قرة عيون الأخيار 1 / 399 (4) الفروق 4 / 73 حَيْثُ اشْتَرَطُوا ذِكْرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِشَاهِدَيْنِ وَوَلِيٍّ وَرِضَاهَا. وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْفَائِتَ فِي الزَّوَاجِ بِالْحُكْمِ الْخَاطِئِ لاَ يُعَوَّضُ، خِلاَفًا لِلْعُقُودِ الأُْخْرَى، فَإِنَّهَا أَقَل خَطَرًا، فَأَشْبَهَتْ دَعْوَاهُ دَعْوَى الْقَتْل، حَيْثُ اتُّفِقَ عَلَى وُجُوبِ ذِكْرِ شُرُوطِهِ. (1) وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي أَيِّ عَقْدٍ آخَرَ، وَبِأَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعُقُودِ فَقَال: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ. (2) وَلَوْلاَ هَذَا التَّخْصِيصُ لَكَانَ كَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ حَمَلُوهُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ. (3) د - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ ذِكْرِ شُرُوطِ الْعَقْدِ فِي دَعْوَاهُ مَهْمَا كَانَ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ بَيْنَ مَا هُوَ كَثِيرُ الشُّرُوطِ وَقَلِيلُهَا (4) . ذِكْرُ السَّبَبِ فِي الدَّعَاوَى الْجِنَائِيَّةِ: 54 - لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي __________ (1) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني 10 / 299، فتح المعين وإعانة الطالبين 4 / 243، المهذب 2 / 311، المنهاج وشرحه للمحلي وحاشية عميرة 4 / 336، 337 (2) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". أخرجه البيهقي (7 / 125 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة وإسناده صحيح. (3) الحاوي الكبير جـ 13 ق 49 ب، نهاية المحتاج 8 / 163 (4) منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 583، غاية المنتهى 3 / 449 الدَّعْوَى الْجِنَائِيَّةِ، فَفِي دَعْوَى الْقَتْل مَثَلاً يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَتْل وَهَل هُوَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ عَنْ خَطَإٍ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الدَّعْوَى لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً حَتَّى يُصَحِّحَهَا صَاحِبُهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَائِتَ بِالْقَتْل وَنَحْوِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ لاَ يُعَوَّضُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِشَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلأَِنَّ الأَْحْكَامَ الصَّادِرَةَ فِي هَذِهِ الدَّعَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالأُْصُول الَّتِي جَاءَ الإِْسْلاَمُ لِحِفْظِهَا، وَهِيَ الدِّيْنُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْل وَالنَّسْل وَالْمَال، فَلاَ يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِي أَمْرِهَا، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ تُدْفَعُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَدَمُ التَّفْصِيل فِي دَعْوَاهَا يُورِثُ شُبْهَةً، فَلاَ تُقْبَل. (1) وَلاَ بُدَّ فِي دَعْوَى الإِْرْثِ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ، فَيَذْكُرُ مِنْ أَيَّةِ جِهَةٍ اسْتَحَقَّ الإِْرْثَ مِنَ الْمَيِّتِ (2) . الاِسْتِثْنَاءَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى شَرْطِ الْمَعْلُومِيَّةِ: 55 - لَمَّا كَانَ اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي الدَّعْوَى هُوَ تَحْقِيقُ مَقْصُودِ مَشْرُوعِيَّةِ الدَّعْوَى مِنْ فَصْل الْمُنَازَعَةِ، وَالإِْلْزَامِ بِالْحَقِّ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَرَوْنَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ فِي كُل مَرَّةٍ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ بِدُونِهِ، وَذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الاِسْتِثْنَاءَاتِ. وَقَدْ حَاوَل كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَضْعَ __________ (1) الفروق 4 / 72، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 594، جواهر العقود 2 / 499 (2) منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 594، كشف المخدرات ص 510 ضَوَابِطَ لِهَذِهِ الاِسْتِثْنَاءَاتِ. إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مُعْظَمِهَا، وَفِيمَا يَأْتِي بَعْضُ الضَّوَابِطِ وَبَعْضُ الْمَسَائِل الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الدَّعْوَى بِالْمَجْهُول: - 1 - ذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ ضَابِطًا لِمَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ مَجْهُولاً، وَهُوَ أَنَّ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُول تُقْبَل إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ فِيهَا مِمَّا يَصِحُّ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا، كَالْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ فِيهَا مَجْهُولاً، كَذَلِكَ تَصِحُّ الدَّعْوَى بِالْوَصِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ. (1) 2 - وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: تَجُوزُ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُول إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى تَقْدِيرِ الْقَاضِي كَالنَّفَقَةِ وَأُجْرَةِ الْحَضَانَةِ وَأَجْرِ الْمِثْل وَنَحْوِهَا. (2) 3 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ هُنَالِكَ عُذْرٌ لِلْمُدَّعِي فِي جَهْلِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ، وَذَلِكَ كَدَعْوَى شَخْصٍ نَصِيبًا مِنْ وَقْفٍ كَثُرَ مُسْتَحِقُّوهُ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ لِغَلَبَةِ الْجَهْل بِكَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الأَْوْقَافِ. (3) 4 - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُعْظَمُ الْحَنَابِلَةِ جَوَازَ دَعْوَى الإِْقْرَارِ بِالْمَجْهُول، لأَِنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ، فَتَجُوزُ __________ (1) القواعد ص 332 - 333، وقريب من هذا موجود في المغني 9 / 84 - 85 (2) مغني المحتاج 3 / 229 طبع الحلبي 1377هـ، تحفة المحتاج 10 / 295 (3) الفروق 4 / 73 الدَّعْوَى بِهِ مَجْهُولاً، وَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيَانُ مَا أَخْبَرَ عَنْ وُجُوبِهِ. وَقَدْ قَاسَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى دَعْوَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَجْهُول. (1) 5 - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُول فِي حَالَةِ الْغَصْبِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ لاَ يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّ الْغَصْبَ كَثِيرًا مَا يَحْدُثُ وَلاَ يَتَمَكَّنُ الشُّهُودُ مِنْ مُعَايَنَةِ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلاَنًا يَغْصِبُ مَال فُلاَنٍ وَلاَ نَدْرِي قِيمَةَ مَا غَصَبَ، فَيُقْبَل ذَلِكَ (2) . الشَّرْطُ الثَّانِي: 56 - أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مُحْتَمِل الثُّبُوتِ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى بِمَا يَسْتَحِيل ثُبُوتُهُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَمَنْ يَدَّعِي بُنُوَّةَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا أَوْ مَنْ هُوَ مُسَاوِيهِ، وَكَمَنْ يَدَّعِي عَلَى شَخْصٍ مَعْرُوفٍ بِالصَّلاَحِ وَالتَّقْوَى أَنَّهُ غَصَبَ مَالَهُ، وَكَادِّعَاءِ رَجُلٍ مِنَ السُّوقَةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ عَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمُلُوكِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِكَنْسِ دَارِهِ وَسِيَاسَةِ دَوَابِّهِ، وَنَقَل الْعِزُّ بْنُ __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 545، تهذيب الفروق 4 / 116، تحفة المحتاج 10 / 295، المغني 9 / 84، 85، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص 592 (2) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 544 - 545، أدب القضاء للغزي ق2 ب، 3 أ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْل بِقَبُول الدَّعْوَى فِي الْمِثَال الأَْخِيرِ، مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْل. وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ مُحْتَمَلاً فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . وَمِمَّا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: " مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ (1) فَفِي هَذَا دَعْوَةٌ إِلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ السَّائِدِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَّفِقُونَ إِلاَّ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ سَمَاعَ الدَّعْوَى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ طَرَفَيْنِ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَعَامُلٌ وَلاَ خِلْطَةٌ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ حُكِمَ لَهُ بِمَا ادَّعَى، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيفُ خَصْمِهِ، فَالتَّعَامُل وَالْخِلْطَةُ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ فِي تَوْجِيهِ الْيَمِينِ عَلَى الْخَصْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْل مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَيِّمِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ __________ (1) حديث: " ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء. . . " أخرجه أحمد في المسند (1 / 379 - ط الميمنية) وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص 367 - ط الخانجي) . فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثُبُوتُ خِلْطَةٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ نَافِعٍ، لِجَرَيَانِ الْعَمَل بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَل مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ إِنْ خَالَفَهُ (1) . الشَّرْطُ الثَّالِثُ:: 57 - أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ حَقًّا أَوْ مَا يَنْفَعُ فِي الْحَقِّ، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَقُّ قَدْ تَعَرَّضَ لإِِضْرَارِ الْخَصْمِ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى أَنْ لاَ تَكُونَ عَبَثًا، (2) وَالْمَالِكِيَّةُ ذَكَرُوا صِيغَةً لِهَذَا الشَّرْطِ قَرِيبَةً مِمَّا سَبَقَ، فَاشْتَرَطُوا فِي الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ ذَاتَ غَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا نَفْعٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا. (3) وَفُرُوعُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَدُل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَدْ وَضَعَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ قَاعِدَةً عَامَّةً لِتَحَقُّقِ هَذَا الشَّرْطِ فِي الدَّعْوَى فَقَالُوا. بِأَنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُدَّعِي لَوْ أَقَرَّ بِهِ خَصْمُهُ (4) . __________ (1) ابن عابدين 5 / 544 - 545، وأدب القضاء للغزي ق 2ب، 3أ، وبدائع الصنائع 6 / 224، والبحر الرائق 7 / 192، وتبصرة الحكام 1 / 129، 2 / 153، وتهذيب الفروق 4 / 117 - 118، وحاشية الدسوقي 4 / 145 - 146، والفروق 4 / 81، والحاوي الكبير 13 ق 46أ، والطرق الحكمية ص 97 - 98 (2) المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص 107، قرة عيون الأخيار 1 / 381 (3) الفروق 4 / 72، 117 (4) الفروق 4 / 72، تبصرة الحكام 1 / 126 - 127 وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ تُرَدُّ الدَّعْوَى فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ: 1 - إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُدَّعَى حَقًّا، أَوْ كَانَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ حَقِيرٌ لاَ يَسْتَحِقُّ شَغْل الْقَضَاءِ بِهِ، وَمِثَال الأَْوَّل أَنْ تَدَّعِيَ امْرَأَةٌ زَوْجِيَّةَ شَخْصٍ مَاتَ، وَلَمْ تَطْلُبْ فِي دَعْوَاهَا حَقًّا آخَرَ مِنْ إِرْثٍ أَوْ صَدَاقٍ مُؤَخَّرٍ، أَوْ كَمَنْ يَطْلُبُ إِلْحَاقَهُ بِنَسَبِ شَخْصٍ مَاتَ، وَلاَ يَطْلُبُ حَقًّا آخَرَ مِنْ إِرْثٍ وَنَحْوِهِ. وَمِثَال الثَّانِي أَنْ يَطْلُبَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ حَبَّةَ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَْشْيَاءِ التَّافِهَةِ. 2 - أَنْ لاَ يَكُونَ الْحَقُّ الْمُدَّعَى مُخْتَصًّا بِالْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا يَعُودُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسُ الْمُدَّعِي نَائِبًا عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ. 3 - أَنْ لاَ يَكُونَ هُنَاكَ مُنَازِعٌ لِلْمُدَّعِي فِي الْحَقِّ الَّذِي يَطْلُبُهُ فِي دَعْوَاهُ، كَمَنْ يَرْفَعُ دَعْوَى أَمَامِ الْقَضَاءِ وَيَطْلُبُ فِيهَا الْحُكْمَ لَهُ بِالدَّارِ الَّتِي يَسْكُنُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَازِعَهُ أَحَدٌ فِيهَا. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ فِيمَا يَلْزَمُ شَيْئًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِ الدَّعْوَى (1) . وَلِذَلِكَ لاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى بِمَا يَكُونُ __________ (1) تنوير الأبصار مع قرة عيون الأخيار 1 / 381، الهداية وتكملة فتح القدير 6 / 137، الفتاوى الهندية 4 / 2، مواهب الجليل 6 / 125، تبصرة الحكام 1 / 126، الوجيز للغزالي 2 / 261، تحفة المحتاج 10 / 296، الفروع 3 / 810 الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَيَّرًا فِيهِ، فَلاَ تَصِحُّ دَعْوَى الْهِبَةِ غَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِعَدَمِ لُزُومِهَا قَبْل الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ الَّتِي لاَ يَأْخُذُ الْوَكِيل عَلَيْهَا أَجْرًا، وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْوَعْدِ وَدَعْوَى الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمُوصِي فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى. (1) وَذَلِكَ لأَِنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل غَيْرُ لاَزِمٍ فِي الْحَال، فَدَعْوَاهُ طَلَبٌ لِمَا لَيْسَ بِلاَزِمٍ وَقْتَ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَكُونُ مُفِيدَةً قَبْل حُلُول الأَْجَل. (2) وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ الْحَالاَتِ فَقَبِلُوا فِيهَا دَعْوَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل، وَمِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْمَطْلُوبُ بِالدَّعْوَى قَدْ حَل بَعْضُهُ، فَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ جَمِيعًا، عَلَى أَنْ يُرَاعَى الأَْجَل بِالنِّسْبَةِ لِلْجُزْءِ الَّذِي لَمْ يَحِل بَعْدُ. (3) وَمِنْهَا مَا لَوِ ادَّعَى الدَّائِنُ عَلَى مَدِينِهِ __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 137 - 138، شرح المحلي على المنهاج 4 / 337، تحفة المحتاج 10 / 302، غاية المنتهى 3 / 448، الروض الندي شرح كافي المبتدي ص 512، كشاف القناع 4 / 203 (2) ترشيح المستفيدين ص 408، كشاف القناع 6 / 277 (مطبعة أنصار السنة المحمدية 1948) . (3) الحاوي الكبير جـ 13 ق 44 أ، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 26 أ، حاشية عميرة 4 / 337 الْمُعْسِرِ، وَقَصَدَ بِدَعْوَاهُ إِثْبَاتَ دَيْنِهِ، لِيُطَالِبَ بِهِ إِذَا أَيْسَرَ الْغَرِيمُ (1) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل إِذَا قَصَدَ بِهَا حِفْظَ الْبَيِّنَاتِ مِنَ الضَّيَاعِ، وَذَلِكَ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ صِحَّةِ الدَّعْوَى بِحَقٍّ غَيْرِ لاَزِمٍ فِي الْحَال. وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى حِفْظِ حُقُوقِهِمُ الْمُؤَجَّلَةِ احْتِيَاطًا لِمَا قَدْ تَئُول إِلَيْهِ الْبَيِّنَاتُ مِنَ الْفِقْدَانِ. (2) وَبِنَاءً عَلَى الشَّرْطِ السَّابِقِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ مَا يُسَمَّى بِدَعْوَى قَطْعِ النِّزَاعِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ أَنَّ آخَرَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ قِبَلَهُ حَقًّا، وَيُهَدِّدُ مِنْ حِينٍ لآِخَرَ بِاسْتِعْمَال هَذَا الْحَقِّ فَيَلْجَأُ إِلَى الْقَضَاءِ طَالِبًا مِنْهُ إِحْضَارَ صَاحِبِ الزَّعْمِ وَتَكْلِيفَهُ بِعَرْضِ دَعْوَاهُ وَأَسَانِيدِهَا لِيُبَرْهِنَ هُوَ عَلَى كَذِبِهَا وَيَطْلُبَ الْحُكْمَ بِوَضْعِ حَدٍّ لِهَذِهِ الْمَزَاعِمِ (3) . الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الدَّعْوَى: إِذَا رُفِعَتِ الدَّعْوَى مُسْتَوْفِيَةَ الشُّرُوطِ، تَرَتَّبَ __________ (1) تحفة المحتاج 10 / 302 - 303 (2) الفتاوى الهندية 4 / 99، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي 2 / 262، غاية المنتهى 3 / 448، نيل المآرب 2 / 143 (3) البحر الرائق 7 / 194، الأشباه والنظائر للسيوطي 507، كشاف القناع 4 / 195 عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ آثَارٍ هِيَ: نَظَرُ الْقَاضِي فِيهَا، وَحُضُورُ الْخَصْمِ، وَالْجَوَابُ عَنْهَا، وَتَفْصِيل هَذَا فِيمَا يَأْتِي: أَوَّلاً - نَظَرُ الدَّعْوَى: 58 - إِذَا رُفِعَتِ الدَّعْوَى إِلَى الْقَاضِي كَانَ مُكَلَّفًا بِالنَّظَرِ فِيهَا وَالْفَصْل بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الاِمْتِنَاعُ عَنْ ذَلِكَ، إِذِ الْفَصْل فِي خُصُومَاتِ النَّاسِ فَرْضٌ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ إِحْقَاقٌ لِلْحَقِّ وَرَفْعٌ لِلظُّلَمِ، وَرَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي عَلَى الْفَوْرِ. (1) وَفِي خِلاَل نَظَرِ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى الْمَرْفُوعَةِ إِلَيْهِ يَنْبَغِي عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ مَبَادِئٍ وَأُصُولٍ أَشَارَ إِلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، بَعْضُهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُسْتَحَبٌّ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) . ثَانِيًا - حُضُورُ الْخَصْمِ: 59 - إِذَا أَرَادَ الْمُدَّعِي الْمُطَالَبَةَ بِحَقِّهِ عَنْ طَرِيقِ الْقَضَاءِ سَلَكَ أَحَدَ سَبِيلَيْنِ: الأَْوَّل - أَنْ يَتَوَجَّهَ أَوَّلاً إِلَى خَصْمِهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْحُضُورَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ التَّقَاضِي. الثَّانِي: أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ مُبَاشَرَةً، فَيَرْفَعَ الدَّعْوَى وَيَطْلُبَ مِنْهُ إِحْضَارَ خَصْمِهِ مِنْ أَجْل مُقَاضَاتِهِ وَالنَّظَرِ فِي الْخُصُومَةِ. __________ (1) المبسوط 16 / 110، قواعد الأحكام 2 / 30، نهاية المحتاج 8 / 80 فَإِذَا سَلَكَ الْمُدَّعِي السَّبِيل الأَْوَّل فَإِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ خَصْمَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِأَرْفَقِ الْوُجُوهِ وَأَجْمَل الأَْقْوَال، وَالأَْصْل أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ إِلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ التَّأَخُّرِ. (1) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَل أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . (2) فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآْيَاتُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُل مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِمَنْ يَدْعُوهُ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ ظَالِمًا فَاجِرًا. (3) 60 - وَأَمَّا إِذَا سَلَكَ الْمُدَّعِي الطَّرِيقَ الآْخَرَ، أَوْ رَفَضَ خَصْمُهُ الْحُضُورَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَالأَْصْل أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ، وَلَكِنَّ لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاً وَخِلاَفًا فِي وُجُوبِ إِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. __________ (1) روضة القضاة للسمناني ق 32 ب، تبصرة الحكام 1 / 302، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 14 ب، كشاف القناع 4 / 192 (2) سورة النور الآيات 48 - 51 (3) تفسير ابن كثير 3 / 298 فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: (الأُْولَى) : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِحَيْثُ إِذَا أَحْضَرَهُ الْقَاضِي أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَبِيتَ فِيهِ. (وَالثَّانِيَةُ) : أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِحَيْثُ إِذَا أُحْضِرَ إِلَيْهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْمَبِيتِ فِي مَنْزِلِهِ. فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، إِذْ لاَ يَتِمُّ إِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بِذَلِكَ. وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يُزْرِي بِبَعْضِ النَّاسِ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ لِلْمُدَّعِي غَرَضٌ مِنْ دَعْوَاهُ إِلاَّ أَذِيَّةَ خَصْمِهِ. وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِحْضَارُ الْخَصْمِ إِذَا اسْتَطَاعَ الْمُدَّعِي أَنْ يُعَضِّدَ دَعْوَاهُ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا، فَإِنْ فَعَل أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ. ثُمَّ إِذَا حَضَرَ أُعِيدَتِ الْبَيِّنَةُ مِنْ أَجْل الْقَضَاءِ بِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ مِنَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً مِنْ أَجْل إِحْضَارِ خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ حَلَفَ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِ خَصْمِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ. (1) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَحَدُّ الْبُعْدِ عِنْدَهُمْ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمَّا __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 420 ط بولاق 1272 هـ. الْقَرِيبُ فَيَنْبَغِي عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْضَارِهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَإِنْ أَبَى لِغَيْرِ عُذْرٍ أَحْضَرَهُ قَهْرًا. عَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْمُرُ بِإِحْضَارِهِ إِلاَّ إِذَا قَدَّمَ الْمُدَّعِي وَجْهًا يَسْتَوْجِبُ إِحْضَارَهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ حُجَّةً أَوْ قَوْلاً يُوجِبُ ذَلِكَ أَجَابَهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا لَمْ يَأْمُرْ بِإِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ بَعِيدًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ إِحْضَارُهُ، وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ فَقَدْ جَعَلُوا لِلْقَاضِي الَّذِي رُفِعَتْ إِلَيْهِ الدَّعْوَى أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ اسْتِجْوَابَهُ، وَيُسَجِّل مَا يُبْدِيهِ مِنْ حُجَجٍ ثُمَّ يُرْسِلَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الدَّعْوَى عَلَى ضَوْءِ مَا يَصِلُهُ مِنْ قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي شَاهِدٌ بِدَعْوَاهُ كَتَبَ الْقَاضِي إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُرْضِيَ خَصْمَكَ. (1) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ إِحْضَارُ الْخَصْمِ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ، أَوْ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ إِلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ. وَلَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا مِنْ أَجْل وُجُوبِ إِحْضَارِ الْخَصْمِ أَنْ لاَ يُعْلَمَ كَذِبَ __________ (1) العقد المنظم للحكام 2 / 199، القوانين الفقهية ص 287، القول المرتضى ق 3 ب الْمُدَّعِي، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مُسْتَحِيلاً عَقْلاً أَوْ عَادَةً، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْتَأْجِرًا لِعَيْنٍ يُعَطِّل حُضُورُهُ اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَتِهَا، وَإِنَّمَا يُحْضِرُهُ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِْجَارَةِ، وَقَدْ ضَبَطُوا التَّعْطِيل الْمُضِرَّ بِأَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يُقَابَل بِأُجْرَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ. (1) وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُجِيزُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَبِهَذَا يَسْتَطِيعُ الْمُدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ أَنْ يَسْلُكَ هَذَا الطَّرِيقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ إِحْضَارَ خَصْمِهِ. (2) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَسْلَكٌ قَرِيبٌ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ فَصَّلُوا بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَالْبَعِيدِ عَنْهُ، فَالْقَرِيبُ يَحْضُرُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَلاَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي تَفْصِيل مَطَالِبِهِ، وَلاَ ذِكْرُ الشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لِلدَّعْوَى، وَالْبَعِيدُ لاَ يَحْضُرُ إِلاَّ إِذَا فَصَّل الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ وَذَكَرَ جَمِيعَ شُرُوطِهَا، وَلَكِنَّ مُقْتَضَى كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي فِي الْقَرِيبِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ عَنْ بَعْضِ شُرُوطِ الدَّعْوَى، فَيَسْأَل مَثَلاً عَنِ الْمُدَّعَى بِهِ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانَ تَافِهًا لاَ تَتَّبِعُهُ الْهِمَّةُ أَوْ غَيْرَ تَافِهٍ. وَيَجْدُرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ هُمْ مِمَّنْ أَجَازَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَّعِي __________ (1) تحفة المحتاج 10 / 186، 189 (2) المهذب 2 / 305، شرح المحلي، حاشية قليوبي وعميرة 4 / 308 عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطْلُبَ الْحُكْمَ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ غِيَابِهِ، وَلاَ يَطْلُبُ إِحْضَارَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُنْظَرْ فِي دَعْوَاهُ. (1) كَيْفِيَّةُ إِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: 61 - إِذَا اسْتَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَةِ خَصْمِهِ، وَحَضَرَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَلاَ حَاجَةَ عِنْدَئِذٍ لأَِيِّ إِجْرَاءٍ يُتَّخَذُ مِنْ أَجْل إِحْضَارِهِ. وَأَمَّا إِذَا جَاءَ الْمُدَّعِي إِلَى الْقَاضِي وَقَال لَهُ: إِنَّ لِي عَلَى فُلاَنٍ حَقًّا، وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ تَوَارَى عَنِّي وَلَيْسَ يَحْضُرُ مَعِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي الدَّعْوَى، وَيَسْأَل عَنْ مَكَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَال بِحَيْثُ يَنْبَغِي إِحْضَارُ الْمَطْلُوبِ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ. (2) ثُمَّ إِذَا أَطْلَعَ الْخَصْمَ عَلَى طَلَبِ الْحُضُورِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ دِيَانَةً وَقَضَاءً، إِلاَّ إِذَا وَكَّل عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يَرْضَاهُ لِيَنُوبَ عَنْهُ فِي الْمُخَاصَمَةِ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ تَعَنَّتَ وَرَفَضَ الْمَجِيءَ بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُ __________ (1) كشاف القناع 4 / 192 - 193، 208، المغني 9 / 61 - 63، غاية المنتهى 3 / 445 (2) أدب القاضي للناصحي ق 4 أ، العقد المنظم للحكام 2 / 199، المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي وعميرة 4 / 313، وتحفة المحتاج 10 / 189، المغني 9 / 61، 62، كشاف القناع 4 / 192 عَلَى طَلَبِ الْقَاضِي، فَإِنَّ هَذَا يُرْسِل إِلَيْهِ بَعْضَ أَعْوَانِهِ، فَيُحْضِرُونَهُ قَهْرًا إِذَا وَجَدُوهُ وَامْتَنَعَ عَنِ الْحُضُورِ. (1) ثُمَّ إِذَا حَضَرَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَقَامَ الدَّلِيل عَلَى تَعَنُّتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أُدِّبَ بِمَا يَرَاهُ الْقَاضِي مُنَاسِبًا لِمِثْلِهِ. (2) وَذَلِكَ لأَِنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الْقِيَامِ بِوَاجِبَيْنِ هُمَا: التَّحَاكُمُ إِلَى شَرْعِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ، وَطَاعَةُ وَلِيِّ الأَْمْرِ. ثُمَّ إِذَا عَجَزَ الأَْعْوَانُ عَنْ إِحْضَارِهِ بَعَثَ الْقَاضِي إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَوِ الْوَالِي، فَيُعَرِّفُهُ بِالأَْمْرِ، فَيُحْضِرُهُ إِلَيْهِ. ثَالِثًا - الْجَوَابُ عَلَى الدَّعْوَى: 62 - إِذَا اسْتَوْفَى الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ جَمِيعَ الشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ لِصِحَّتِهَا تَرَتَّبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ عَنْهَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الدَّعْوَى بِاعْتِبَارِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا، لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ، وَهِيَ: أ - أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِصِيغَةٍ جَازِمَةٍ، فَلاَ يُقْبَل مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُول فِي الْجَوَابِ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي: (مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا) . (3) __________ (1) القوانين الفقهية ص 287 (2) أدب القاضي للناصحي ق4أ، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 14 ب، المغني 9 / 61 - 62، كشاف القناع 4 / 192 (3) معين الحكام ص 64، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 30 ب، لب اللباب ص 256 ب - أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلدَّعْوَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجِيبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَمِيعِ طَلَبَاتِ الْمُدَّعِي، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَنِ الإِْجَابَةِ عَنْ جُزْءٍ مِنْهَا. بَل ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَوَابَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عُمُومِيَّةً مِنَ الدَّعْوَى، بِأَنْ يَعُمَّهَا وَيَعُمَّ غَيْرَهَا، كَمَا لَوْ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (لاَ حَقَّ لَكَ قِبَلِي) وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مِثْل هَذَا الْجَوَابِ مَقْبُولٌ، لأَِنَّ قَوْلَهُ: (لاَ حَقَّ لَكَ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ (1) . وَكَذَلِكَ قَالُوا: لاَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ عَلَى الدَّعْوَى بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلاً أَنْ يَقُول: (لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ) حَتَّى يَقُول: (وَلاَ شَيْءَ مِنْهَا) ، لأَِنَّهُ بِدُونِ ذَلِكَ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ مِائَةٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ الأَْقَل، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَيْهِ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمِائَةِ، فَلاَ يَكُونُ فِي جَوَابِهِ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ طَلَبَاتِ الْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا لِجُزْءٍ مِنْهَا، وَيَظَل مُتَوَقِّفًا عَنِ الْجَوَابِ فِي حَقِّ بَاقِي الأَْجْزَاءِ. (2) بَل ذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ نَصًّا، فَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دِينَارًا، فَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ فَلْسًا، لاَ يُقْبَل الْجَوَابُ حَتَّى __________ (1) المهذب 2 / 311، المنهاج وحاشية قليوبي 4 / 338، لب اللباب ص 256، كشاف القناع 4 / 196 (2) غاية المنتهى 3 / 451، كشاف القناع 4 / 196، الفروع 3 / 803، المنهاج وحاشية قليوبي 4 / 388 يُصَرِّحَ بِنَفْيِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ. (1) وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى خِلاَفِ هَذَا، لأَِنَّ مِثْل هَذَا الْجَوَابِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْجُزْءِ الأَْصْغَرِ نَصًّا، وَيَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْبَاقِي مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى أَوِ الدَّلاَلَةِ. أَوْجُهُ الْجَوَابِ: جَوَابُ الدَّعْوَى الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ الأَْوْجُهِ الآْتِيَةِ: 63 - 1 - أَنْ يَكُونَ إِقْرَارًا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى: وَيُقْصَدُ بِالإِْقْرَارِ إِخْبَارُ الشَّخْصِ بِحَقٍّ لآِخَرَ عَلَيْهِ. (2) وَقَدْ يَكُونُ الإِْقْرَارُ تَامًّا بِأَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ نَاقِصًا بِأَنْ يُقِرَّ بِبَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ وَيُنْكِرَ الْبَاقِيَ: فَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ مُخْتَارًا، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ. وَالإِْقْرَارُ بِالْمُدَّعَى قِسْمَانِ: صَرِيحٌ وَضِمْنِيٌّ. وَالأَْوَّل وَاضِحٌ، وَالضِّمْنِيُّ يَكُونُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال الَّتِي يَدْفَعُ فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى __________ (1) غاية المنتهى 3 / 451، كشاف القناع 6 / 333، الفروع 3 / 813 (2) درر الحكام 2 / 357، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 588، وشرح حدود ابن عرفة ص 332، ومغني المحتاج 2 / 238، فيض الإله المالك 2 / 102 خَصْمِهِ، فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الدَّفْعِ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَصْل الدَّعْوَى، وَذَلِكَ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ مَالاً، فَيَقُول فِي الْجَوَابِ: لَقَدْ أَبْرَأَنِيَ الْمُدَّعِي عَنْ هَذَا الْمَال، فَيَكُونَ هَذَا الدَّفْعُ مُتَضَمِّنًا لِلإِْقْرَارِ بِالْمُدَّعِي. (1) وَلِلإِْقْرَارِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِهِ. 64 - 2 - أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ إِنْكَارًا لِلْحَقِّ الْمُدَّعَى: وَالإِْنْكَارُ قَدْ يَكُونُ كُلِّيًّا فَيَسْرِي حُكْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ جُزْئِيًّا، فَيَسْرِي حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الْمُنْكَرِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْنْكَارِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا وَبِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَلاَ يَصِحُّ قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا) . (2) وَيَسْتَلْزِمُ هَذَا الشَّرْطُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَنَاوَل الإِْنْكَارُ الْحَقَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الدَّعْوَى، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا كَانَ يَتَنَاوَل حَقًّا آخَرَ لَمْ تَقْتَضِهِ الدَّعْوَى، فَفِي جَوَابِ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ مَثَلاً يُقْبَل مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُول: (لَمْ تُودِعْنِي، أَوْ لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) ، فَلَوْ قَال: (لاَ يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ أَوْ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ) ، لَمْ يَكُنْ هَذَا إِنْكَارًا لِلدَّعْوَى، لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةِ، فَهُوَ قَدْ نَفَى حَقًّا لَمْ يَدَّعِهِ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارًا لِدَعْوَى الْوَدِيعَةِ. (3) __________ (1) أدب القضاء لابن أبي الدم ق 28 ب. (2) لب اللباب ص 256، معين الحكام ص 64 (3) تحفة المحتاج 10 / 305 وَفِي دَعْوَى الطَّلاَقِ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُول فِي إِنْكَارِهَا: (لَمْ أُطَلِّقْ) ، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ يَقُول: (أَنْتِ زَوْجَتِي) ، وَفِي دَعْوَى النِّكَاحِ يَكْفِي فِي إِنْكَارِهَا أَنْ يَقُول: (لَيْسَتْ زَوْجَتِي) . (1) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْنْكَارِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمُدَّعِي بَيْنَ تَحْلِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ تَحْلِيفِهِ. (2) 65 - 3 - وَقَدْ لاَ يَكُونُ الْجَوَابُ إِقْرَارًا وَلاَ إِنْكَارًا، بِأَنْ يَسْكُتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلاَ يَتَكَلَّمُ بِإِقْرَارٍ وَلاَ إِنْكَارٍ، أَوْ يَقُول: (لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ) . وَحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى حَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيُعْرَفَ إِنْ كَانَ سُكُوتُهُ مُتَعَمَّدًا أَوْ نَاتِجًا عَنْ عَاهَةٍ أَوْ دَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لاَ عَاهَةَ بِهِ وَأَصَرَّ عَلَى الاِمْتِنَاعِ يَنْزِل مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ السَّاكِتَ لاَ يَنْزِل مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْجَوَابِ، بِالأَْدَبِ الْمُنَاسِبِ. (3) 66 - 4 - وَقَدْ يُجِيبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، فَيُنَبَّهُ إِلَيْهِ، فَلاَ يُصَحِّحُهُ، كَأَنْ يَقُول __________ (1) المرجع نفسه. (2) أدب القضاء لابن أبي الدم ق 30 ب. (3) الفواكه البدرية ص 117، البحر الرائق 7 / 23، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 31 ب. بَعْدَ طَلَبِ الْجَوَابِ مِنْهُ: فَلْيُثْبِتِ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، فَلاَ يَكُونُ هَذَا جَوَابًا صَحِيحًا، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَيْهِ اعْتُبِرَ فِي حُكْمِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ الْجَوَابِ، لأَِنَّ طَلَبَ الإِْثْبَاتِ لاَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرَافًا وَلاَ إِنْكَارًا. (1) وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الصَّدَدِ أَنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِيهِ فِي نَفْيِ مَا يُوجِبُهُ ذَلِكَ السَّبَبُ أَنْ يُجِيبَ بِمَا هُوَ عَامٌّ يَشْمَل الْحَقَّ وَغَيْرَهُ، وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ عَدَمِ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ السَّبَبُ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ، مِثَال ذَلِكَ: لَوِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ، فَقَال الزَّوْجُ فِي الْجَوَابِ عَلَيْهَا: (لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) ، لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْجَوَابُ، وَاعْتُبِرَ مُقِرًّا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ، فَيَلْزَمُهُ، لأَِنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ إِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِ الْمَهْرِ. (2) 67 - 5 - وَقَدْ يَكُونُ الْجَوَابُ دَفْعًا لِلدَّعْوَى: الدَّفْعُ - كَمَا يُسْتَخْلَصُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ - دَعْوَى مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقْصِدُ بِهَا دَفْعَ الْخُصُومَةِ عَنْهُ، أَوْ إِبْطَال دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الدَّفْعَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَوْعَانِ: الأَْوَّل: الدَّفْعُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ إِبْطَال دَعْوَى __________ (1) تحفة المحتاج وحاشية العبادي 10 / 304، لب اللباب لابن رشد ص 256 (2) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 10 / 503، كشاف القناع 4 / 196 الْمُدَّعِي نَفْسِهَا، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَقَبَضَهَا، أَوْ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ وَقَبَضَهَا، أَوْ أَيَّ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ لاِنْتِقَالِهَا إِلَى يَدِهِ. (1) الثَّانِي: الدَّفْعُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الْخُصُومَةِ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِصِدْقِ الْمُدَّعِي أَوْ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِدَفْعِ الْخُصُومَةِ، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَدْفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ بِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الشَّيْءِ لَيْسَتْ يَدَ خُصُومَةٍ، وَإِنَّمَا يَدُ حِفْظٍ، كَأَنْ يَدَّعِيَ بِأَنَّهُ مُسْتَعِيرٌ لِهَذِهِ الْعَيْنِ أَوْ مُسْتَأْجِرٌ لَهَا، أَوْ أَنَّهَا مُودَعَةٌ عِنْدَهُ أَوْ مَرْهُونَةٌ لَدَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنَّ الْخُصُومَةَ تَنْدَفِعُ عَنْهُ. (2) وَمَحَل هَذَا الدَّفْعِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَى خَصْمِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ فِعْلاً، كَغَصْبٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَل مَا تَقَدَّمَ، لأَِنَّ الْخَصْمَ فِي دَعْوَى الْفِعْل هُوَ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى يَدِهِ. (3) وَمِنْ صُوَرِ دَفْعِ الْخُصُومَةِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّعْوَى أَوْ مِنَ __________ (1) المنهاج وشرح المحلي، حاشية قليوبي 4 / 337 (2) البدائع 6 / 231، تحفة المحتاج 10 / 309، غاية المنتهى 3 / 458 (3) البدائع 6 / 231 الْخُصُومَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ هَذَا الإِْبْرَاءَ، فَإِنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ يَدْفَعُ الْخُصُومَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَثِّرَ عَلَى الْحَقِّ ذَاتِهِ، وَلِذَلِكَ قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الدَّفْعَ بِالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّعْوَى لاَ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى، حَتَّى لَوْ عَجَزَ الدَّافِعُ عَنْ إِثْبَاتِ دَفْعِهِ جَازَ لَهُ دَفْعُ الدَّعْوَى بِأَيِّ دَفْعٍ آخَرَ مِنْ إِبْرَاءٍ مِنَ الْحَقِّ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا الدَّفْعُ أَجَازَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى بُطْلاَنِهِ. (1) وَمِنْ صُوَرِهِ أَيْضًا دَفْعُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ بِنُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ خَصْمِهِ الْمُدَّعِي، فَلَوْ رُفِعَتِ الدَّعْوَى عَلَى نَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ فَقَال: أَنَا صَبِيٌّ، وَقَفَتِ الْخُصُومَةُ حَتَّى يَبْلُغَ. (2) وَالنَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الدُّفُوعِ يَصِحُّ إِيرَادُهُ فِي أَيَّةِ مَرْحَلَةٍ تَكُونُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى قَبْل إِصْدَارِ الْحُكْمِ بِلاَ خِلاَفٍ، فَيَصِحُّ قَبْل الْبَيِّنَةِ، كَمَا يَصِحُّ بَعْدَهَا. وَأَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى صِحَّتِهِ إِذَا تَضَمَّنَ إِبْطَال الْحُكْمِ. وَلَمْ يُمْكِنِ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ. (3) وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ __________ (1) البحر الرائق 7 / 203، الوجيز للغزالي 2 / 261، تحفة المحتاج 10 / 301، شرح المحلي 4 / 341، كشاف القناع 4 / 233، الفروع 3 / 828 (2) شرح المحلي على المنهاج 4 / 341 (3) قرة عيون الأخيار 2 / 457، 2 / 26 - 27، البحر الرائق 7 / 230 - 231، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89، تبصرة الحكام 1 / 80 لاَ يُقْبَل مِنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَيُّ دَفْعٍ بَعْدَ فَصْل الدَّعْوَى، وَلَكِنَّ لَهُ أَنْ يَطْعَنَ بِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاضِي عَدَاوَةً، فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ فَسْخُ الْحُكْمِ، وَإِعَادَةُ الْمُحَاكَمَةِ. (1) وَأَمَّا دَفْعُ الْخُصُومَةِ فَيَجُوزُ إِبْدَاؤُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْل الْحُكْمِ وَلاَ يَصِحُّ بَعْدَهُ، لأَِنَّ تَأَخُّرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى مَا بَعْدَ الْحُكْمِ يَجْعَل الدَّعْوَى صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِهَا، لأَِنَّهَا قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ حَسَبَ الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ قَدْ صَدَرَ صَحِيحًا، فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ بِأَنَّ يَدَهُ مَثَلاً كَانَتْ يَدَ حِفْظٍ عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي، إِذْ يَغْدُو بِمَثَابَةِ أَجْنَبِيٍّ يُرِيدُ إِثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، فَلَمْ تَتَضَمَّنْ دَعْوَاهُ إِبْطَال الْقَضَاءِ السَّابِقِ. (2) وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ صِحَّةَ دَفْعِ الْخُصُومَةِ إِلاَّ قَبْل الشُّرُوعِ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ مِنَ الْمُدَّعِي، قَال الْقَفَّال: إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا عَلَى مِلْكِيَّتِهِ لِلْعَيْنِ، ثُمَّ قَبْل إِكْمَال الشَّهَادَةِ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ لِزَوْجَتِهِ مَثَلاً لَمْ يُقْبَل مِنْهُ هَذَا الدَّفْعُ، وَطُلِبَ مِنَ الْمُدَّعِي إِكْمَال الشَّهَادَةِ، حَتَّى إِذَا أَتَمَّهَا بِشُرُوطِهَا قُضِيَ لَهُ بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَلِلزَّوْجَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَرْفَعَ دَعْوَى __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 80 - 81 (2) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق 7 / 230 عَلَيْهِ بِالْعَيْنِ الَّتِي قُضِيَ لَهُ بِهَا، فَمُنِعَ مِنْ إِبْدَاءِ الدَّفْعِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، لأَِنَّهُ مُقَصِّرٌ لِسُكُوتِهِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ. (1) وَالأَْصْل فِي الدَّفْعِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ أَمْ كَانَ فِي دَفْعِهَا، إِذْ مِنَ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الدَّفْعَ نَفْسَهُ دَعْوَى يُصْبِحُ فِيهَا الْمُدَّعِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ مُدَّعِيًا فِي الدَّفْعِ، فَيَكُونُ لِلْمُدَّعِي الَّذِي انْقَلَبَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ أَنْ يَدْفَعَ الدَّفْعَ الْمُوَجَّهَ إِلَيْهِ. (2) وَلَكِنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا تَعَدَّى إِلَيْهِ الْحُكْمُ عَلَى فَرْضِ صُدُورِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى مُورِثٍ وَخَاصَمَ أَحَدَ الْوَرَثَةِ، وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، كَانَ لِغَيْرِ الْمُخَاصِمِ مِنَ الْوَرَثَةِ دَفْعُ هَذِهِ الدَّعْوَى، لأَِنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنِ الْجَمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّرِكَةِ، فَالْحُكْمُ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ الْوَارِثِ الْمُخَاصِمِ، فَيَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي دَفْعِهِ. (3) 68 - هَذَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّفْعِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى، لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا __________ (1) تحفة المحتاج 10 / 308 - 309 (2) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89 (3) قرة عيون الأخيار 2 / 457، معين الحكام للطرابلسي ص 129 تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الآْثَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا عَجَزَ الدَّافِعُ عَنْ إِثْبَاتِ دَفْعِهِ بِوَسَائِل الإِْثْبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعِي حَلَفَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ نَكَل هَذَا عَنِ الْيَمِينِ ثَبَتَ الدَّفْعُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالنُّكُول، وَأَمَّا عِنْدَ الآْخَرِينَ فَيَحْلِفُ الدَّافِعُ يَمِينَ الرَّدِّ، فَإِنْ فَعَل ثَبَتَ الدَّفْعُ وَانْدَفَعَتِ الدَّعْوَى، وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَادَتْ دَعْوَاهُ الأَْصْلِيَّةُ. (1) ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَبِيعَةِ الدَّفْعِ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلإِْقْرَارِ بِالْمُدَّعَى بِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ مُعَيَّنٍ، فَدَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَائِلاً: إِنَّ الْمُدَّعِيَ كَانَ أَبْرَأَنِي مِنَ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ، وَعَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِ الإِْبْرَاءِ، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى عَدَمِهِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِي يَسْتَحِقُّ مَا ادَّعَى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلَّفَ بَيِّنَةً أُخْرَى، لأَِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مَدِينًا بِالْمَبْلَغِ الْمُدَّعَى، وَالأَْصْل بَقَاءُ اشْتِغَال ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ الْعَكْسُ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ، فَيُحْكَمُ لِلْمُدَّعِي بِالْمَبْلَغِ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ. (2) وَقَدْ لاَ يَكُونُ الدَّفْعُ مُتَضَمِّنًا إِقْرَارَ الدَّافِعِ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى، كَمَا فِي صُوَرِ دَفْعِ الْخُصُومَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضُهَا. وَتَفْصِيلُهُ فِي: (إِقْرَارٌ، وَإِنْكَارٌ، وَنُكُولٌ) (3) . __________ (1) قرة عيون الأخيار 2 / 460، كشاف القناع 4 / 201. (2) كشاف القناع 4 / 201، أدب القضاء لابن أبي الدم ق 29 أ. (3) انظر شرح المجلة للأتاسي مادة: 1631 (5 / 64) انْتِهَاءُ الدَّعْوَى: 69 - تَنْتَهِي الدَّعْوَى غَالِبًا بِصُدُورِ حُكْمٍ فِي مَوْضُوعِهَا يَحْسِمُ النِّزَاعَ، بِحَيْثُ لاَ تُقْبَل بَعْدَ ذَلِكَ إِثَارَتُهُ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَنْتَهِي بِعَارِضٍ مِنَ الْعَوَارِضِ يَضَعُ حَدًّا لِلْخُصُومَةِ قَبْل وُصُولِهَا إِلَى تِلْكَ النِّهَايَةِ. أَمَّا الْحُكْمُ فَقَدْ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ فَصْل الْخُصُومَةِ (1) . وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ: أَنْ تَتَقَدَّمَهُ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى صَحِيحَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الإِْلْزَامِ، وَأَنْ يَكُونَ وَاضِحًا بِحَيْثُ يُعَيَّنُ فِيهِ مَا يُحْكَمُ بِهِ وَمَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ، وَشُرُوطٌ أُخْرَى مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا وَتَفْصِيل أَنْوَاعِ الْحُكْمِ وَأَثَرِهِ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) . وَأَمَّا الْعَوَارِضُ الَّتِي تَنْتَهِي الدَّعْوَى قَبْل صُدُورِ حُكْمٍ فِيهَا، فَإِنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُعْنَوْا بِحَصْرِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِنْتَاجُهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالأُْصُول الَّتِي اعْتَمَدُوا عَلَيْهَا فِي التَّقَاضِي وَنَظَرِ الدَّعَاوِي، وَمِنْ بَعْضِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا: أ - بِنَاءً عَلَى تَعْرِيفِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ مَنْ إِذَا تَرَكَ الْخُصُومَةَ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الدَّعْوَى تَنْتَهِي __________ (1) كفاية الطالب الرَّبَّاني 2 / 253، كشاف القناع 4 / 266 بِتَنَازُل الْمُدَّعِي عَنْهَا بِإِرَادَتِهِ، قَال الْبَاجُورِيُّ: (إِنَّ مَشِيئَةَ الْمُدَّعِي لاَ تَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَلَهُ إِمْهَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الأَْبَدِ بَل لَهُ الاِنْصِرَافُ وَتَرْكُ الْخُصُومَةِ بِالْكُلِّيَّةِ) . (1) ب - وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ الدَّعْوَى فَإِنَّهَا تَنْتَهِي إِذَا طَرَأَ مَا يَجْعَل بَعْضَ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُتَخَلِّفًا، كَمَا لَوْ أَضْحَى الْمُدَّعِي لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِي مُتَابَعَةِ السَّيْرِ فِي الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَوْنَ الدَّعْوَى مُفِيدَةً شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَيُمْكِنُ حُدُوثُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْهَا: أَنْ يُتَوَفَّى الصَّغِيرُ الْمُتَنَازَعُ عَلَى حَضَانَتِهِ، فَيُصْبِحُ الاِسْتِمْرَارُ فِي الدَّعْوَى غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْمُدَّعِي، وَمِنْهَا أَنْ يُتَوَفَّى الزَّوْجُ الَّذِي تَطْلُبُ الزَّوْجَةُ الْحُكْمَ بِتَطْلِيقِهَا مِنْهُ، حَيْثُ تَنْتَفِي الْمَصْلَحَةُ فِي اسْتِمْرَارِ نَظَرِ الدَّعْوَى. غَيْرَ أَنَّهُ يَجْدُرُ بِالْمُلاَحَظَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ الأَْصْلِيَّ فِي الدَّعْوَى قَدْ يُصْبِحُ فِي مَرْكَزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا تَقَدَّمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الأَْصْلِيُّ بِدَفْعٍ صَحِيحٍ لِلدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ السَّابِقَةَ تَقْتَضِي أَنْ لاَ يُسْمَحَ لِلْمُدَّعِي الأَْصْلِيِّ أَنْ يَتْرُكَ دَعْوَاهُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ أَبْدَى دَفْعًا لِهَذِهِ الدَّعْوَى إِلاَّ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ. __________ (1) حاشية الباجوري 2 / 401 وَكَذَلِكَ تَنْتَهِي الدَّعْوَى إِذَا انْتَهَى التَّنَازُعُ فِي الْحَقِّ الْمَطْلُوبِ قَبْل صُدُورِ حُكْمٍ فِي مَوْضُوعِ الدَّعْوَى، كَمَا لَوْ تَصَالَحَ الْخُصُومُ عَلَى الْحَقِّ الْمُدَّعَى. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* شروط صحة الدعوى:
لا تصح الدعوى إلا محرَّرة مفصَّلة؛ لأن الحكم مرتب عليها، وأن تكون معلومة المدَّعى به، وأن يصرح المدعي بطلبه، وأن يكون المدعى به حالاًّ إن كان دَيْنَاً. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
7 - إثبات الدعوى:
• 1 - الإقرار. • * حكم الإقرار:. • 2 - الشهادة. • * شروط من تُقبل شهادته:. • موانع الشهادة * موانع الشهادة ثمانية، وهي:. • أقسام المشهود به وعدد الشهود * ينقسم ذلك إلى سبعة أقسام:. • 3 - اليمين. • * مشروعية اليمين:. • * تغليظ اليمين:. • * شر الناس:. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
5 - صفة الدعوى
- الدعوى: هي طلب المدعي من القاضي حقاً عند غيره بقول أو كتابة. - البينة: هي كل ما يُبِيْن الحق من شهود، أو يمين، أو قرائن الأحوال ونحوها. - أركان الدعوى: أركان الدعوى ثلاثة: الأول: المدعي: وهو الذي يطالِب بالحق. الثاني: المدعى عليه: وهو المطالَب بالحق. الثالث: المدعى به: وهو الشيء أو الحق المطالَب به. فالمدعي إذا سكت عن المطالبة بالحق تُرك، والمدعى عليه إذا سكت لم يُترك. والمدعي هو الذي يُكلَّف بإقامة الدليل والبينة على صدق دعواه؛ لأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته. - شروط صحة الدعوى: يشترط لصحة الدعوى ما يلي: 1 - أن يكون كلٌّ من المدعي والمدعى عليه جائز التصرف، وهو الحر البالغ العاقل الرشيد؛ لأن الدعوى يترتب عليها حكم شرعي، فلم تصح من غير جائز التصرف. 2 - أن يبيِّن المدعي دعواه بالتفصيل أمام القاضي، ويحررها ذاكراً جنسها |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
7 - طرق إثبات الدعوى
تثبت الدعوى بواحد مما يلي: الإقرار ... الشهادة ... اليمين. 1 - الإقرار - الإقرار: هو إظهار مكلف مختار ما وجب عليه. والإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس. وهو حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً، وهو من أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعي عليه. - حكم الإقرار: الإقرار هو الاعتراف بالحق، والحكم به واجب، إذا كان المقر مكلفاً مختاراً. والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى غير المقر، فلو أقر على غيره لم يُقبل، بخلاف البينة فإنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار لا يلزم إلا من أقر، ويحكم به القاضي في الدماء، والحدود، والأموال، والحقوق. 1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}} ... [النساء: 135]. |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
10 - دعوى
لغةً: التمنى، والطلب. قال الله تعالى:} ولهم ما يدَّعون {(يس57) وجمعها دعاوى بالفتح والكسر. (1) واصطلاحاً: إخبار عن وجوب حق على الغير عند حاكم (2). وأركانها عند الحنفية: هى نفس الإخبار عن ذلك الحق (3)، وعند غيرهم ثلاثة: مدِعى وهو: من إذا ترك دعواه ترك، ومدعى عليه وهو: من إذا ترك الخصومة لم يترك، ومدعى به وهو: الشىء الذى ادعاه المدعى (4). وقد يكون كل من طرف الدعوى مدعياً، ومدعى عليه فى نفس الوقت كما لو اختلف المتبايعان فى الثمن (5). ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، بشىء معلوم، محقق (6) والأصل فيها الإباحة، وقد تحرم إذا كانت بباطل، أو بغرض التشنيع (7). والأصل فى مشروعيتها قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: " لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماء قوم وأموالهم، اليمين على المدعى عليه" (رواه البخارى) (8). أ. د/ أحمد يوسف سليمان __________ المراجع 1 - القاموس المحيط. للفيروز آبادى 4/ 329 باب الواو والياء.، فصل الدال. طبعة مصطفى الحلبى (1371 هـ-1953 م)، المصباح المنير للفيومى 1/ 299 مادة: (دعو)، الطبعة الأميرية الثانية (1906 م) 2 - نهاية المحتاج شرح المنهاج للرملى 8/ 333 طبعة دار الفكر بيروت سنة 4 1 4 1 هـ/994 1 م والتعريفات للجرجانى ص 9 0 1 طبعة مكتبة لبنان والمغنى لابن قدامة 10/ 204 تحقيق الشيخ محمود فايد طبعة مكتبة القاهرة. 3 - بدائع الصنائع للكاسانى 7/ 225 الطبعة المصورة بدار الفكر- بيروت. 4 - نهاية المحتاج 8/ 339 وانظر حاشية الخرشى على مختصر سيدى خليل 7/ 53 1 الطبعة بدار صادر بيروت، والمغنى لابن قدامة 10/ 242، والقاموس الفقهى لغة واصطلاحا لسعدى أبو حبيب ص 131 طبعة إدارة القرآن بكراتشى. 5 - المغنى لابن قدامة 10/ 242 6 - المغنى لابن قدامة 10/ 242، وحاشية الخرشى ص 7/ 153. 7 - الموسوعة الفقهية الكويتية 20/ 270الطبعة الثانية 1410هـ، 0 99 1 م 8 - الحديث متفق عليه وهذا لفظ البخارى فى كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران عن ابن عباس- رضى الله عنهما،- وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، إعداد محمد فؤاد عبد الباقى. كتاب الأقضية 2/ 192 طبعة دار الريان للتراث. |
|
لغة: مشتق من الدعاء، وهو الطلب، قال الله تعالى:وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ [سورة يس، الآية 57]، أي: يطلبون، وهي على وزن (فعلى) وألفها للتأنيث فلا تنون، يقال:
دعوى باطلة أو صحيحة، والجمع: بفتح الواو لا غير، كفتوى، وفتاوى. قال أبو البقاء: وما يدّعى هو المدعى به، والمدّعى خطأ. وشرعا: قال الموصلي: قول يطلب به الإنسان إثبات حق على الغير لنفسه، وبمثله عرفه الجرجاني. قال ابن عرفة: قول هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقّا. وقال الشيخ زكريا الأنصاري: إخبار عن وجوب حق للمخبر عن غيره عند حاكم. وقال البهوتى: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته. وقال البعلى: طلب الشيء زاعما ملكه. «معجم المقاييس (د ع و) ص 356، والمعجم الوسيط (د ع و) 1/ 297، والكليات ص 68، والاختيار 2/ 144، والتعريفات ص 93، وشرح حدود ابن عرفة ص 608، وفتح الوهاب 2/ 227، والمطلع ص 403، والروض المربع ص 526». |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
والدعوى كفتوى، وألفها للتأنيث فلا تنوّن، وجمعها:
دعاوي كفتاوى. قال في «المصباح» : بكسر الواو وفتحها، قال بعضهم: الفتح أولى، لأن العرب آثرت التخفيف، ففتحت، وحافظت على ألف التأنيث التي بنى عليها المفرد. وقال بعضهم: الكسر أولى، وهو المفهوم من كلام سيبويه. وهي لغة: قول يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره. وشرعا: إخبار بحق له على غيره عند الحاكم، وقد سبق في: (دعوى). «المصباح المنير (دعو) ص 195 (علمية) ». |
|
قَولٌ يَطْلُبُ بِهِ الإِنْسانُ إِثْباتَ حَقٍّ على غَيْره.
Claim: A statement by which a person requests establishing his due right upon another person. |