نتائج البحث عن (شَهادَةٌ) 47 نتيجة

(الشَّهَادَة) أَن يخبر بِمَا رأى وَأَن يقر بِمَا علم ومجموع مَا يدْرك بالحس وَالشَّهَادَة الْبَيِّنَة (فِي الْقَضَاء) هِيَ أَقْوَال الشُّهُود أَمَام جِهَة قضائية (مج) وعالم الشَّهَادَة عَالم الأكوان الظَّاهِرَة مُقَابل عَالم الْغَيْب وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة}}
الشهادة: هي في الشريعة: إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر، فالإخبارات ثلاثة: إما بحق للغير على آخر، وهو الشهادة، وإما بحق للمخبر على آخر، وهو الدعوى، أو بالعكس، وهو الإقرار.
شهادة الأصول:[في الانكليزية] Confirmation by resorting to principles [ في الفرنسية] Confirmation par le recours aux principles عند أهل الأصول هي مقابلة الوصف الملائم بقوانين الشرع لتحقّق سلامته عن المناقضة والمعارضة كما يقال: لا تجب الزكاة في ذكور الخيل فلا تجب في إناثها بشهادة الأصول على التسوية بين الذكور والإناث.وأدنى ما يكفي في ذلك أصلان. وأمّا العرض على جميع الأصول كما ذهب إليه بعض أصحاب الشافعي فمتعذّر أو متعسّر. وصاحب التنقيح فسّر شهادة الأصل بأن يكون للحكم أصل معيّن من نوعه يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه. مثاله الولاية على الثّيّب الصغيرة قياسا على الولاية على البكر الصغيرة. والعلّة الصّغر وهي علّة ملائمة، وشهادة الأصل موجودة هاهنا فإنّ له أصلا معيّنا وهو الولاية على البكر الصغيرة يوجد في ذلك جنس الوصف أو نوعه وهو الصّغر. وقال الشافعي يجب العمل بالملائم بشرط شهادة الأصل. والتوضيح يطلب من التوضيح والتلويح.
الشّهادة:[في الانكليزية] Testimony [ في الفرنسية] Temoignage بالفتح والهاء المخفّفة لغة خبر قاطع كما في القاموس. وشرعا إخبار بحقّ للغير على آخر عن يقين، وذلك المخبر يسمّى شاهدا. فقولنا بحقّ أي بمال أو غيره مما يثبت ويسقط فيشتمل حقّ الله تعالى وحقّ العبد، إلّا أنه يستعمل في العادة في حقّ مالي لا غير كما في إقرار الكرماني. وقولنا للغير أي حصل لغير المخبر من كلّ الوجوه كما هو المتبادر، فيخرج عنه الإنكار فإنّه إخبار لنفسه في يده، وكذا دعوى الأصل لأنّه إخبار لنفسه على غيره، وكذا دعوى الوكيل فإنّه ليس إخبارا للغير من كلّ الوجوه.وقولنا على آخر يخرج الإقرار فإنّه إخبار للغير على نفسه. وقولنا عن يقين يخرج الإخبار الذي هو عن حسبان وتخمين. ولا بدّ من قيد آخر وهو قولنا في مجلس الحكم أي مجلس القضاء، كما في فتح القدير ليخرج ما ليس في مجلس الحكم، فإنّه لا يسمّى شهادة، كذا في جامع الرموز والبرجندي وغيرهما. وعند الصوفية هي عالم الملك كما في كشف اللغات.
الشَّهادةُ: خَبَرٌ قاطِعٌ،وقد شَهِدَ، كعَلِمَ وكرُمَ، وقد تُسَكَّنُ هاؤُهُ.وشَهِدَهُ، كسَمِعَهُ، شُهوداً: حَضَرَهُ،فهو شاهِدٌ، ج: شُهودٌ وشُهَّدٌ.وشَهِدَ لِزَيْدٍ بكذا شَهادةً: أدَّى ما عندَهُ من الشَّهادَةِ،فهو شاهِدٌ، ج: شَهْدٌ، بالفتح،جج: شُهودٌ وأشْهادٌ.واسْتَشْهَدَهُ: سألَهُ أن يَشْهَدَ.والشَّهيدُ، وتُكْسَرُ شينُهُ: الشاهِدُ، والأَمينُ في شَهادَةٍ، والذي لا يَغيبُ عن عِلْمِهِ شيءٌ، والقَتيلُ في سبيلِ الله،لأن مَلائِكَةَ الرحْمةِ تَشْهَدُهُ، أو لأَن الله تعالى وملائكتَهُ شُهودٌ له بالجَنَّةِ،أو لأَنه ممَّن يُسْتَشْهَدُ يومَ القيامةِ على الأمَمِ الخاليةِ،إأو لسُقوطِه على الشاهِدَةِ، أي: الأرضِ، أو لأَنه حَيٌّ عندَ ربِّهِ حاضرٌ،أو لأَنه يَشْهَدُ مَلَكوتَ الله ومُلْكَهُ، ج: شُهَداءُ،والاسمُ: الشَّهادَةُ.وأشْهَدُ بكذا، أي: أحْلِفُ.وشاهَدَهُ: عايَنَهُ.وامرأةٌ مُشْهِدٌ: حَضَرَ زوْجُها.والتَّشَهُّدُ في الصَّلاةِ: م.والشَّاهِدُ: من أسْماء النبيِّ صلى الله عليه وسلم، واللِّسانُ، والمَلَكُ، ويومُ الجُمعَةِ، والنَّجْمُ، وما يَشْهَدُ على جَوْدَةِ الفَرَسِ من جَرْيِهِ، وشِبْهُ مُخاطٍ يَخْرُجُ مع الوَلَدِ،وـ من الأُمورِ: السَّريعُ.وصَلاةُ الشَّاهِد: صَلاةُ المَغْرِبِ.والمَشْهودُ: يومُ الجُمعَة، أو يومُ القيامَةِ، أو يومُ عَرَفَةَ.والشَّهْدُ: العَسَلُ، ويضمُّ،والشُّهْدَةُ أخَصُّ، ج: شِهادٌ، وماءٌ لِبَنِي المُصْطَلِقِ من خُزاعَةَ.و {{شَهِدَ الله أنَّهُ لا إله إلا هو}} ، أي: عَلِمَ الله، أو قال الله، أو كَتَبَ الله،وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، أي: أعْلَمُ، وأُبَيِّنُ.وأشْهَدَهُ: أحْضَرَهُ،وـ فُلانٌ: أمْذى،كشَهَّدَ،وـ الجارِيَةُ: حاضَتْ، وأدْرَكَتْ،وأُشْهِدَ، مَجْهولاً: قُتِلَ في سَبيلِ الله،كاسْتُشْهِدَ، فهو مُشْهَدٌ.والمَشْهَدُ والمَشْهَدَةُ والمَشْهُدَةُ: مَحْضَرُ الناسِ.وشُهودُ الناقَةِ: آثارُ مَوْضِعِ مَنْتِجها من دَمٍ أو سَلًى.(وكزُبَيْرٍ: الزَّاهِدُ عُمَرُ بنُ سَعْدِ بنِ شُهَيْدٍ أميرُ حِمْصَ، وأحمدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ شُهَيْدٍ: الأَديبُ) .
الشَّهَادَة: فِي اللُّغَة الْحُضُور. قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَاقِعَة أَي حضرها. وَالشَّاهِد أَيْضا يحضر القَاضِي ومجلس الْوَاقِعَة. وَفِي الشَّرْع الشَّهَادَة إِخْبَار بِحَق الشَّخْص على غَيره عَن مُشَاهدَة الْقَضِيَّة الَّتِي يشْهد بهَا بالتحقيق وَعَن عيان لَا عَن تخمين وحسبان أَي عَن مُعَاينَة تِلْكَ الْقَضِيَّة. وَالْإِشَارَة إِلَيْهَا بقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا علمت مثل الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع. وَقَوْلهمْ لَا عَن تخمين تَأْكِيد لِمَعْنى الْمُشَاهدَة. وَقَوْلهمْ وحسبان أَي لَا عَن حسبان تَأْكِيد لِمَعْنى العيان. وكتمان الشَّهَادَة وَاجِب عَن إظهارها فِي الْحُدُود لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من ستر على مُسلم ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَوله تَعَالَى {{وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه}} فِي حُقُوق الْعباد وَالْحُدُود إِنَّمَا هِيَ حُقُوق الله تَعَالَى. وَفِي الْفَتَاوَى الحمادي من الْخَانِية وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا سمعُوا صَوت امْرَأَة من وَرَاء الْحجاب وَرَأَوا شخصها وَشهد عِنْدهم رجلَانِ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة جَازَ لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَإِن لم يرَوا وَجههَا. وَإِذا لم يرَوا شخصها لَا يحل لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى. وَذكر هُوَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفَتَاوَى عَن نصير بن يحيى أَن ابْنا لمُحَمد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى دخل على أبي سُلَيْمَان الْجِرْجَانِيّ فَسَأَلَهُ أَبُو سُلَيْمَان عَن هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ كَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول لَا يجوز لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهَا حَتَّى يشْهد عِنْده جمَاعَة أَنَّهَا فُلَانَة - وَكَانَ أَبُو يُوسُف وَأَبُو بكر الإسكاف رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُولَانِ بجوازها إِذا شهد عِنْده عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى انْتهى. وَفِي رَوْضَة الْجنان قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تقبل شَهَادَة الْعلمَاء بَعضهم على بعض لِأَن فيهم حسدا.وَاعْلَم أَنه لَا تجوز الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ إِلَّا فِي النّسَب وَالْمَوْت وَالنِّكَاح.وَالشَّهَادَة عِنْد الصُّوفِيَّة عَالم الشَّهَادَة وَهُوَ الأفلاك وَمَا فِيهَا من النُّجُوم وَالْكَوَاكِب والعناصر والمواليد يَعْنِي أَن عَالم الشَّهَادَة عِنْدهمقدس الله أسرارهم هُوَ الْأَجْسَام وَيُقَال لَهُ مرتبَة الْحسن أَيْضا.
الشهادة: رؤية خبرة باطن الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره فلا شهادة إلا بخبرة وغناء ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره، فيكون ميزان عدل، ذكره الحرالي. وقال بعضهم: الشهادة كالشهود الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور منفردا. ومشاهد الحج مواطنه التي تحضرها الملائكة والأخيار من الناس. وقيل هو مواضع النسك والشهادة: إخبار عن عيان بلفظ أشهد في مجلس القاضي بحق لغيره على غيره. والإخبارات ثلاثة: إما بحق لغيره على آخر، وهو الشهادة، أو بحق للمخبر على آخر وهو الدعوى، أو عكسه، وهو الإقرار. وقال الراغب: الشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة، وشهدت يقال على ضربين: أحدهما جار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة، ولا يكفي من الشاهد أن يقول: أعلم. الثاني: يجري مجرى القسم فتقول: أشهد بالله أنه كذا. ويعبر بالشهادة عن الحكم نحو {{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا}} . وعن الإقرار نحو {{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ}} ، ذكره الراغب. وفي المصباح: جرى على ألسنة الأمة خلفا وسلفا في أداء الشهادة: أشهد مقتصرا عليه دون غيره من الألفاظ الدالة على تحقيق الشيء أعلم وأتيقن، وهو موافق لألفاظ الكتاب والسنة، فكان الإجماع على تعين هذه اللفظة، ولا يخلو من تعبد إذا لم ينقل غيره، ولعل سره أن الشهادة اسم من المشاهدة، وهي الاطلاع على الشيء عيانا، فاشترط في الأداء ما ينبىء عن المشاهدة.
حَصَل على الشَّهادةالجذر: ش هـ د

مثال: حصل على الشَّهادة الثانويةالرأي: مرفوضةالسبب: لأن الكلمة لم ترد في المعاجم القديمة بهذا المعنى، بل جاءت بمعنى الخبر القاطع. المعنى: وثيقة تثبت حصول الطالب على الثانوية

الصواب والرتبة: -حصل على الشَّهادة الثانوية [فصيحة] التعليق: وردت «الشهادة» في المعاجم القديمة بمعنى الخبر القاطع، واستعملت حديثًا للتعبير عن الوثيقة التي تثبت صحة هذا الخبر، فهي شهادة مكتوبة. وقد استعملتها بهذا المعنى بعض المعاجم الحديثة كالمنجد والأساسي.
الشَّهادة: هي إخبار عن عِيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحقٍ للغير على الآخر. والإخبارات الثلاث: إما بحق للغير على الآخر فهو شهادة، أو بحق للمخبر على الآخر فهو الدعوى، أو بالعكس وهو بالإقرار، وتطلق الشهادةُ أيضاً على اليمين مجازاً.والشهادة: أيضاً: اسمٌ من الشهيد بمعنى القتل في سبيل الله، وقد تطلق على عَالَم الأكوان الظاهرة في مقابلة عالم الغيب.

الشَّهادة بالتسامع

التعريفات الفقهيّة للبركتي

الشَّهادة بالتسامع: هو أن يشهد بشيء لا عن عيان، بل لأنه سمع من ثقةٍ كذا.
شهادة الزُور: هو تعمدُّ الكذب في الشهادة.

وَراء الحجاب من الشهادة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

وَراء الحجاب من الشهادة: أن يشهد بما سمع من وراء الحجاب من غير رؤية الشخص القائل.

أبواب السعادة، في أسباب الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أبواب السعادة، في أسباب الشهادة
رسالة.
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الشافعي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.

أنوار السعادة، في شرح كلمتي الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أنوار السعادة، في شرح كلمتي الشهادة
للشيخ، محيي الدين: محمد بن سليمان الكافيجي.
المتوفى: سنة تسع وسبعين وثمانمائة.

الشَّهَادَة

المخصص

صَاحب الْعين: شهِد عَلَيْهِ شَهَادَة فَهُوَ شَاهد وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى وَالْجمع أشهاد وشُهود وشهيد وَالْجمع شُهَدَاء وشهْد اسْم للْجمع وأشهدْتهم عَلَيْهِ واستشهدْت الرجل - سَأَلته الشَّهَادَة وَفِي التَّنْزِيل) واستشهِدوا شهيدين من

رِجالكم (وَقَوله تَعَالَى) وشاهِد ومشهود (الشّاهد - النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام والمشهود - يَوْم الْقِيَامَة.
أَبُو زيد: ألَته - يألتِه ألْتاً - سَأَلَهُ شَهَادَة مُحلّفاً لَهُ بِاللَّه وَالشُّهُود المَقانع - العُدول.
أَبُو عبيد: كميتُ الشَّهَادَة - كتمْتُها.
وَقَالَ: ضرحْت عني شَهَادَة الْقَوْم أضرَحُها ضرْحاً - إِذا جرّحْتها وألقَيتها عَنْك.
أَبُو زيد: الضّرْح - الرميُ بالشَّيْء وَمِنْه الضّرْح باليدِ وَهُوَ كالرمح بالرِجل واضطرَحْت الشيءَ - رميت بِهِ.
وَقَالَ: بلح بِشَهَادَتِهِ يبلَح بلْحاً - كتمها.

ذو الشهادتين حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت سعد بن عبد الحميد بن جعفر يقول: خزيمة بن ثابت من بني خطمة من الأوس جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين. قال محمد بن سعد: خزيمة بن ثابت بن الفاكه هو ذو الشهادتين. وقال محمد بن عمر: كان خزيمة يكنى أبا عمارة.

معجم الصحابة للبغوي

ذو الشهادتين
حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت سعد بن عبد الحميد بن جعفر يقول: خزيمة بن ثابت من بني خطمة من الأوس جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين.
قال محمد بن سعد: خزيمة بن ثابت بن الفاكه هو ذو الشهادتين.
وقال محمد بن عمر: كان خزيمة يكنى أبا عمارة.
672 - حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا علي بن المجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن: أن خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تقتل عمارا الفئة الباغية.
آخر باب الذال، وأول باب الراء.
في الفرنسية/ Temoignage
في الانكليزية/ Testimony
في اللاتينية/ Testimonium
الشهادة هي اخبار المرء بما رأى، أو اقراره بما علم عن يقين. وتطلق أيضا على مجموع ما يدركه الحس، كقولنا: شهادة الحواس.
وقد يطلق لفظ الشهادة على فعل الشاهد، فتقول: شهد على كذا شهادة، أي أخبر به خبرا قاطعا، وشهد الحادث: عاينه، وشهد لفلان على فلان بكذا: ادّعى ما عنده من الشهادة.
وقد يطلق هذا اللفظ أيضا على

الخبر نفسه صحيحا كان أو كاذبا.
ويشترط في تمحيص الأخبار معرفة ما يتطرق إليها من الكذب والتوهم والتلبيس والتصنع، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال، في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم (ابن خلدون، المقدمة، ص 12 من طبعة دار الكتاب اللبناني). وتسمى قواعد تمحيص الأخبار بنقد الشهادات ( temoignages des Critique) والشهادة هي الدليل الذي يستشهد به في إثبات الأمر، والشهادة البيّنة، في القضاء، هي أقوال الشهود أمام الجهة القضائية.
والشاهد ( Temoin) هو الذي يؤدّي الشهادة، ويطلق أيضا على الدليل نفسه.
والشاهد عند أهل العربية هو الجزئي الذي تثبت به القاعدة، وهو أخص من المثال.
وعالم الشهادة عالم الأكوان الظاهرة، وهو مقابل لعالم الغيب، و ستردون إلى عالم الغيب والشهادة (القرآن الكريم).
وشواهد الحق حقائق الأكوان، وشواهد الأشياء اختلاف الأكوان باختلاف الأحوال والأوصاف والأفعال.
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الشَّهَادَةِ فِي اللُّغَةِ: الْخَبَرُ الْقَاطِعُ، وَالْحُضُورُ وَالْمُعَايَنَةُ وَالْعَلاَنِيَةُ، وَالْقَسَمُ، وَالإِْقْرَارُ، وَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْمَوْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ. يُقَال: شَهِدَ بِكَذَا إِذَا أَخْبَرَ بِهِ وَشَهِدَ كَذَا إِذَا حَضَرَهُ، أَوْ عَايَنَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُعَدَّى الْفِعْل (شَهِدَ) بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَال: أَشْهَدْتُهُ الشَّيْءَ إِشْهَادًا، أَوْ بِالأَْلِفِ، فَقَال: شَاهَدْتُهُ مُشَاهَدَةً، مِثْل عَايَنْتُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى (1) .
وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ: قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) } .
قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: " وَشَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ (3) ".
__________
(1) انظر مادة (شهد) في الصحاح، والقاموس، والتاج، واللسان، والمصباح المنير، ومعجم مقاييس اللغة، ومادة (هشد) في العين 3 / 397 - 398، وتهذيب اللغة: 6 / 72 - 77، ومادة (دشه) في جمهرة اللغة 2 / 270، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
(2) سورة البقرة / 185.
(3) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 2 / 299 (ط 3 دار القلم بالقاهرة 1387 هـ / 1967 م) وفيه أن الشهر ليس بمفعول وإنما هو ظرف زمان.

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْمُعَايَنَةِ: قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (1) } .
قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ مَعْنَاهَا: " وَقَوْلُهُ: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} ، يَعْنِي مُشَاهَدَةَ الْبَصَرِ (2) ".
وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْقَسَمِ أَوِ الْيَمِينِ: قَوْله تَعَالَى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (3) } .
قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: " الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا الْيَمِينُ هَاهُنَا (4) ".
وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْقَاطِعِ: قَوْله تَعَالَى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا (5) } .
وَاسْتِعْمَالُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ.
وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الإِْقْرَارِ: قَوْله تَعَالَى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (6) }
__________
(1) سورة الزخرف / 19.
(2) المفردات ص 269.
(3) سورة النور / 6.
(4) اللسان مادة (شهد) .
(5) سورة يوسف / 81.
(6) سورة التوبة / 17.

أَيْ مُقِرِّينَ (1) فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْسِ هِيَ الإِْقْرَارُ.
وَتُطْلَقُ الشَّهَادَةُ أَيْضًا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. (وَهِيَ قَوْلُنَا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) وَتُسَمَّى الْعِبَارَةُ (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَمَعْنَاهُمَا هُنَا مُتَفَرِّعٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ (الإِْخْبَارُ وَالإِْقْرَارُ) ، فَإِنْ مَعْنَى الشَّهَادَةِ هُنَا هُوَ الإِْعْلاَمُ وَالْبَيَانُ لأَِمْرٍ قَدْ عُلِمَ وَالإِْقْرَارُ الاِعْتِرَافُ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُوَ: " أَعْلَمُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَأُبَيِّنُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ أَنَّ مُحَمَّدًا مُبَلِّغٌ لِلأَْخْبَارِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل (2) " وَسُمِّيَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالتَّشَهُّدِ، وَهُوَ صِيغَةُ (تَفَعَّل) مِنَ الشَّهَادَةِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ (التَّشَهُّدُ) عَلَى (التَّحِيَّاتِ) الَّتِي تُقْرَأُ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ.
جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ (3) .
__________
(1) المفردات (مادة: شهد) : 269.
(2) الزاهر في معاني كلمات الناس أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، تحقيق الدكتور حاتم الضامن 1 / 125 (ط 1 دار الرشيد) وزارة الثقافة والإعلام في الجمهورية العراقية 1399 هـ / 1979 م، وانظر: لسان العرب (مادة شهد) وقد نقل هذا المعنى عن ابن الأنباري.
(3) حديث " ابن مسعود أنه كان يعلمهم التشهد " أخرجه البخاري (الفتح 11 / 56 - ط السلفية) .

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْعَلاَنِيَةِ: قَوْله تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ (1) } أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال فِي مَعْنَى هَذِهِ الآْيَةِ: " السِّرُّ وَالْعَلاَنِيَةُ (2) ".
وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْمَوْتِ فِي سَبِيل اللَّهِ: قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (3) } .
فَهُوَ شَهِيدٌ قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ، جَمْعُهُ شُهَدَاءُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فِي الإِْخْبَارِ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى النَّفْسِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ) .
وَاسْتَعْمَلُوا اللَّفْظَ فِي الْمَوْتِ فِي سَبِيل اللَّهِ وَبَيَانُهُ فِي مُصْطَلَحِ (شَهِيدٌ) .
وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي الْقَسَمِ كَمَا فِي اللِّعَانِ، (وَبَيَانُهُ فِي اللِّعَانِ) .
كَمَا اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فِي الإِْخْبَارِ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ
__________
(1) سورة الأنعام / 73.
(2) نقل ذلك السيوطي عنه في الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3 / 23، 4 / 46، تفسير الآية 73 من الأنعام وفي تفسير الآية 9 من الرعد.
(3) سورة النساء / 69.

الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَوْضُوعُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْمُصْطَلَحِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ الشَّهَادَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
فَعَرَّفَهَا الْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا: إِخْبَارُ صِدْقٍ لإِِثْبَاتِ حَقٍّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَعَرَّفَهَا الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: بِأَنَّهَا إِخْبَارُ حَاكِمٍ مِنْ عِلْمٍ لِيَقْضِيَ بِمُقْتَضَاهُ.
وَعَرَّفَهَا الْجَمَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا: إِخْبَارٌ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ بِلَفْظِ أَشْهَدُ.
وَعَرَّفَهَا الشَّيْبَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا: الإِْخْبَارُ بِمَا عَلِمَهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ (1) .
وَتَسْمِيَتُهَا بِالشَّهَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ الْمُتَيَقَّنَةِ، لأَِنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَنْ مَا شَاهَدَهُ وَالإِْشَارَةُ إِلَيْهَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُل يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَال لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ (2) .
__________
(1) فتح القدير 6 / 2، الشرح الكبير للدردير 4 / 164، حاشية الجمل 5 / 377، نيل المآرب بشرح دليل الطالب بتحقيق د. محمد الأشقر 2 / 470.
(2) حديث ابن عباس: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يشهد بشهادة " أخرجه الحاكم (4 / 98 - 99 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، والبيهقي (10 / 156 - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي في أحد رواته: " تكلم فيه الحميدي ولم يرو عن وجه يعتمد عليه " وقال الذهبي: " واه ".

وَتُسَمَّى " بَيِّنَةً " أَيْضًا؛ لأَِنَّهَا تُبَيِّنُ مَا الْتَبَسَ وَتَكْشِفُ الْحَقَّ فِي مَا اخْتُلِفَ فِيهِ (1) .
وَهِيَ إِحْدَى الْحُجَجِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الدَّعْوَى.

أَلْفَاظٌ ذَاتُ صِلَةٍ:
الإِْقْرَارُ:
2 - الإِْقْرَارُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الإِْخْبَارُ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْمُخْبِرِ.

الدَّعْوَى:
3 - الدَّعْوَى: قَوْلٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْقَاضِي يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ قِبَل الْغَيْرِ أَوْ دُفْعُ الْخَصْمِ عَنْ حَقِّ نَفْسِهِ.
فَيَجْمَعُ كُلًّا مِنَ الإِْقْرَارِ وَالدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، أَنَّهَا إِخْبَارَاتٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا: أَنَّ الإِْخْبَارَ إِنْ كَانَ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ عَلَى الْمُخْبِرِ، وَيَقْتَصِرُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ فَإِقْرَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَصِرْ، فَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْمُخْبِرِ فِيهِ نَفْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الشَّهَادَةُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُخْبِرِ نَفْعٌ فِيهِ لأَِنَّهُ إِخْبَارٌ بِحَقٍّ لَهُ فَهُوَ
__________
(1) المغني 12 / 4، الشرح الكبير (على هامش المغني) 12 / 3.

الدَّعْوَى، انْظُرْ: الْمَوْسُوعَةَ الْفِقْهِيَّةَ مُصْطَلَحَ (إِقْرَارٌ) (6 67) .

الْبَيِّنَةُ:
4 - الْبَيِّنَةُ: عَرَّفَهَا الرَّاغِبُ بِأَنَّهَا: الدَّلاَلَةُ الْوَاضِحَةُ عَقْلِيَّةً أَوْ مَحْسُوسَةً (1) . وَعَرَّفَهَا الْمَجْدَوِيُّ الْبَرَكَتِيُّ بِأَنَّهَا: الْحُجَّةُ الْقَوِيَّةُ وَالدَّلِيل (2) . وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْبَيِّنَةُ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ. وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَتَارَةً ثَلاَثَةً بِالنَّصِّ فِي بَيِّنَةِ الْمُفَلِّسِ، وَتَارَةً شَاهِدَيْنِ وَشَاهِدًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً وَنُكُولاً وَيَمِينًا أَوْ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ أَرْبَعَةَ أَيْمَانٍ، وَتَكُونُ شَاهِدَ الْحَال (أَيِ الْقَرَائِنَ) فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ (3) .
وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَذَا أَعَمَّ مِنَ الشَّهَادَةِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ.
5 - تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا (4) } . وقَوْله تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (5) } وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (6) } .
__________
(1) المفردات في غريب القرآن (ص 68) .
(2) قواعد الفقه (216) .
(3) الطرق الحكمية (24) .
(4) سورة البقرة / 282.
(5) سورة الطلاق / 2.
(6) سورة البقرة / 283.

وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَسَائِرِ الأَْمَانَاتِ (1) . فَإِذَا قَامَ بِهَا الْعَدَدُ الْكَافِي (كَمَا سَيَأْتِي) سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا كُلُّهُمْ.
وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالشَّهَادَةِ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَعُ.
فَإِذَا تَضَرَّرَ فِي التَّحَمُّل أَوِ الأَْدَاءِ، أَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لاَ تَنْفَعُ، بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، أَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّبَذُّل فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ (2) } . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (3) .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لاَ يَحْصُل مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ تَحَمُّلُهَا وَأَدَاؤُهَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَرْضًا عَيْنِيًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنَ الشُّهُودِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْحُكْمُ، وَخِيفَ ضَيَاعُ الْحَقِّ (4) .
__________
(1) المغني 12 / 3، والشرح الكبير في هامش الموضع نفسه.
(2) سورة البقرة / 282.
(3) حديث: " لا ضرر ولا ضرار " أخرجه ابن ماجه (2 / 784 - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، وأعله البوصيري بالانقطاع كذا في مصباح الزجاجة (2 / 33 - ط دار الجنان) ، ولكنه له شواهد يتقوى بها ذكرها ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص 286 - 287 ط الحلبي) .
(4) الشرح الكبير مع المغني (12 / 3، 4) ، وانظر القوانين الفقهية (205) ، والدر المختار (4 / 369) ، ومغني المحتاج (4 / 450) .

وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ، أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ أَدَاءٌ ف 26 ح 2 ص 340 لِبَيَانِ الْخِلاَفِ فِي أَفْضَلِيَّةِ الشَّهَادَةِ أَوِ السَّتْرِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الشَّهَادَةِ:
6 - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الشَّهَادَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (1) } .
وَقَوْلُهُ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (2) } .
وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ (3) } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ وَائِل بْنِ حُجْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ (4) .
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْبَيِّنَةُ عَلَى
__________
(1) سورة البقرة / 282.
(2) سورة الطلاق / 2.
(3) سورة البقرة / 283.
(4) حديث: " شاهداك أو يمينه "، أخرجه مسلم (1 / 122 - ط الحلبي) .

الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (1) . . وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الشَّهَادَةُ.
" قَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا لإِِثْبَاتِ الدَّعَاوَى.
أَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا لِحُصُول التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا (2) .

أَرْكَانُ الشَّهَادَةِ:
7 - أَرْكَانُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: الشَّاهِدُ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ، وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ، وَالصِّيغَةُ (3) .
وَرُكْنُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: اللَّفْظُ الْخَاصُّ، وَهُوَ لَفْظُ (أَشْهَدُ) عِنْدَهُمْ (4) .

سَبَبُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:
8 - سَبَبُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ طَلَبُ الْمُدَّعِي الشَّهَادَةَ مِنَ الشَّاهِدِ، أَوْ خَوْفُ فَوْتِ حَقِّ الْمُدَّعِي إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُدَّعِي كَوْنَهُ شَاهِدًا.

حُجِّيَّةُ الشَّهَادَةِ:
9 - الشَّهَادَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ
__________
(1) حديث: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " أخرجه البيهقي (10 / 252 - ط دائرة المعارف العثمانية) وإسناده صحيح.
(2) المغني 12 / 3، وانظر في حاشية الشرح الكبير في الموضع نفسه.
(3) مغني المحتاج 4 / 426، والجمل على شرح المنهج 5 / 377، ونهاية المحتاج 8 / 277.
(4) فتح القدير 6 / 2، وتبيين الحقائق 4 / 207.

وَلاَ تُوجِبُهُ (1) . وَلَكِنْ تُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَاهَا (2) . لأَِنَّهَا إِذَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ.

(شُرُوطُ الشَّهَادَةِ:
10 - لِلشَّهَادَةِ نَوْعَانِ مِنَ الشُّرُوطِ:
شُرُوطُ تَحَمُّلٍ.
وَشُرُوطُ أَدَاءً.
فَأَمَّا شُرُوطُ التَّحَمُّل: فَمِنْهَا:
11 - أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَاقِلاً وَقْتَ التَّحَمُّل، فَلاَ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا مِنْ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لاَ يَعْقِل؛ لأَِنَّ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ عِبَارَةٌ عَنْ فَهْمِ الْحَادِثَةِ وَضَبْطِهَا، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِآلَةِ الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ، وَهِيَ الْعَقْل.
12 - أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، فَلاَ يَصِحُّ التَّحَمُّل مِنَ الأَْعْمَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (3) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ تَحَمُّلِهِ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ
__________
(1) الإقناع 4 / 430، ومنتهى الإرادات 2 / 647، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد 12 / 3.
(2) فتح القدير 6 / 2، والبدائع 6 / 282، البناية في شرح الهداية 7 / 120، الفتاوى الهندية 3 / 450، شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل 4 / 215.
(3) مختصر الطحاوي: 332، تحفة الفقهاء للسمرقندي 3 / 527، روضة القضاة للسمناني 1 / 263، بدائع الصنائع 9 / 4023.

التَّسَامُعُ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَقَطَعَ بِأَنَّهُ صَوْتُ فُلاَنٍ (1) .
13 - أَنْ يَكُونَ التَّحَمُّل عَنْ عِلْمٍ، أَوْ عَنْ مُعَايَنَةٍ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ لاَ بِغَيْرِهِ: لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: ذُكِرَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُل يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَال لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ (2) .
وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْعِلْمِ، أَوِ الْمُعَايَنَةِ، إِلاَّ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ، كَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ (3) . أَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا رَآهُ مِنْ خَطِّ نَفْسِهِ إِلاَّ إِذَا تَذَكَّرَ ذَلِكَ وَتَيَقَّنَ مِنْهُ، لأَِنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْخَتْمَ يُشْبِهُ الْخَتْمَ، كَثِيرًا مَا يَقَعُ التَّزْوِيرُ، فَلاَ مُعَوَّل إِلاَّ عَلَى التَّذَكُّرِ.
__________
(1) الهداية 3 / 121 وشرحها فتح القدير 6 / 27، والبناية 7 / 160، وتبيين الحقائق 4 / 217، تبصرة الحكام 2 / 80، المهذب 2 / 336، المغني 12 / 61، 62 والشرح الكبير 12 / 67.
(2) حديث ابن عباس - تقدم تخريجه في ف1.
(3) البدائع 9 / 4024، الفتاوى الهندية 3 / 450، والدر المختار 4 / 370، والمهذب 2 / 335.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِ عَلَى مَا يَجِدُهُ مِنْ خَطِّ نَفْسِهِ (1) . وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (2) .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَاضِي يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ شَيْئًا لاَ يَحْفَظُهُ، كَإِقْرَارِ رَجُلٍ أَوْ شَهَادَةِ شُهُودٍ، أَوْ صُدُورِ حُكْمٍ مِنْهُ وَقَدْ خُتِمَ بِخَتْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِي بِذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِهِ (3) .
14 - وَلاَ يُشْتَرَطُ لِلتَّحَمُّل: الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالإِْسْلاَمُ، وَالْعَدَالَةُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ وَقْتَ التَّحَمُّل صَبِيًّا عَاقِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ فَاسِقًا، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ، فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ (4) .

15 - وَأَمَّا شُرُوطُ الأَْدَاءِ: فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّاهِدِ.
وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّهَادَةِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 9 / 4038، 4048، الفتاوى الهندية 3 / 450.
(2) الشرح الكبير 12 / 10، المغني 12 / 22.
(3) شرح أدب القاضي للخصاف تأليف برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز ابن مازة البخاري الحنفي المعروف بالصدر الشهيد 3 / 97، 105.
(4) تبيين الحقائق 4 / 218، الفتاوى الهندية 3 / 450، والقوانين الفقهية (203) ، تبصرة الحكام 1 / 216، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12 / 57، الإقناع 4 / 440، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 84.

وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَشْهُودِ بِهِ.
وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى النِّصَابِ (أَيْ عَدَدِ الشُّهُودِ) .

أَوَّلاً: مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّاهِدِ:
أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ أَهْلاً لِلشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ بِتَوَفُّرِ شُرُوطِهَا فِيهِ. وَمِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ:

(1) - الْبُلُوغُ:
16 - فَلاَ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْطْفَال وَالصِّبْيَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (1) .
وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنَ الرِّجَال لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل أَوْ يُفِيقَ (2) . وَلأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى حِفْظِ أَمْوَالِهِ، فَلأََنْ لاَ يُؤْمَنَ عَلَى حِفْظِ حُقُوقِ غَيْرِهِ أَوْلَى (3) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْل قَبْل أَنْ يَتَفَرَّقُوا، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنْ
__________
(1) سورة البقرة 282.
(2) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة ". أخرجه ابن ماجه (1 / 658 - ط الحلبي) والحاكم (2 / 59 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) المهذب 2 / 325.

يَتَّفِقُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، وَأَنْ لاَ يَدْخُل بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ، وَاخْتُلِفَ فِي إِنَاثِهِمْ (1) .

(2) - الْعَقْل:
17 - فَلاَ تَصِحُّ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعَاقِل إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ لاَ يَعْقِل مَا يَقُولُهُ وَلاَ يَصِفُهُ (2) .
وَسَوَاءٌ أَذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُحَصِّلٍ وَلاَ تَحْصُل الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ: وَلأَِنَّهُ لاَ يَأْثَمُ بِكَذِبِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يُتَحَرَّزُ مِنْهُ (3) "

(3) - الْحُرِّيَّةُ:
18 - فَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، كَسَائِرِ الْوِلاَيَاتِ، إِذْ فِي، الشَّهَادَاتِ نُفُوذُ قَوْلٍ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ نَوْعُ وِلاَيَةٍ؛ وَلأَِنَّ مَنْ فِيهِ رِقٌّ مُشْتَغِلٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ فَلاَ يَتَفَرَّغُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ (4) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى قَبُول شَهَادَتِهِ فِي كُل شَيْءٍ إِلاَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (5) .
(وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: رِقٌّ ج 23 ص 81) .
__________
(1) تبصرة الحكام 2 / 7، الخرشي 7 / 196، والقوانين الفقهية (202) ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12 / 37.
(2) شرح منح الجليل 4 / 217.
(3) المغني 12 / 27.
(4) أسني المطالب 5 / 939.
(5) الشرح الكبير 12 / 65، منتهى الإرادات 2 / 662، الإنصاف 12 / 60.

(4) - الْبَصَرُ:
19 - فَلاَ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْعْمَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُطْلَقًا (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْعْمَى فِي الأَْفْعَال؛ لأَِنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِهَا الْبَصَرُ، وَكَذَا فِي الأَْقْوَال إِلاَّ فِيمَا يَثْبُتُ بِالاِسْتِفَاضَةِ؛ لأَِنَّهَا مُسْتَنَدُهَا السَّمَاعُ وَلَيْسَ الرُّؤْيَةَ، وَإِلاَّ فِي التَّرْجَمَةِ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي لأَِنَّهُ يُفَسِّرُ مَا سَمِعَهُ (2) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الأَْقْوَال دُونَ الأَْفْعَال فِيمَا لاَ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مِنَ الأَْقْوَال إِذَا كَانَ فَطِنًا، وَلاَ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأَْصْوَاتُ، وَتَيَقَّنَ الْمَشْهُودَ لَهُ، وَالْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَلاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ (3) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الأَْعْمَى إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ لأَِنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبُول الرِّوَايَةِ فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْبَصِيرِ؛ وَلأَِنَّ السَّمْعَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الَّتِي يَحْصُل بِهَا الْيَقِينُ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَنْ أَلِفَهُ الأَْعْمَى، وَكَثُرَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ، وَعَرَفَ صَوْتَهُ يَقِينًا، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، فِيمَا تَيَقَّنَهُ كَالْبَصِيرِ، وَلاَ سَبِيل
__________
(1) البدائع 9 / 4023، فتح القدير 6 / 27، الفتاوى الهندية 3 / 464 - 465.
(2) المهذب 2 / 336.
(3) الخرشي 7 / 179، شرح منح الجليل 4 / 221.

إِلَى إِنْكَارِ حُصُول الْيَقِينِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال (1) .
وَذَهَبَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) إِلَى قَبُول شَهَادَتِهِ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ التَّسَامُعُ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ فِيهِ إِلَى السَّمَاعِ، وَلاَ خَلَل فِيهِ (2) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْعْمَى لَوْ تَحَمَّل شَهَادَةً تَحْتَاجُ إِلَى الْبَصَرِ، وَهُوَ بَصِيرٌ، ثُمَّ عَمِيَ فَإِنْ تَحَمَّل عَلَى رَجُلٍ مَعْرُوفٍ بِالاِسْمِ وَالنَّسَبِ يُقِرُّ لِرَجُلٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بَعْدَمَا عَمِيَ، وَتُقْبَل شَهَادَتُهُ لِحُصُول الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تُقْبَل.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ صَوْتَهُ لِكَثْرَةِ إِلْفِهِ لَهُ صَحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ بَصِيرٌ، ثُمَّ عَمِيَ قَبْل الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلاَ يُمْنَعُ الْحُكْمُ بِهَا، كَمَا لَوْ مَاتَ الشَّاهِدَانِ أَوْ غَابَا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ قَبُول
__________
(1) المغني والشرح الكبير 12 / 61.
(2) الهداية 3 / 121، وشرحها فتح القدير 6 / 27، البناية 7 / 160، تبيين الحقائق 4 / 217، المبسوط 16 / 129.

شَهَادَتِهِ فِي الْحَالَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ؛ لأَِنَّ قِيَامَ الأَْهْلِيَّةِ شَرْطٌ وَقْتَ الْقَضَاءِ لِتَصِيرَ حُجَّةً (1) .

(5) - الإِْسْلاَمُ:
20 - الأَْصْل أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُسْلِمًا فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْكُفَّارِ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى مُسْلِمٍ أَمْ عَلَى غَيْرِ مُسْلِمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (2) . وَقَوْلُهُ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (3) . وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَيْسَ مِنَّا وَلأَِنَّهُ أَفْسَقُ الْفُسَّاقِ وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ الْكَذِبُ عَلَى خَلْقِهِ.
وَعَلَى هَذَا الأَْصْل جَرَى مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ (4) .
لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الأَْصْل شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ فَقَدْ أَجَازُوهَا عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} (5) .
__________
(1) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه 4 / 218، ومنح الجليل 4 / 221، وروضة الطالبين 12 / 260، والمغني 12 / 62 و63.
(2) سورة البقرة / 282.
(3) سورة الطلاق / 2.
(4) مواهب الجليل 6 / 150، وأسني المطالب 4 / 339، ومغني المحتاج 4 / 427، والمغني 12 / 53.
(5) سورة المائدة / 106.

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ شَهَادَةَ الذِّمِّيِّينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، وَشَهَادَةَ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى أَمْثَالِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا (1) .

(6) - النُّطْقُ:
21 - فَلاَ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْخْرَسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إِذَا عُرِفَتْ إِشَارَتُهُ وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ قَبُول شَهَادَةِ الأَْخْرَسِ إِذَا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ (2) .

(7) - الْعَدَالَةُ:
22 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (3) . وَلِهَذَا لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْفَاسِقِ.
وَالْعَدَالَةُ عَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِالْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءِ الأَْمَانَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَأَنْ يَكُونَ صَلاَحُهُ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِهِ وَهِيَ شَرْطُ وُجُوبِ الْقَبُول.
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِالصَّلاَحِ فِي الدِّينِ وَهُوَ: أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِرَوَاتِبِهَا، وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَعَدَمُ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَيْضًا
__________
(1) البحر الرائق 7 / 102، 104، المبسوط 16 / 133، 135.
(2) أقرب المسالك 176، التاج والإكليل 6 / 154، مواهب الجليل للحطاب 6 / 154، وروضة الطالبين 11 / 245، وشرح منتهى الإرادات 3 / 545.
(3) سورة الطلاق / 2.

اسْتِعْمَال الْمُرُوءَةِ بِفِعْل مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكِ مَا يُدَلِّسُهُ وَيَشِينُهُ.
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُرُوءَةَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَدَالَةٌ)
وَالْعَدَالَةُ شَرْطُ وُجُوبِ الْقَبُول عَلَى الْقَاضِي لاَ جَوَازِهِ (1) . فَإِذَا تَوَفَّرَتْ فِي الشَّاهِدِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ بِشَهَادَتِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَ الأَْغْلَبُ عَلَى الرَّجُل وَالأَْظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةُ وَالْمُرُوءَةُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الأَْغْلَبُ عَلَى الرَّجُل وَالأَْظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَعْصِيَةَ وَخِلاَفَ الْمُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ (2) .

(8) - التَّيَقُّظُ: أَوِ الضَّبْطُ:
23 - لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ لاَ يَضْبِطُ أَصْلاً أَوْ غَالِبًا لِعَدَمِ التَّوَثُّقِ بِقَوْلِهِ، أَمَّا مَنْ لاَ يَضْبِطُ نَادِرًا وَالأَْغْلَبُ فِيهِ الْحِفْظُ وَالضَّبْطُ فَتُقْبَل قَطْعًا؛ لأَِنَّ أَحَدًا لاَ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ (3) .
__________
(1) مواهب الجليل 6 / 150، وشرح منتهى الإرادات 3 / 546، ومغني المحتاج 4 / 427، شرح أدب القاضي للخصاف تأليف حسام الدين الصدر الشهيد بن مازة البخاري 3 / 8ف 545 وأحكام القرآن للجصاص 1 / 503 - 504، الفتاوى الهندية 3 / 450.
(2) مختصر المزني من كلام الشافعي 5 / 256، الأم 7 48.
(3) القوانين الفقهية (303) ط. بيروت دار الكتاب وتبصرة الحكام 1 / 172، ومغني المحتاج 4 / 436، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 30.

(9) - أَلاَّ يَكُونَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ:
24 - وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (1) .
فَإِنْ تَابَ وَأَصْلَحَ:
فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى قَبُول شَهَادَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ الآْيَةِ السَّابِقَةِ مُبَاشَرَةً: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ قَبُول شَهَادَتِهِ وَلَوْ تَابَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَتُقْبَل فِيمَا عَدَاهُ إِنْ تَابَ (3) .
وَمَنَاطُ الْخِلاَفِ فِي هَذِهِ الآْيَةِ فِي وُرُودِ الاِسْتِثْنَاءِ بَعْدَ مَذْكُورِينَ أَيَشْمَلُهُمْ كُلَّهُمْ أَمْ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؟
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إِلَى الأَْخِيرِ وَهُوَ هُنَا التَّوْبَةُ مِنَ الْفِسْقِ فَقَطْ.
وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَعُودُ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْل عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَنْ جَلَدَهُ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِقَوْلِهِ: تُبْ أَقْبَل شَهَادَتَكَ.
__________
(1) سورة النور / 4.
(2) سورة النور / 5.
(3) الفتاوى الهندية 3 / 450، والحطاب 6 / 161.

وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ (1) .

(10) - الذُّكُورَةُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ:
يُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ
25 - لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: " مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ لاَ شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ".

(11) - عَدَمُ التُّهْمَةِ:
26 - لِلتُّهْمَةِ أَسْبَابٌ مِنْهَا:
أ - أَنْ يَجُرَّ بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ ضُرًّا، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ بِجُرْحٍ قَبْل انْدِمَالِهِ، وَلاَ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالأَْدَاءِ، وَلاَ الإِْبْرَاءِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّافِعِيَّةُ. ب - الْبَعْضِيَّةُ: فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَصْلٍ لِفَرْعِهِ، وَلاَ فَرْعٍ لأَِصْلِهِ، وَتُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ.
ح - الْعَدَاوَةُ: فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدَاوَةِ هُنَا، الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ لاَ الدِّينِيَّةُ، فَتُقْبَل شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، وَالسُّنِّيُّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ، وَكَذَا مَنْ
__________
(1) المستصفي 2 / 174، وفواتح الرحموت (بهامش المستصفي) 1 / 332، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (طبعة محمد علي صبيح) 2 / 135.

أَبْغَضَ الْفَاسِقَ لِفِسْقِهِ لاَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَالْعَدَاوَةُ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ أَنْ تَبْلُغَ حَدًّا يَتَمَنَّى زَوَال نِعْمَتِهِ وَيَفْرَحُ لِمُصِيبَتِهِ، وَيَحْزَنُ لِمَسَرَّتِهِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَيُخَصُّ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ عَلَى الآْخَرِ، وَتُقْبَل شَهَادَةُ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ إِذْ لاَ تُهْمَةَ.
د - أَنْ يَدْفَعَ بِالشَّهَادَةِ عَنْ نَفْسِهِ عَارَ الْكَذِبِ، فَإِنْ شَهِدَ فَاسِقٌ وَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ ثُمَّ تَابَ بِشُرُوطِ التَّوْبَةِ فَشَهَادَتُهُ الْمُسْتَأْنَفَةُ مَقْبُولَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ أَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ الَّتِي رُدَّتْ لَمْ تُقْبَل.
هـ - الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْمُبَادَرَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ (1) .
و الْعَصَبِيَّةُ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ مَنْ عُرِفَ بِهَا وَبِالإِْفْرَاطِ فِي الْحَمِيَّةِ كَتَعَصُّبِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْعَدَاوَةِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (2) .
وَاسْتَدَلُّوا لاِشْتِرَاطِ عَدَمِ التُّهْمَةِ (3) بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ وَلاَ
__________
(1) تبيين الحقائق 4 / 223، والشرح الصغير 4 / 246، والقوانين الفقهية (303، 304) ط. دار الكتاب العربي، وتبصرة الحكام 1 / 154، وروضة الطالبين 11 / 234 - 242، والمهذب 2 / 331، ومغني المحتاج 4 / 433، والمغني 12 / 55 وما بعدها، ومنتهى الإرادات 3 / 555.
(2) منتهى الإرادات 3 / 555.
(3) المهذب 2 / 330.

ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَِهْل الْبَيْتِ (1) .

ثَانِيًا: مَا يَرْجِعُ مِنْ شُرُوطِ الأَْدَاءِ إِلَى الشَّهَادَةِ نَفْسِهَا وَمِنْ ذَلِكَ:
27 - (1) - اشْتِرَاطُ وُجُودِ الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ مِنَ الْمُدَّعِي أَوْ نَائِبِهِ. أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا وُجُودُ الدَّعْوَى عَلَى رَأْيِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (2) .
(2) - مُوَافَقَتُهَا لِلدَّعْوَى (كَمَا سَيَرِدُ تَفْصِيلُهُ) .
(3) - الْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال.
(4) - اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ (كَمَا سَيَرِدُ تَفْصِيلُهُ) .
(5) - تَعَذُّرُ حُضُورِ الأَْصْل (وَهَذَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) كَمَا سَيَأْتِي.
(6) - أَنْ تُؤَدَّى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ. بِأَنْ يَقُول: أَشْهَدُ بِكَذَا وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي مَا يَدُل عَلَى
__________
(1) حديث: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ". أخرجه أحمد (2 / 204 - ط، الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو، قوى إسناده ابن حجر في التلخيص (2 / 198 -. ط. شركة الطباعة الفنية) . وذو الغمر: ذو الحقد، والقانع: الخادم الذي انقطع لخدمة أهل البيت.
(2) الدر المختار 4 / 370.

حُصُول عِلْمِ الشَّاهِدِ كَأَنْ يَقُول: رَأَيْتُ كَذَا أَوْ سَمِعْتُ كَذَا وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُول: أَشْهَدُ. (1)
ثَالِثًا: مَا يَرْجِعُ مِنْ شُرُوطِ الأَْدَاءِ إِلَى الْمَشْهُودِ بِهِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ:
(28) - (1) - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِمَجْهُولٍ فَلاَ تُقْبَل. وَذَلِكَ لأَِنَّ شَرْطَ صِحَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَعْلُومًا.
(2) - كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ مَالاً أَوْ مَنْفَعَةً فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا شَرْعًا.

رَابِعًا: مَا يَرْجِعُ مِنْ شُرُوطِ الأَْدَاءِ إِلَى نِصَابِ الشَّهَادَةِ:
29 - يَخْتَلِفُ عَدَدُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ بِحَسَبِ الْمَوْضُوعِ الْمَشْهُودِ بِهِ:
أ - مِنَ الشَّهَادَاتِ مَا لاَ يُقْبَل فِيهِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، لاَ امْرَأَةَ بَيْنَهُمْ وَذَلِكَ فِي الزِّنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. .} (2) الآْيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .} (3) الآْيَةَ. وقَوْله تَعَالَى
__________
(1) البدائع 6 / 273، والشرح الصغير 2 / 348 ط. الحلبي، والمغني 9 / 216، الطبعة الثالثة، والجمل على شرح المنهج 5 / 377.
(2) سورة النور / 4.
(3) سورة النور / 13.

: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} . (1)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَال يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَال: نَعَمْ. (2)
ب - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى مَنْ عُرِفَ بِغِنًى أَنَّهُ فَقِيرٌ لأَِخْذِ زَكَاةٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ ثَلاَثَةِ رِجَالٍ، يَشْهَدُونَ لَهُ. (3)
لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ. (4)
ج - وَمِنْهَا مَا يُقْبَل فِيهِ شَاهِدَانِ لاَ امْرَأَةَ فِيهِمَا، وَهُوَ مَا سِوَى الزِّنَى مِنَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَالْجَلْدِ فِي الْخَمْرِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال غَالِبًا، مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ مَالٌ: كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالإِْيلاَءِ، وَالظِّهَارِ، وَالنَّسَبِ، وَالإِْسْلاَمِ،
__________
(1) سورة النساء / 15.
(2) حديث أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إن وجدت. . " أخرجه مسلم (2 / 1135 ط الحلبي) .
(3) شرح منتهى الإرادات 3 / 556.
(4) حديث قبيصة: " حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا. . " أخرجه مسلم (2 / 722 - ط الحلبي) .

وَالرِّدَّةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيل، وَالْمَوْتِ وَالإِْعْسَارِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لاَ امْرَأَةَ فِيهِمَا. (1)
وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ فِي الطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
فَأَمَّا الطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . (2)
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَقَوْلُهُ: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} . (3)
وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي النِّكَاحِ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ. (4)
وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: " مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلاَ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ.
__________
(1) الشرح الكبير 12 / 84، تبصرة الحكام 1 / 265، روضة الطالبين للنووي 11 / 253، والمغني 12 / 6.
(2) سورة الطلاق / 2.
(3) سورة المائدة / 106.
(4) حديث: " لا نكاح إلا بولي ". أخرجه البيهقي (7 / 125 - ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، وإسناده صحيح.

وَقِيسَ عَلَيْهَا مَا شَارَكَهَا فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ. (1)
د - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا يُقْبَل فِيهِ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ هُوَ مَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَقُّ مَالاً أَمْ غَيْرَ مَالٍ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ. (2)
وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} . (3) وَقَصَرَ الْجُمْهُورُ قَبُول شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الرَّجُل وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَالٌ أَوْ بِمَعْنَى الْمَال، كَالْبَيْعِ، وَالإِْقَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ، وَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، كَالْخِيَارِ، وَالأَْجَل، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (4)
وَأَجَازُوا فِيهِ أَنْ يَثْبُتَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي.
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 442، نهاية المحتاج 8 / 295.
(2) الهداية 3 / 117، فتح القدير 6 / 7، الفتاوى الهندية 3 / 451، المبسوط 16 / 115.
(3) سورة البقرة / 282.
(4) الشرح الكبير 12 / 90، حاشية الدسوقي 4 / 87، حاشية الخرشي 4 / 201، مغني المحتاج 4 / 41 نهاية المحتاج 8 / 294 - 295، روضة الطالبين 11 / 254، 278، المغني 12 / 9.

وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. (1)
وَلَمْ يُجِزِ الْحَنَفِيَّةُ الْقَضَاءَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ الآْثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الشَّأْنِ لاَ تَثْبُتُ عِنْدَهُمْ (2) .
هـ - وَمِنْهَا مَا تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَهُوَ الْوِلاَدَةُ وَالاِسْتِهْلاَل وَالرَّضَاعُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَال الأَْجَانِبُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَسْتُورَةِ.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الأُْمُورُ مِنَ النِّسَاءِ. (3) عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل فِي الْوِلاَدَةِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ غَيْرِ الْقَابِلَةِ إِلاَّ مَعَ غَيْرِهَا.
__________
(1) حديث: " قضى بيمين وشاهد ". أخرجه مسلم (3 / 1337 - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(2) انظر شرح أدب القاضي للخصاف تأليف حسام الدين الصدر الشهيد 4 / 455. الفقرة 1499.
(3) انظر هذه المذاهب في كتاب الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة 3877 وانظر المغني: 12 / 16 - 17، والشرح الكبير 12 / 97 - 98، والمبسوط 16 / 142 - 144، جواهر العقود 2 / 438، معين الحكام: 94 - 95، سنن البيهقي 10 / 151، بداية المجتهد 2 / 454، شرح الزرقاني على موطأ مالك 4 / 380.

وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (1) .
الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ عَدْلَةٍ قَابِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، إِلاَّ وِلاَدَةَ الْمُطَلَّقَةِ فَلاَ تُقْبَل فِيهَا شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ (2) اسْتِدْلاَلاً بِمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ. (3)
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا أَجَازَا شَهَادَتَهَا (4) .
الثَّالِثُ: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُنَّ لَمَّا قُمْنَ فِي انْفِرَادِهِنَّ مَقَامَ الرِّجَال، وَجَبَ أَنْ يَقُمْنَ فِي الْعَدَدِ مَقَامَ الرِّجَال، وَأَكْثَرُ عَدَدِ الرِّجَال اثْنَانِ، فَاقْتَضَى أَنْ
__________
(1) المغني 12 / 16 - 17، الشرح الكبير 12 / 98، الإنصاف 12 / 86.
(2) الهداية 3 / 117، المبسوط 16 / 143، معين الحكام: 94، الفتاوى الهندية 3 / 451.
(3) حديث حذيفة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة ". أخرجه الدارقطني (4 / 233 - ط دار المحاسن) والبيهقي (10 / 151 - ط. دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالانقطاع.
(4) روى ذلك عبد الرزاق عن عمر (المصنف: 8 / 334 الحديث 15429) ورواه الدارقطني عن علي موقوفا (سنن الدارقطني 4 / 233) وانظره في السنن الكبرى (10 / 151 وفي إسناده مقال (نصب الراية 4 / 80) والدراية (2 / 171 ضمن الحديث 827) .

يَكُونَ أَكْثَرُ عَدَدِ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ (1)
الرَّابِعُ: هُوَ مَا حُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ تُقْبَل ثَلاَثُ نِسْوَةٍ، وَلاَ يُقْبَل أَقَل مِنْهُنَّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ. وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ضَمَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ إِلَى الرَّجُل فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبْدَل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَيَصِرْنَ ثَلاَثًا. (2)
الْخَامِسُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي ذَلِكَ أَقَل مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. (3)
قَال الشَّافِعِيُّ: لأَِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل حَيْثُ أَجَازَ الشَّهَادَةَ انْتَهَى بِأَقَلِّهَا إِلَى شَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَأَقَامَ الثِّنْتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ، حَيْثُ أَجَازَهُمَا فَإِذَا أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا يَغِيبُ عَنِ الرِّجَال لَمْ يَجُزْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُجِيزُوهَا إِلاَّ عَلَى أَصْل حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل فِي الشَّهَادَاتِ، فَيَجْعَلُونَ كُل امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَإِذَا فَعَلُوا لَمْ يَجُزْ إِلاَّ أَرْبَعٌ، وَهَكَذَا
__________
(1) المدونة الكبرى 5 / 158، تبصرة الحكام 1 / 295، والقوانين الفقهية 315 ط. تونس. تنوير الحوالك 2 / 110، وانظر المغني 12 / 17.
(2) كتاب الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة 3877، والمغني 12 / 17، والشرح الكبير 12 / 98.
(3) الأم 6 / 267، 7 / 43، مختصر المزني 5 / 248، كتاب الشهادات من الحاوي الكبير: الفقرة 3877، السنن الكبرى 10 / 151، مغني المحتاج 4 / 442، نهاية المحتاج 8 / 296، المهذب 2 / 335.

الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ ذِكْرُهُ - وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. (1)
و وَمِنْهَا مَا تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَتُقْبَل شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْل بِمُفْرَدِهِ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ اسْتِدْلاَلاً بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَل، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. (2)
وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَل، فَقَال: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ وَأَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: يَا بِلاَل أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا. (3)
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تُقْبَل شَهَادَةُ الطَّبِيبِ الْوَاحِدِ فِي الشِّجَاجِ، وَالْبَيْطَارِ فِي عُيُوبِ الدَّوَابِّ.
__________
(1) الأم 6 / 267.
(2) حديث ابن عمر: " تراءى الناس الهلال ". أخرجه أبو داود (2 / 756 - 757 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 423 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(3) حديث: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه الترمذي (3 / 65 - ط الحلبي) والنسائي (4 / 132 - ط المكتبة التجارية) ورجحا إرساله.

وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ بِتَكْلِيفٍ مِنَ الإِْمَامِ.
وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِمَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. (1)

حُكْمُ الإِْشْهَادِ:
30 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ عَلَى الْعُقُودِ بَيْنَ عُقُودِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا: فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَاجِبٌ وَشَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ. (2)
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ إِذَا تَمَّ الإِْعْلاَنُ. (3)
أَمَّا عُقُودُ الْبُيُوعِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ وَاجِبٌ. (4)
قَال عَطَاءٌ: أَشْهِدْ إِذَا بِعْتَ وَإِذَا
__________
(1) الأم 2 / 80 ونجد رأيه الثاني في الموضع نفسه أنه لا يجوز إلا شاهدان. وانظر مختصر المزني 2 / 3، وانظر نهاية المحتاج 3 / 149، مغني المحتاج 1 / 420 - 421، حاشية البجيرمي على الخطيب 2 / 324، تبصرة الحكام 1 / 229، والمغني مع الشرح الكبير 3 / 8، وشرح منتهى الإرادات 3 / 557، الهداية 1 / 121 وشروحها: فتح القدير 2 / 59، البناية 3 / 288.
(2) الحديث تقدم تخريجه ف29.
(3) المدونة الكبرى المجلد الثاني ص192، تبصرة الحكام 1 / 209.
(4) انظر تفسير القرطبي 3 / 402، جواهر العقد 2 / 428، بداية المجتهد 2 / 452، الشهادات من الحاوي الفقرة 3809

اشْتَرَيْتَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ ثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل يَقُول: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (1) .
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ، إِلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} لِلنَّدْبِ وَلَيْسَ لِلْوُجُوبِ، لِوُرُودِ الآْيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} (2) . فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ. (3)
وَلِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلَهُ وَاسْتَثْنَى ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ (4) .
فَدَل ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ.
وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدَ، وَبَاعَ فِي أَحْيَانٍ أُخْرَى وَاشْتَرَى، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، (5) وَلَمْ يُشْهِدْ.
__________
(1) سورة البقرة / 282.
(2) سورة البقرة / 283.
(3) المبسوط 16 / 112، تبصرة الحكام 1 / 209، الأم 3 / 76 - 77، مختصر المزني 5 / 246، المهذب 2 / 324، نهاية المحتاج 8 / 277، سنن البيهقي 10 / 145، تفسير القرطبي 3 / 402، تفسير ابن كثير 1 / 336.
(4) حديث جابر: أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. أخرجه البخاري (الفتح 4 / 485 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1222 - ط. الحلبي) .
(5) حديث " رهن درعه عند يهودي " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 142 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1226 - ط الحلبي) من حديث عائشة

وَلَوْ كَانَ الإِْشْهَادُ أَمْرًا وَاجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ الْمُنَازَعَةِ. (1)
قَال ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَالْوُجُوبُ فِي ذَلِكَ قَلِقٌ، أَمَّا فِي الدَّقَائِقِ فَصَعْبٌ شَاقٌّ، وَأَمَّا مَا كَثُرَ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ التَّاجِرُ الاِسْتِئْلاَفَ بِتَرْكِ الإِْشْهَادِ، وَقَدْ يَكُونُ عَادَةً فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ، وَقَدْ يُسْتَحَى مِنَ الْعَالِمِ وَالرَّجُل الْكَبِيرِ الْمُوَقَّرِ فَلاَ يُشْهِدُ عَلَيْهِ، فَيَدْخُل ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الاِئْتِمَانِ، وَيَبْقَى الأَْمْرُ بِالإِْشْهَادِ نَدْبًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي الأَْغْلَبِ مَا لَمْ يَقَعْ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْهُ) (2)

مُسْتَنَدُ عِلْمِ الشَّاهِدِ:
31 - الأَْصْل فِي الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . (3)
وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} . (4)
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَلاَ تَصِحُّ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ.
وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُل يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَال لِي: يَا ابْنَ
__________
(1) تفسير القرطبي 3 / 403.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (طبعة القاهرة) 2 / 298، وانظر تفسير القرطبي 3 / 403
(3) سورة الزخرف / 86
(4) سورة يوسف / 81

عَبَّاسٍ لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ. (1)
وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا أَقْوَى أَسْبَابِ الْعِلْمِ وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ وَالْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ.
لَكِنَّ الأُْمُورَ الْمَشْهُودَ بِهَا قَدْ تَتَفَاوَتُ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْصِيل الْعِلْمِ بِهَا:
فَمِنْهَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعَايِنَهُ الشَّاهِدُ كَالْقَتْل، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالرَّضَاعِ، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ هَذِهِ الأُْمُورَ إِلاَّ بِالْمُعَايَنَةِ بِبَصَرِهِ.
فَمِنْهَا أُمُورٌ لاَ يَصِحُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إِلاَّ بِالسَّمَاعِ وَالْمُعَايَنَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ فِي عُقُودِ النِّكَاحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالإِْجَارَاتِ، وَالطَّلاَقِ؛ لأَِنَّ الأَْصْوَاتَ قَدْ تَشْتَبِهُ، وَيَكْتَفِي الْحَنَابِلَةُ فِيهَا بِالسَّمَاعِ إِذَا عَرَفَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَقِينًا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلاَمُهُمَا. (2)
وَمِنْهَا مَا يَحْصُل عِلْمُهُ بِهَا عَنْ طَرِيقِ سَمَاعِ الأَْخْبَارِ الشَّائِعَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُسْتَفِيضَةِ،
__________
(1) الحديث تقدم تخريجه.
(2) الدر المختار 4 / 375، والقوانين الفقهية (205) ط دار القلم بيروت، روضة الطالبين 11 / 259، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 19

الْمَرْتَبَةِ السَّابِقَةِ يَكُونُ مَصْدَرُهَا سَمَاعًا مُسْتَفِيضًا لَمْ يَبْلُغْ فِي اسْتِفَاضَتِهِ حَدَّ الأُْولَى، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْمَقْصُودُ بِكَلاَمِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِمُ الْحَدِيثَ عَلَى شَهَادَةِ السَّمَاعِ، أَوِ الشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ، أَوْ بِالتَّسَامُعِ. (1) وَهِيَ الَّتِي قَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: " إِنَّهَا لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَخْرُجُ - بِذَلِكَ - شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْل. (2) وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اعْتِمَادِهَا قَضَاءً لِلضَّرُورَةِ، أَوِ الْحَاجَةِ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ اخْتَلَفَتْ كَمَا بِاخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي تَحْدِيدِ مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ، وَضَبْطِ الْقُيُودِ الَّتِي تَعُودُ إِلَيْهَا، وَالثَّابِتُ عِنْدَ الدَّارِسِينَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَذَاهِبِ الإِْسْلاَمِيَّةِ تَسَامُحًا فِي الأَْخْذِ بِهَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ. (3)
وَأَفَاضَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، حَيْثُ بَيَّنَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ النَّظَرَ فِي شَهَادَةِ السَّامِعِ يَتَنَاوَل الْجَوَانِبَ التَّالِيَةَ:

الأَْوَّل: الصِّفَةُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا:
32 - الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّل
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 346، 347، التاودي والتسولي على التحفة 1 / 132.
(2) الحدود بشرح الرصاع ص455، المطبعة التونسية س. 1350هـ. مواهب الجليل مع التاج والإكليل 6 / 191، 192، جواهر الإكليل 2 / 242، التاودي والتسولي على التحفة 1 / 132.
(3) الفروق للقرافي 4 / 55، دار إحياء الكتب العربية ط 1 / س 1346هـ.

أَنْ يَقُول الشُّهُودُ - عِنْدَ تَأْدِيَتِهَا - " سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْل الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ - مَثَلاً - صَدَقَةٌ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ "، أَيْ: لاَ بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُدُول، وَغَيْرِ الْعُدُول فِي الْمَنْقُول عَنْهُمْ. (1) وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا: " إِنَّا لَمْ نَزَل نَسْمَعُ مِنَ الثِّقَاتِ، أَوْ سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْل الْعَدْل ". (2) وَهُوَ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ حَصْرَ مَصْدَرِ سَمَاعِهِمْ فِي الثِّقَاتِ وَالْعُدُول يُخْرِجُهَا مِنَ السَّمَاعِ إِلَى النَّقْل وَهُوَ مَوْضُوعٌ آخَرُ. (3)
قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَلاَ يَكُونُ السَّمَاعُ بِأَنْ يَقُولُوا: " سَمِعْنَا مِنْ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ " يُسَمُّونَهُمْ أَوْ يَعْرِفُونَهُمْ، إِذْ لَيْسَتْ - حِينَئِذٍ - شَهَادَةَ تَسَامُعٍ بَل هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ. (4)
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الاِكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِمْ: " سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا ". (5) دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى إِضَافَةٍ " مِنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ " حَيْثُ لاَ عِبْرَةَ بِذِكْرٍ
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 347، مواهب الجليل مع التاج والإكليل 6 / 191 - 192، جواهر الإكليل 2 / 242، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم 1 / 132.
(2) المصادر السابقة.
(3) نفس المصادر المذكورة سابقا - شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص455.
(4) تبصرة الحكام 1 / 347.
(5) انظر شهادة السماع في الأحباس والمواريث من المدونة الكبرى 5 / 171، دار صادر - بيروت.

كَالنَّسَبِ، وَالْمِلْكِ، وَالْمَوْتِ، وَالْوَقْفِ.
فَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا مُعْتَمِدًا عَلَى التَّسَامُعِ.

الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ وَالتَّسَامُعِ:
الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ بِاعْتِبَارِ دَرَجَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِل بِهَا:

الْمَرْتَبَةُ الأُْولَى:
33 - تُفِيدُ عِلْمًا جَازِمًا مَقْطُوعًا بِهِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا: بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ الْمُتَوَاتِرِ كَالسَّمَاعِ بِوُجُودِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَغْدَادَ وَالْقَاهِرَةِ وَالْقَيْرَوَانِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُدُنِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي ثَبَتَ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا سَمَاعًا عِنْدَ كُل مَنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا مُشَاهَدَةً مُبَاشَرَةً فَهَذِهِ عِنْدَ حُصُولِهَا تَكُونُ - مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الْقَبُول وَالاِعْتِبَارِ - بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ إِجْمَاعًا (1) .

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ:
34 - تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنَ الْقَطْعِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا: بِالاِسْتِفَاضَةِ مِنَ الْخَلْقِ الْغَفِيرِ: كَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَوْثَقِ مَنْ أَخَذَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُعْتَبَرُ الصَّاحِبَ الأَْوَّل لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 345، 346، البهجة في شرح التحفة 1 / 132، مطبعة حجازي بالقاهرة، حلي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم 1 / 132 بهامش البهجة.

قَبُول هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَوُجُوبِ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِذَا رُئِيَ الْهِلاَل رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً مِنْ جَمٍّ غَفِيرٍ وَشَاعَ أَمْرُهُ بَيْنَ أَهْل الْبَلَدِ لَزِمَ الْفِطْرُ أَوِ الصَّوْمُ مَنْ رَآهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَدُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِثْبَاتِ تَعْدِيل نَقَلَتِهِ. (1)
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَالْمَحْكُومِينَ:
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إِلَى السُّؤَال عَنْهُ لاِسْتِفَاضَةِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ سَمَاعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَسْأَل عَنْهُ لاِشْتِهَارِ جُرْحَتِهِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْكَشْفِ عَمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لاَ بِهَذِهِ وَلاَ بِتِلْكَ. (2)
وَقَدْ تَنَاقَل الْفُقَهَاءُ، وَأَصْحَابُ التَّرَاجِمِ، أَنَّ ابْنَ أَبِي حَازِمٍ شَهِدَ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَال لَهُ الْقَاضِي: أَمَّا الاِسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّكَ ابْنَ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَال عَنْهَا، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ مَعَ أَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ شَخْصُهُ. (3)

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ:
35 - تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا دُونَ الظَّنِّ الْمَذْكُورِ فِي
__________
(1) المصادر السابقة.
(2) تبصرة الحكام 1 / 346، 347. التاودي على التحفة 1 / 132.
(3) طبقات الفقهاء للشيرازي ص146، دار الرائد العربي بيروت، المدارك لعياض 3 / 9 - 12 الطبعة المغربية.

الْعُدُول فِي الْمَنْقُول عَنْهُمْ خِلاَفًا لِمَا يَرَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَاجِشُونَ (1) .

وَالثَّانِي: شُرُوطُ قَبُولِهَا:
36 - وَأَهَمُّهَا بِاخْتِصَارٍ:
(1) أَنْ تَكُونَ مِنْ عَدْلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَيُكْتَفَى بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلاَفًا لِمَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْتَفَى فِيهَا إِلاَّ بِأَرْبَعَةٍ عُدُولٍ. (2)
(2) السَّلاَمَةُ مِنَ الرِّيَبِ: فَإِنْ شَهِدَ ثَلاَثَةٌ عُدُولٌ مَثَلاً عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْحَيِّ أَوْ فِي الْقَبِيلَةِ مِائَةُ رَجُلٍ فِي مِثْل سِنِّهِمْ لاَ يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنِ الْمَشْهُودِ فِيهِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُرَدُّ لِلرِّيبَةِ الَّتِي حُفَّتْ بِهَا، فَإِذَا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ قُبِلَتْ، كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى أَمْرٍ مَا، شَيْخَانِ قَدِ انْقَرَضَ جِيلُهُمَا، فَلاَ تُرَدُّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَدْلاَنِ طَارِئَانِ بِاسْتِفَاضَةِ مَوْتٍ، أَوْ وِلاَيَةٍ، أَوْ عَزْلٍ، قَدْ حَدَثَ بِبَلَدِهِمَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا - فِي الْغُرْبَةِ - غَيْرُهُمَا، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا مَقْبُولَةٌ لِلْغَرَضِ نَفْسِهِ. (3)
(3) أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا، وَهَذَا الْقَدْرُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ دَاخِل الْمَذْهَبِ
__________
(1) مواهب الجليل 6 / 192، التاج والإكليل 6 / 192، تبصرة الحكام 1 / 347.
(2) تبصرة الحكام 1 / 347، 348، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم 1 / 138.
(3) تبصرة الحكام 1 / 348، التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم 1 / 137.

الْمَالِكِيِّ وَخَارِجَهُ. (1) إِلاَّ أَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا كَمَا تَقَدَّمَ فِي إِضَافَةِ: " مِنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ " أَوْ " مِنَ الثِّقَاتِ " فَقَطْ، أَوْ عَدَمِ إِضَافَتِهِمَا. (2)
(4) أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ: فَلاَ يَقْضِي الْقَاضِي لأَِحَدٍ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ إِلاَّ بَعْدَ يَمِينِهِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ أَصْل السَّمَاعِ الَّذِي فَشَا وَانْتَشَرَ مَنْقُولاً عَنْ وَاحِدٍ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لاَ بُدَّ مَعَهُ مِنَ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى الْمَالِيَّةِ. (3)

الثَّالِثُ: مَحَالُّهَا: أَيِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقْبَل فِيهَا شَهَادَةُ السَّمَاعِ.
37 - سَلَكَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْخُصُوصِ - لِتَحْدِيدِ هَذِهِ الْمَحَال الْمَرْوِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ - ثَلاَثَ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّذِي يَرْوِي أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا لاَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ، وَلاَ يَنْتَقِل الْمِلْكُ فِيهِ، كَالْمَوْتِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَقْفِ، وَنَصَّ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي النِّكَاحِ. (4)
__________
(1) المغني مع الشرح الكبير 12 / 24، تبصرة الحكام 1 / 348، 349، مواهب الجليل 6 / 191، 192.
(2) انظر: المدونة الكبرى 5 / 171، البيان والتحصيل 1 / 153، 154، جواهر الإكليل 2 / 241، الكافي في فقه أهل المدينة 2 / 903، وما بعدها لابن عبد البر، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض ط1 س 1398هـ = 1978م.
(3) البهجة شرح التحفة 1 / 138، تبصرة الحكام 1 / 348.
(4) تهذيب الفروق 4 / 101 بهامش الفروق للقرافي.

الثَّانِيَةُ: لاِبْنِ رُشْدٍ الْجَدِّ: حَكَى فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: تُقْبَل فِي كُل شَيْءٍ، لاَ تُقْبَل فِي شَيْءٍ، تُقْبَل فِي كُل شَيْءٍ مَا عَدَا النَّسَبَ، وَالْقَضَاءَ وَالنِّكَاحَ وَالْمَوْتَ، إِذْ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ اسْتِفَاضَةً يَحْصُل بِهَا الْقَطْعُ لاَ الظَّنُّ، وَرَابِعُ الأَْقْوَال عَكْسُ السَّابِقِ، لاَ تُقْبَل إِلاَّ فِي النَّسَبِ وَالْقَضَاءِ، وَالنِّكَاحِ وَالْمَوْتِ. (1)
وَالثَّالِثَةُ: لاِبْنِ شَاسٍ، وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: إِنَّهَا تَجُوزُ فِي مَسَائِل مَعْدُودَةٍ، أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى عِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ وَأَنْهَاهَا أَحَدُهُمْ إِلَى تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ. (2)
مِنْهَا: النِّكَاحُ، وَالْحَمْل، وَالْوِلاَدَةُ، وَالرَّضَاعُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمَوْتُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْحْبَاسُ، وَالضَّرَرُ، وَتَوْلِيَةُ الْقَاضِي وَعَزْلُهُ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ، وَالْوَصِيَّةُ، وَفِي الصَّدَقَاتِ، وَالأَْحْبَاسِ الَّتِي تَقَادَمَ أَمْرُهَا، وَطَال زَمَانُهَا، وَفِي الإِْسْلاَمِ وَالرِّدَّةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَالتَّجْرِيحِ، وَالْمِلْكِ لِلْحَائِزِ. (3)
__________
(1) البيان والتحصيل 10 / 153، 154.
(2) المصدر السابق ص101، 102.
(3) القوانين الفقهية لابن جزي ص205 دار القلم بيروت ط1 س1977م، تبصرة الحكام 1 / 349، الكافي لابن عبد البر 2 / 903 - 906 مواهب الجليل 6 / 192 - 194 مع التاج والإكليل، تهذيب الفروق 4 / 101 - 102، جواهر الإكليل 2 / 242، 243، التاودي مع التسولي على تحفة ابن عاصم جـ1 ص132 - 137.

أَمَّا بَقِيَّةُ الأَْئِمَّةِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ شَهَادَةِ التَّسَامُعِ فِي النَّسَبِ وَالْوِلاَدَةِ لِلضَّرُورَةِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ، فَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لاَسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةِ بِهِ، إِذْ لاَ سَبِيل إِلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ وَلاَ تُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْمُشَاهَدَةُ لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ وَلاَ أُمَّهُ وَلاَ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ. (1)
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تَجُوزُ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ - فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ، وَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَالْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ، وَالْمَوْتِ، وَالْعِتْقِ، وَالْوَلاَءِ، وَالْوِلاَيَةِ، وَالْعَزْل، مُعَلِّلِينَ رَأْيَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ تَتَعَذَّرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا غَالِبًا بِمُشَاهَدَتِهَا أَوْ مُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا، فَلَوْ لَمْ تُقْبَل فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ لأََدَّى ذَلِكَ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَتَعْطِيل الأَْحْكَامِ وَضَيَاعِ الْحُقُوقِ. (2)
وَيَرَى الْبَعْضُ الآْخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا لاَ تُقْبَل فِي الْوَقْفِ، وَالْوَلاَءِ، وَالْعِتْقِ وَالزَّوْجِيَّةِ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِيهَا
__________
(1) المغني مع الشرح الكبير 2ا / 24.
(2) المغني مع الشرح الكبير 12 / 24.

بِالْقَطْعِ حَيْثُ إِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ. (1)
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ تَصِحُّ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ وَالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ، وَلاَ تُقْبَل فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا شَهَادَةً بِمَالٍ، وَمَا دَامَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ لاَ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ، وَأَمَّا صَاحِبَاهُ فَقَدْ نَصَّا عَلَى قَبُولِهَا فِي الْوَلاَءِ مِثْل عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (2) .

شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ:
38 - قَال ابْنُ فَرْحُونَ: التَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ يَكُونُ عَلاَمَةً يُسْتَدَل بِهَا. قَال ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ قَال لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْقَوَافِل وَالرِّفَاقِ تَمُرُّ بِأُمَّهَاتِ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ فَتَقَعُ بَيْنَهُمُ الْخُصُومَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمَدِينَةِ الَّتِي حَلُّوا بِهَا، أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مِمَّنْ جَمَعَهُ ذَلِكَ السَّفَرُ، وَوُجْهَةُ تِلْكَ الْمُرَافَقَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلاَ سَخْطَةٍ إِلاَّ عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلاَتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ خَاصَّةً مِنَ الأَْسْلاَفِ
__________
(1) نفس المصدر السابق.
(2) بدائع الصنائع 6 / 266، 267، المغني مع الشرح الكبير 12 / 24.

وَالأَْكْرِيَةِ، وَالْبُيُوعِ، وَالأَْشْرِبَةِ، كَانُوا مِنْ أَهْل بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَهْل بَلَدَيْنِ مَتَى كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ أَهْل الْقَرْيَةِ، أَوِ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيهَا، أَوْ مَعْرُوفًا مِنْ غَيْرِهَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ جَمَعَهُ وَإِيَّاهُمْ ذَلِكَ السَّفَرُ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى كَرْيِهِمْ فِي كُل مَا عَمِلُوهُ بِهِ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَالاَ (أَيْ: مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) : وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ عَلَى وَجْهِ الاِضْطِرَارِ مِثْل مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لاَ يَحْضُرُهُ الرِّجَال، مِثْل مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحَاتِ. قَالاَ: وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي كُل حَقٍّ كَانَ ثَابِتًا فِي دَعْوَاهُمْ قَبْل سَفَرِهِمْ، إِلاَّ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ.
قَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلاَ يُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ تَجْرِيحِ هَؤُلاَءِ الشُّهُودِ، لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا أُجِيزُوا عَلَى التَّوَسُّمِ فَلَيْسَ فِيهِمْ جُرْحَةٌ إِلاَّ أَنْ يَسْتَرِيبَ الْحَاكِمُ فِيهِمْ قَبْل حُكْمِهِ بِشَهَادَتِهِمْ بِسَبَبِ قَطْعِ يَدٍ، أَوْ جَلْدٍ فِي ظَهْرٍ فَلْيَتَثَبَّتْ فِي تَوَسُّمِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ انْتِفَاءُ تِلْكَ الرِّيبَةِ، وَإِلاَّ أَسْقَطَهُمْ. قَال: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَامْرَأَةٌ، أَوْ عَدْلٌ، وَتَوَسَّمَ فِيهِمْ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ قُبِلُوا بِالتَّوَسُّمِ عَبِيدٌ أَوْ مَسْخُوطُونَ، فَإِنْ كَانَ قَبْل الْحُكْمِ تَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِمْ فَلاَ يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ

أَنْ يَشْهَدَ عَدْلاَنِ: أَنَّهُمَا كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ مَسْخُوطَيْنِ قَال: وَلاَ يُقْبَل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي سَرِقَةٍ، وَلاَ زِنًا، وَلاَ غَصْبٍ، وَلاَ تَلَصُّصٍ، وَلاَ مُشَاتَمَةٍ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْمَال فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ.
قَال ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ يَعْنِي شَهَادَةَ التَّوَسُّمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ خِلاَفُ ظَاهِرِ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ، لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَنْ تُعْرَفَ عَدَالَتُهُمْ. انْتَهَى.
ثُمَّ قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْغُرَبَاءِ حَيْثُ لاَ تَكُونُ ضَرُورَةٌ مِثْل شَهَادَتِهِمْ فِي الْحَضَرِ (1)

أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ:
39 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: لاَ يَحِل لِلشَّاهِدِ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ الشَّهَادَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (2) لأَِنَّ إِقَامَتَهَا فَرْضٌ، قَال تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} . (3)
أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا يَسْتَدْعِي تَرْكَ عَمَلِهِ وَتَحَمُّل
__________
(1) تبصرة الحكام 2 / 5 - 6.
(2) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12 / 6، الشرح الكبير 12 / 5، المغني 12 / 9، أدب القضاء لابن أبي الدم الشافعي 2 / 4.
(3) سورة الطلاق / 2.

الْمَشَقَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَهُ أُجْرَةُ الرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعِ الأَْدَاءِ. (1) قَال تَعَالَى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} . (2)
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى: الْجَوَازِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ إِنْفَاقَ الإِْنْسَانِ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَالشَّهَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلاَ يُشْتَغَل عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ. وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أُجْرَةً كَمَا يَجُوزُ عَلَى كَتْبِ الْوَثِيقَةِ. (3)

تَعْدِيل الشُّهُودِ:
40 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ، وَلاَ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالسُّؤَال وَالتَّزْكِيَةِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الاِكْتِفَاءِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ. (4)
وَفِي تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَزْكِيَةٌ) .

تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ الْيَمِينَ:
41 - قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: حُكِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ، وَقَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ: أَنَّهُ حَلَّفَ شُهُودًا فِي تَرِكَةٍ " بِاللَّهِ إِنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ
__________
(1) المراجع المذكورة، والدر المختار 4 / 370، وحاشية الدسوقي 4 / 199، والشرح الصغير 4 / 285.
(2) سورة البقرة / 282.
(3) المغني 12 / 19، والمهذب 2 / 325. -
(4) الهداية 3 / 118، فتح القدير 6 / 12، الفتاوى الهندية 3 / 527.

لَحَقٌّ ". وَعَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَال: أَرَى لِفَسَادِ النَّاسِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ.
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ. وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْلِيفَ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ غَيْرِ أَهْل الْمِلَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَكَذَا. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ بِتَحْلِيفِ الْمَرْأَةِ إِذَا شَهِدَتْ فِي الرَّضَاعِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَال الْقَاضِي: لاَ يَحْلِفُ الشَّاهِدُ عَلَى أَصْلِنَا إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ وَذَكَرَ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ قَال: (قَال شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) هَذَانِ الْمَوْضِعَانِ قُبِل فِيهِمَا الْكَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهَا لِلضَّرُورَةِ، فَقِيَاسُهُ أَنَّ كُل مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِلضَّرُورَةِ اسْتُحْلِفَ (قَال ابْنُ الْقَيِّمِ) : وَإِذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَرِّقَ الشُّهُودَ إِذَا ارْتَابَ بِهِمْ فَأَوْلَى أَنْ يُخَلِّفَهُمْ إِذَا ارْتَابَ بِهِمْ. (1)

الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ:
42 - قَدْ لاَ يَسْتَطِيعُ الشَّاهِدُ الْمَقْبُول الشَّهَادَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ بِنَفْسِهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ، لِسَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ، فَيُشْهِدُ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدَيْنِ تَتَوَفَّرُ فِيهِمَا الصِّفَاتُ الَّتِي تُؤَهِّلُهُمَا لِلشَّهَادَةِ، وَيَطْلَبُ مِنْهُمَا تَحَمُّلَهَا وَالإِْدْلاَءَ بِهَا أَمَامَ الْقَضَاءِ، فَيَقُومُ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ مَقَامَهُ، فِي نَقْل تِلْكَ الشَّهَادَةِ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِلَفْظِهَا
__________
(1) الطرق الحكمية ص125.

الْمَخْصُوصِ فِي التَّحَمُّل وَالأَْدَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ فَلاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَْصْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ دَوَامَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الأَْصْل إِلَى حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ، فَمَتَى أَمْكَنَتْ شَهَادَةُ الأُْصُول قَبْل الْحُكْمِ وُقِفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِهَا، وَلَوْ بَعْدَ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ؛ لأَِنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْبَدَل.
وَمِمَّا يُجِيزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ فَيَضِيعَ الْحَقُّ.
هَذَا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ مُتَبَايِنَةً فِيمَا يَجُوزُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَمَا لاَ يَجُوزُ.
فَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي سَائِرِ الأُْمُورِ مَالاً أَوْ عُقُوبَةً. (1)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا: جَائِزَةٌ فِي كُل حَقٍّ لاَ يَسْقُطُ بِشُبْهَةٍ، فَلاَ تُقْبَل فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. (2)
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِذَلِكَ اسْتِحْسَانًا.
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَلَيْسَتْ حَقًّا
__________
(1) المدونة الكبرى 5 / 159، تبصرة الحكام (على هامش فتح العلي المالك) 1 / 353، والمهذب 2 / 339، ومنتهى الإرادات 3 / 560.
(2) الهداية 3 / 129، 130، الفتاوى الهندية 3 / 523، المغني 12 / 87، الشرح الكبير 12 / 102.

لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَالنِّيَابَةُ لاَ تُجْزِئُ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَيْهَا، إِذْ شَاهِدُ الأَْصْل قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِمَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ بُعْدِ مَسَافَةٍ، فَلَوْ لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ، وَصَارَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي. (1)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى: جَوَازِ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، وَإِلَى قَبُول الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الأَْصْل قَدْ يَتَعَذَّرُ؛ وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ لاَزِمٌ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ؛ وَلأَِنَّهَا طَرِيقٌ يُظْهِرُ الْحَقَّ كَالإِْقْرَارِ فَيُشْهِدُ عَلَيْهَا، لَكِنَّهَا إِنَّمَا تُقْبَل فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِ إِحْصَانٍ، كَالأَْقَارِيرِ، وَالْعُقُودِ، وَالنُّسُوخِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلاَدَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ. سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَقُّ الآْدَمِيِّ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ، وَتُقْبَل فِي إِثْبَاتِ عُقُوبَةِ الآْدَمِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ. أَمَّا الْعُقُوبَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَلاَ تُقْبَل فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الأَْظْهَرِ. (2)
__________
(1) تبيين الحقائق 4 / 238.
(2) مغني المحتاج 4 / 452، 453، وانظر مختصر المزني 5 / 258، المهذب 2 / 338، مغني المحتاج 4 / 453.

46 - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِثْبَاتُ قَوْلٍ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ. خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. (1)
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدٍ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي فِي الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. (2)
مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: " لاَ يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إِلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ (3) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِكُلٍّ مِنَ الأَْصْلَيْنِ اثْنَانِ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى وَاحِدٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَتِهِ، فَلاَ تَقُومُ مَقَامَ شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
43 - وَلاَ يَصِحُّ تَحَمُّل شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ؛ لِسُقُوطِهَا.
__________
(1) المهذب 2 / 338، شرح منتهى الإرادات 3 / 560، وتبيين الحقائق للزيلعي 4 / 237، 238، تبصرة الحكام 1 / 282.
(2) الهداية 3 / 130، المبسوط 16 / 138، فتاوى قاضيخان (مطبوعة على هامش الفتاوى الهندية) 2 / 485، المغني 12 / 95 - 96.
(3) قول علي رواه عبد الرزاق في المصنف (المصنف: 8 / 339 الحديث. 1545) وانظره في نصب الراية 4 / 87، والدراية 2 / 173، ضمن تخريج الحديث 835.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ: لاَ يَصِحُّ تَحَمُّل النِّسْوَةِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ تُثْبِتُ الأَْصْل لاَ مَا شَهِدَ بِهِ؛ وَلأَِنَّ التَّحَمُّل لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَال، وَهُوَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال فَلَمْ يُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالنِّكَاحِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ، فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ، إِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مُطْلَقًا، وَأَجَازَ أَصْبَغُ نَقْل امْرَأَتَيْنِ عَنِ امْرَأَتَيْنِ فِيمَا يَنْفَرِدْنَ بِهِ. قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ إِلاَّ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلاَ تُجْزِئُ فِيهِ النِّسَاءُ، وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، وَلَوْ كُنَّ أَلْفًا، إِلاَّ مَعَ رَجُلٍ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى صِحَّةِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ، حَيْثُ يُقْبَلْنَ فِي أَصْلٍ وَفَرْعٍ، وَفَرْعِ فَرْعٍ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُ مَا يَشْهَدُ بِهِ الأُْصُول فَدَخَل فِيهِ النِّسَاءُ، فَيُقْبَل رَجُلاَنِ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَيُقْبَل رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى مِثْلِهِمْ أَوْ رَجُلَيْنِ أَصْلَيْنِ أَوْ فَرْعَيْنِ فِي الْمَال وَمَا يُقْصَدُ بِهِ، وَتُقْبَل امْرَأَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ فِيمَا تُقْبَل فِيهِ الْمَرْأَةُ. (1)
__________
(1) تبيين الحقائق 2 / 238، مغني المحتاج 4 / 454، المهذب 2 / 388، تبصرة الحكام / 283 ط: دار الكتب العلمية - لبنان، وشرح منتهى الإرادات 3 / 560، 561

48 - وَإِذَا فَسَقَ الشَّاهِدُ الأَْصِيل أَوِ ارْتَدَّ، أَوْ نَشَأَتْ عِنْدَهُ عَدَاوَةٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ قَبُول شَهَادَةِ الْفَرْعِ؛ لِسُقُوطِ شَهَادَةِ الأَْصْل. (1) وَلَوْ حَدَثَ الْفِسْقُ أَوِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَقَبْل الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ.

الاِسْتِرْعَاءُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ:
44 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالاِسْتِرْعَاءُ هُوَ: طَلَبُ الْحِفْظِ، أَيْ: بِأَنْ يَقُول شَاهِدُ الأَْصْل لِشَاهِدِ الْفَرْعِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَاحْفَظْهَا، فَلِلْفَرْعِ وَلِمَنْ سَمِعَهُ يَقُول ذَلِكَ، أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَلَوْ لَمْ يَخُصَّهُ بِالاِسْتِرْعَاءِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا سَمِعَ شَاهِدُ الْفَرْعِ الأَْصْل شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الأَْصْل أَمَامَ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا مَا إِذَا سَمِعَ الْفَرْعُ الأَْصْل يَذْكُرُ سَبَبَ الْحَقِّ بِأَنْ يَقُول: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ كَقَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
__________
(1) انظر المبسوط 16 / 139، الفتاوى الهندية 3 / 252، وفتاوى قاضيخان 2 / 485، الفتاوى البزازية (على هامش الفتاوى الهندية) 5 / 295، تبصرة الحكام 1 / 354، ومغني المحتاج 4 / 454، وشرح منتهى الإرادات 3 / 560

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ؛ لأَِنَّ مَنْ سَمِعَ إِقْرَارَ غَيْرِهِ حَل لَهُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَقُل لَهُ اشْهَدْ. (1)
45 - وَيُؤَدِّي شَاهِدُ الْفَرْعِ شَهَادَتَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ، فَإِنْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ بِحَقٍّ مُضَافٍ إِلَى سَبَبٍ يُوجِبُ الْحَقَّ ذَكَرَهُ، وَإِنْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ذَكَرَهُ، وَإِنْ أَشْهَدَهُ شَاهِدُ الأَْصْل عَلَى شَهَادَتِهِ أَوِ اسْتَرْعَاهُ، قَال: أَشْهَدُ أَنَّ فُلاَنًا يَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ كَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَهَكَذَا.
وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُومَ شَاهِدُ الْفَرْعِ بِتَعْدِيل شَاهِدِ الأَْصْل، وَيَقُومُ الْقَاضِي بِالْبَحْثِ عَنِ الْعَدَالَةِ، فَإِنْ عَدَّلَهُ الْفَرْعُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّعْدِيل جَازَ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَا لَمْ يُعَدِّل شَاهِدَ الأَْصْل، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَنْقُل الشَّهَادَةَ عَنْهُ. (2)

وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الأَْصْل الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَل شَهَادَةُ شُهُودِ الْفَرْعِ؛ لأَِنَّ التَّحْمِيل لَمْ يَثْبُتْ، لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. (3)
__________
(1) الهداية 2 / 130، والمهذب 2 / 339، وتبصرة الحكام 1 / 353
(2) الهداية 3 / 131، وتبيين الحقائق 4 / 240، وتبصرة الحكام 1 / 283، ومغني المحتاج 4 / 456، وشرح منتهى الإرادات 3 / 560
(3) الهداية 3 / 131، الفتاوى الهندية 3 / 525، وشرح منتهى الإرادات 3 / 561

46 - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الاِسْتِرْعَاءِ عَلَى بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الإِْنْسَانُ اضْطِرَارًا، كَالطَّلاَقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ، وَالتَّزْوِيجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَكْتُبَ الْمُسْتَرْعَى كِتَابًا سِرًّا؛ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَل هَذَا التَّصَرُّفَ لأَِمْرٍ يَتَخَوَّفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا عَقَدَ عِنْدَ أَمْنِهِ مِمَّا يَتَخَوَّفُهُ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ شُهُودُ الاِسْتِرْعَاءِ. (1) وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ أَمْثِلَةً لِمَا يَقُولُهُ الْمُسْتَرْعِي، فِي وَثِيقَةِ الاِسْتِرْعَاءِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ الاِسْتِرْعَاءِ. فَقَال نَقْلاً عَنِ ابْنِ الْعَطَّارِ: يُصَدَّقُ الْمُسْتَرْعَى فِي الْحَبْسِ (يَعْنِي الْوَقْفَ) فِيمَا يَذْكُرُهُ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا وَيَكْتُبُ فِي ذَلِكَ: " أَشْهَدَ فُلاَنٌ شُهُودَ هَذَا الْكِتَابِ بِشَهَادَةِ اسْتِرْعَاءٍ، وَاسْتِخْفَاءٍ لِلشَّهَادَةِ: أَنَّهُ مَتَى عَقَدَ فِي دَارِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا تَحْبِيسًا عَلَى بَنِيهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لأَِمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى مَالِهِ الْمَذْكُورِ، وَلِيُمْسِكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَرْجِعَ فِيمَا عَقَدَ فِيهِ عِنْدَ أَمْنِهِ مِمَّا تَخَوَّفَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِمَا عَقَدَهُ فِيهِ وَجْهَ الْقُرْبَةِ، وَلاَ وَجْهَ الْحَبْسِ بَل لِمَا يَخْشَاهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِمَا يَعْقِدُهُ فِيهِ مِنَ التَّحْبِيسِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي تَارِيخِ كَذَا وَكَذَا. (2)
__________
(1) تبصرة الحكام 2 / 2
(2) المصدر السابق

وَمِمَّا ذَكَرُوهُ أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا خَطَبَ مَنْ هُوَ قَاهِرٌ لِشَخْصٍ بَعْضَ بَنَاتِهِ فَأَنْكَحَهُ الْمَخْطُوبُ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدَ شُهُودَ الاِسْتِرْعَاءِ سِرًّا: أَنِّي إِنَّمَا أَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ يُخَافُ عَدَاوَتُهُ.
وَأَنَّهُ إِنْ شَاءَ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ لِغَيْرِ نِكَاحٍ فَأَنْكَحَهُ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نِكَاحٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا.
وَإِذَا بَنَى ظَالِمٌ أَوْ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ غُرْفَةً مُحْدَثَةً بِإِزَاءِ دَارِ رَجُلٍ وَفَتَحَ بَابًا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي دَارِهِ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِطَالَةِ لِقُدْرَتِهِ، وَجَاهِهِ، فَيُشْهِدُ الرَّجُل أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ لِخَوْفِهِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَضُرَّهُ أَوْ يُؤْذِيَهُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ لِمَعْرِفَتِهِمْ وَأَنَّ الْمُحْدِثَ لِذَلِكَ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ، وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَتَى قَامَ بِطَلَبِ حَقِّهِ. (1)
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: " مَنْ لَهُ دَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فَبَاعَ أَخُوهُ جَمِيعَهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ اشْتِرَاكَهُمَا فِيهَا وَلَهُ سُلْطَانٌ، وَقُدْرَةٌ، وَخَافَ ضَرَرَهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَرْعَى أَنَّ سُكُوتَهُ عَنِ الْكَلاَمِ فِي نَصِيبِهِ وَفِي الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِ أَخِيهِ لِمَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ تَحَامُل الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَإِضْرَارِهِ بِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ. فَإِذَا ذَهَبَتِ التَّقِيَّةُ، وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ بِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ أَثْبَتَهَا، وَأَثْبَتَ الْمِلْكَ،
__________
(1) المصدر السابق

وَالاِشْتِرَاكَ، وَأَعْذَرَ إِلَى أَخِيهِ وَإِلَى الْمُشْتَرِي، قُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ وَبِالشُّفْعَةِ. (1)

مَا يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِيهِ:
47 - قَال ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ: كَالطَّلاَقِ، وَالتَّحْبِيسِ وَالْهِبَةِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ السَّبَبُ إِلاَّ بِقَوْلِهِ، مِثْل أَنْ يُشْهِدَ أَنِّي إِنْ طَلَّقْتُ فَإِنِّي أُطَلِّقُ خَوْفًا مِنْ أَمْرٍ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ جِهَةِ كَذَا، أَوْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ وَكَانَ أَشْهَدَ أَنِّي إِنْ حَلَفْتُ بِالطَّلاَقِ فَإِنَّمَا هُوَ لأَِجْل إِكْرَاهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَعَهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ وَالسَّبَبِ الْمَذْكُورِ. وَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي الْبُيُوعِ مِثْل أَنْ يُشْهِدَ قَبْل الْبَيْعِ أَنَّهُ رَاجِعٌ فِي الْبَيْعِ وَأَنَّ بَيْعَهُ لأَِمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ؛ لأَِنَّ الْمُبَايَعَةَ خِلاَفُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ. وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا، وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ إِلاَّ أَنْ يَعْرِفَ الشُّهُودُ الإِْكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوِ الإِْخَافَةَ فَيَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ إِذَا انْعَقَدَ قَبْل الْبَيْعِ وَتَضَمَّنَ الْعَقْدُ شَهَادَةَ مَنْ يَعْرِفُ الإِْخَافَةَ وَالتَّوَقُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ. (2)

الرُّجُوعُ عَنِ الشَّهَادَةِ:
48 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إِنْ
__________
(1) المصدر السابق
(2) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 1 / 336 ط المكتبة التجارية الكبرى

رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَلاَ يَخْلُو رُجُوعُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَبْل قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا قَبْل الْحُكْمِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمَا، لأَِنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَضَاءِ، وَالْقَاضِيَ لاَ يَقْضِي بِكَلاَمٍ مُتَنَاقِضٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلاَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
49 - وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل التَّنْفِيذِ: فَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ وَالتَّنْفِيذُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ. (1)
وَإِنْ كَانَ مَالاً أَوْ عَقْدًا اسْتَوْفَى الْمَال لأَِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ تَمَّ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالرُّجُوعِ؛ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ. وَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ لإِِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَلاَ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. (2)
50 - أَمَّا إِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ: فَإِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، لأَِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا
__________
(1) الدر المختار 4 / 396، ومنح الجليل 4 / 288، والمغني 12 / 137، والمهذب 2 / 341
(2) المهذب 2 / 341، ومغني المحتاج 4 / 456، الهداية 3 / 132، والفتاوى الهندية 3 / 535، الشرح الكبير 12 / 113، الخرشي 4 / 220، شرح منح الجليل 4 / 284، 289 - 290

صَادِقَيْنِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ الْحُكْمُ وَالاِسْتِيفَاءُ بِأَحَدِ الاِحْتِمَالَيْنِ؛ فَلاَ يُنْقَضُ بِرُجُوعٍ مُحْتَمَلٍ، (1) وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَضْمَنَا مَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا. (2)
فَإِنْ كَانَ مَا شَهِدَا بِهِ يُوجِبُ الْقَتْل، أَوِ الْحَدَّ، أَوِ الْقِصَاصَ: نُظِرَ، فَإِنْ قَالاَ تَعَمَّدْنَا لِيُقْتَل بِشَهَادَتِنَا: وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ شُبْرُمَةَ (3) .
لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ أَتَيَاهُ بِرَجُلٍ آخَرَ فَقَالاَ: إِنَّا أَخْطَأْنَا بِالأَْوَّل، وَهَذَا السَّارِقُ، فَأَبْطَل شَهَادَتَهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَضَمَّنَهُمَا دِيَةَ يَدِ الأَْوَّل، وَقَال: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا (4) .
وَلأَِنَّهُمَا أَلْجَآهُ إِلَى قَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا
__________
(1) المهذب 2 / 341، المغني 12 / 138
(2) الهداية 3 / 132
(3) حاشية الدسوقي 4 / 207، المهذب 2 / 341، المغني 12 / 136، 138، الشرح الكبير 12 / 117
(4) خبر الشعبي أن رجلين شهدا عند علي. . . . . رواه الإمام الشافعي (الأم: 7 / 49) والطحاوي (اختلاف الفقهاء: 216) ومحمد بن الحسن في كتاب الرجوع عن الشهادة (المبسوط 16 / 178) والبيهقي (السنن الكبرى 10 / 251)

الْقَوَدُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَاهُ عَلَى قَتْلِهِ. (1)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ قَوَدَ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الإِْتْلاَفَ، فَأَشْبَهَا حَافِرَ الْبِئْرِ، وَنَاصِبَ السِّكِّينِ، إِذَا تَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ، وَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ. (2)
وَإِنْ قَال الشُّهُودُ: أَخْطَأْنَا، أَوْ جَهِلْنَا كَانَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً، وَلاَ تَتَحَمَّل الْعَاقِلَةُ عَنْهُمَا شَيْئًا؛ لأَِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَحْمِل الاِعْتِرَافَ.
وَإِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا الشَّهَادَةَ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَل وَهُمْ يَجْهَلُونَ قَتْلَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمْدِ، وَمُؤَجَّلَةٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ.
فَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ؛ لأَِنَّهُ خَطَأٌ وَلاَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافِهِمْ.
فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ تَعَمَّدَ وَبَعْضَهُمْ أَخْطَأَ وَجَبَ عَلَى الْمُخْطِئِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ لِمُشَارَكَةِ الْمُخْطِئِ.
__________
(1) المهذب 2 / 341
(2) شرح أدب القاضي للحصاف تأليف ابن مازة 4 / 508 الفقرة: 1559، وبدائع الصنائع 9 / 4066، الفتاوى الهندية 3 / 555، شرح منح الجليل 4 / 289 - 290

وَإِنْ اخْتَلَفُوا، فَقَال بَعْضُهُمْ: تَعَمَّدْنَا كُلُّنَا، وَقَال بَعْضُهُمْ أَخْطَأْنَا كُلُّنَا، وَجَبَ عَلَى الْمُقِرِّ بِعَمْدِ الْجَمِيعِ الْقَوَدُ، وَعَلَى الْمُقِرِّ بِخَطَأِ الْجَمِيعِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ. (1)

(رُجُوعُ بَعْضِ الشُّهُودِ:
51 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (2) : إِلَى أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ اسْتِيفَائِهِ فِي شَهَادَةٍ نِصَابُهَا شَاهِدَانِ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَال أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالْعِبْرَةُ لِمَنْ بَقِيَ لاَ لِمَنْ رَجَعَ.
وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْل أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي شَهَادَةٍ نِصَابُهَا شَاهِدَانِ أَيْضًا، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ قَائِمًا.
وَكَذَا لَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا، لِبَقَاءِ النِّصَابِ.
وَلَوْ رَجَعَ ثَلاَثَةٌ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الْمَال، لِبَقَاءِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَطْرُ الشَّهَادَةِ فَيَتَحَمَّلُونَ شَطْرَ الْمَال.
وَلَوْ رَجَعَتِ امْرَأَةٌ وَكَانَ النِّصَابُ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ غَرِمَتِ الرَّاجِعَةُ رُبُعَ الْمَال.
__________
(1) المهذب 2 / 341
(2) بدائع الصنائع 9 / 4072 - 4073، تبيين الحقائق 4 / 245، الفتاوى الهندية 3 / 525، شرح منح الجليل 4 / 292، الخرشي 4 / 221، الهداية 3 / 133، الجمل على شرح المنهج 5 / 406 - 407، نهاية المحتاج 8 / 313

وَلَوْ شَهِدَ عَشْرُ نِسْوَةٍ وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَ ثَمَانٍ مِنْهُنَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِنَّ، لِبَقَاءِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ.
وَلَوْ رَجَعَ تِسْعٌ مِنْهُنَّ غَرِمْنَ رُبُعَ الْمَال. .
وَهَكَذَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ كُل مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّمَانُ فِيهِ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ وَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.
قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ: إِنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالاً فَإِنَّهُ ضَامِنٌ بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانُوا عَشَرَةً فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ وَحْدَهُ أَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنِ الْقَدْرِ الْكَافِي فِي الشَّهَادَةِ أَوْ مَنْ لَيْسَ بِزَائِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْقِصَاصِ، فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَال: عَمَدْنَا إِلَى قَتْلِهِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَال: أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ سُدُسُ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ. (1)
__________
(1) المغني 12 / 144، الشرح الكبير 12 / 120

الاِخْتِلاَفُ فِي الشَّهَادَةِ:
52 - الشَّهَادَةُ إِذَا وَافَقَتِ الدَّعْوَى قُبِلَتْ، وَإِنْ خَالَفَتْهَا لَمْ تُقْبَل؛ لأَِنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ شَرْطُ قَبُول الشَّهَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا.
وَيَنْبَغِي اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِتَكْمُل الشَّهَادَةُ.
فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا، وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا: فَلاَ تَكْمُل الشَّهَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ. (1)
53 - وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِلَى أَنَّ الاِتِّفَاقَ فِي الْمَعْنَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ. (2)
فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ وَالآْخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُمَا اخْتَلَفَا لَفْظًا، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى اخْتِلاَفِ الْمَعْنَى لأَِنَّهُ يُسْتَفَادُ بِاللَّفْظِ، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْلْفَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأَْلْفَيْنِ، بَل هُمَا جُمْلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَحَصَل عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَال. (3)
__________
(1) المغني 12 / 131
(2) الهداية 3 / 136، تبيين الحقائق 4 / 229، الفتاوى الهندية 3 / 503
(3) الهداية 3 / 136

وَعِنْدَهُمَا تُقْبَل عَلَى الأَْلْفِ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الأَْلْفَيْنِ.
وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (1)
لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الأَْلْفِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَيَثْبُتُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَصَارَ كَالأَْلْفِ وَالأَْلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ.
أَمَّا إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالآْخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ: قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الأَْلْفِ عِنْدَ الْجَمِيعِ حَتَّى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاِتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا لَفْظًا وَمَعْنًى؛ لأَِنَّ الأَْلْفَ وَالْخَمْسَمِائَةِ جُمْلَتَانِ عُطِفَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى وَالْعَطْفُ يُقَرِّرُ الأَْوَّل. (2)
54 - وَمَتَى كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ فَاخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي زَمَنِهِ، أَوْ مَكَانِهِ، أَوْ صِفَةٍ لَهُ تَدُل عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ لَمْ تَكْمُل شَهَادَتُهُمَا.
مِثْل أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ بِدِمَشْقَ، وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ بِمِصْرَ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَسْوَدَ: فَلاَ تَكْمُل
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 345، المهذب 2 / 339، والشرح الكبير 12 / 26
(2) الهداية 2 / 137

الشَّهَادَةُ؛ لأَِنَّ كُل فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ شَاهِدَانِ. (1)

تَعَارُضُ الشَّهَادَاتِ:
55 - قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُدَّعِيًا وَيُقِيمُ عَلَى دَعْوَاهُ بَيِّنَةً (شَهَادَةً) كَامِلَةً، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ أَوْ فِي مِلْكٍ مُقَيَّدٍ بِذِكْرِ سَبَبِ التَّمَلُّكِ.
فَإِنْ كَانَتَا فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ، لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سَبَبُ التَّمَلُّكِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الدَّعْوَى تَارِيخًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا أَوْ فِي يَدِهِمَا مَعًا.
56 - أ - فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ (2) عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ (3) لِقَوْلِهِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (4)
وَلأَِنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَذُو الْيَدِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَجَعَل جِنْسَ الْبَيِّنَةِ
__________
(1) المغني 12 / 131
(2) ذو اليد: هو الذي وضع يده على عين بالفعل أو الذي ثبت تصرفه تصرف الملاك. والخارج هنا هو المدعي، أو هو البريء عن وضع اليد، والتصرف على الوجه المشروع - كما في المجلة (م 1757)
(3) الهداية 3 / 157، الإختيار لتعليل المختار 2 / 116، 117، ومجلة الأحكام العدلية المادة (1757 و 1679، 1680) ، المغني 12 / 167، 168.
(4) الحديث تقدم تخريجه ف6

فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْخَارِجُ، فَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ وَتُرَدُّ بَيِّنَةُ الْيَدِ؛ وَلأَِنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، لأَِنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْخَارِجِ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لاَ تُثْبِتُهُ، لأَِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ بِالْيَدِ، وَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (1) وَالشَّافِعِيَّةُ (2) : إِلَى تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَانِ، فَتَبْقَى الْيَدُ دَلِيلاً عَلَى الْمِلْكِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ نَتْجُهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ. (3)
57 - ب - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا:
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (4) إِلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ: إِنْ: لَمْ يُؤَرِّخَا وَقْتًا: قُضِيَ بِالشَّيْءِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ، وَكَذَا إِذَا أَرَّخَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ. وَإِذَا أُرِّخَتْ إِحْدَاهُمَا تَارِيخًا أَسْبَقَ مِنَ الثَّانِيَةِ: فَالأَْسْبَقُ أَوْلَى، لأَِنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 309، والشرح الصغير 4 / 307، والمغني 12 / 168
(2) المهذب 2 / 312، مختصر المزني 5 / 261
(3) حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير. . . " أخرجه الدارقطني (4 / 209 - ط دار المحاسن) من حديث جابر، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (4 / 210 - ط شركة الطباعة الفنية)
(4) الاختيار2 / 118

خَارِجَيْنِ، لِوُجُودِهَا عِنْدَ غَيْرِهِمَا، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا وَصْفُ (الْمُدَّعِي) فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمَا، وَيُحْكَمُ لِلأَْسْبَقِ؛ لأَِنَّ الأَْسْبَقَ يُثْبِتُ الْمِلْكِيَّةَ فِي وَقْتٍ لاَ يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ: إِنْ تَعَذَّرَ تَرْجِيحُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ، وَالْحَال؛ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا: سَقَطَتَا؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَبَقِيَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ. وَفِي ذَلِكَ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ. (1)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنًا وَهِيَ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَهُوَ مُنْكِرٌ وَلَمْ يَنْسِبْهَا لأَِحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، وَكَانَتَا مُطَلَّقَتِي التَّارِيخِ أَوْ مُتَّفِقَتَيْهِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالأُْخْرَى مُؤَرَّخَةً: سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، لِتَنَاقُضِ مُوجِبِيهِمَا وَلاَ مُرَجِّحَ، وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا.
وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَعْمَل الْبَيِّنَتَانِ، وَتُنْزَعُ الْعَيْنُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَعَلَى هَذَا تُقْسَمُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ مُنَاصَفَةً فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُرَجَّحُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.
وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: تُوقَفُ حَتَّى يَبِينَ الأَْمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ.
(2) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَنْكَرَ الثَّالِثُ
__________
(1) الشرح الصغير 4 / 309
(2) مغني المحتاج 4 / 480

دَعْوَى الْمُدَّعِيَيْنِ، فَقَال: لَيْسَتْ لَهُمَا وَلاَ لأَِحَدِهِمَا: أُقْرِعَ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ: حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بَيِّنَةٌ: تَعَارَضَتَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْيَدِ، فَتَسْقُطَانِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْعَمَل بِإِحْدَاهُمَا. (1)
58 - ج - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِمَا مَعًا:
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (2) إِلَى التَّفْصِيل:
فَإِنْ لَمْ تُؤَرَّخَا تَارِيخًا، وَكَذَا إِذَا أُرِّخَتَا تَارِيخًا مُعَيَّنًا وَكَانَ تَارِيخُهُمَا سَوَاءً: قُضِيَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ الآْخَرِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا النِّصْفِ خَارِجٌ فَهُوَ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي.
وَإِنْ أُرِّخَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُْخْرَى: قُضِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالتَّارِيخِ لِلاِحْتِمَال، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ لِصَاحِبِ التَّارِيخِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي أَيْدِيهِمَا كَمَا كَانَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ تَسَاقُطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِهَا مِنَ الآْخَرِ، وَقِيل: تُجْعَل بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْل الْقِسْمَةِ،
__________
(1) شرح منتهى الإرادات 3 / 526، 527.
(2) انظر المصادر السابقة، وانظر نهاية المحتاج 8 / 339، ومغني المحتاج 4 / 480.

وَلاَ يَجِيءُ الْقَوْل بِالْوَقْفِ، إِذْ لاَ مَعْنَى لَهُ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ إِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَتَسَاوَتِ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ كُل وَجْهٍ: تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَنْفِي مَا تُثْبِتُهُ الأُْخْرَى، فَلاَ يُمْكِنُ الْعَمَل بِهِمَا، وَلاَ بِإِحْدَاهُمَا فَتَتَسَاقَطَانِ، وَيَصِيرُ الْمُتَنَازِعَانِ كَمَنْ لاَ بَيِّنَةَ لَهُ، فَيَتَحَالَفَانِ، وَيَتَنَاصَفَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا. (1)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى تَرْجِيحِ إِحْدَاهُمَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فِي الْبَيِّنَةِ الأَْصْلِيَّةِ لاَ الْمُزَكِّيَةِ، وَفِي رَأْيِ بَعْضِهِمْ تُرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ إِذَا أَفَادَتِ الْكَثْرَةُ الْعِلْمَ، بِحَيْثُ تَكُونُ الْكَثْرَةُ جَمْعًا يَسْتَحِيل تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
59 - وَإِنْ كَانَتَا فِي مِلْكٍ مُقَيَّدٍ بِسَبَبِهِ:
وَذَلِكَ بِأَنْ يُذْكَرَ الْمِلْكُ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ مَثَلاً أَوْ عَنْ طَرِيقِ الشِّرَاءِ أَوِ النِّتَاجِ.
فَفِي الإِْرْثِ يُقْضَى بِهِ لِلْخَارِجِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَسْبَقَ، فَيُقْضَى بِهِ لِلأَْسْبَقِ.
أَمَّا إِذَا كَانَا خَارِجَيْنِ، بِأَنْ كَانَ الشَّيْءُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا: فَيُقْسَمُ الشَّيْءُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقْضَى بِهِ لِلأَْسْبَقِ إِذَا ذَكَرَا تَارِيخًا.
وَفِي الشِّرَاءِ: إِذَا ادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا
__________
(1) شرح منتهى الإرادات 3 / 523

الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلاَ تَارِيخَ لَهُمَا، وَكَذَا إِنْ أَرَّخَا وَتَارِيخُهُمَا سَوَاءٌ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَيُتْرَكُ الشَّيْءُ لِلَّذِي فِي يَدِهِ. (1)
أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ: فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ، وَإِذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ يُقْضَى لَهُمَا بِالشَّيْءِ نِصْفَيْنِ.
وَفِي النِّتَاجِ: بِأَنْ يَذْكُرَ أَنَّ هَذِهِ النَّاقَةَ نَتَجَتْ عِنْدَهُ، أَيْ: وَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى إِذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، أَوْ أَرَّخَا وَقْتًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّ النِّتَاجَ لاَ يَتَكَرَّرُ.
لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَال. كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي. وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَقَضَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ. (2)
أَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ سَبَبُهُ، كَالْبِنَاءِ، وَالنَّسْجِ، وَالصُّنْعِ، وَالْغَرْسِ: فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى. أَمَّا إِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمَا الْمِلْكَ وَالآْخَرُ النِّتَاجَ: فَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ أَوْلَى لأَِنَّهَا تُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِصَاحِبِهِ.
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 309
(2) حديث أن رجلين اختصما في ناقة. . . رواه الدارقطني من حديث جابر (سنن الدارقطني 4 / 209 الحديث 21) ، والبيهقي (السنن الكبرى 10 / 256) ، وانظر الدر المختار ورد المحتار (4 / 438 ـ 440) ، ومجلة الأحكام العدلية المادة 1758، وانظر نهاية المحتاج 8 / 339، ومصطلح (تعارض ف: 9) ، والمغني 12 / 187

وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مَا يَلِي:
أ - إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ الْمِلْكَ بِالاِسْتِقْلاَل وَادَّعَى الآْخَرُ الْمِلْكَ بِالاِشْتِرَاكِ فِي مَالٍ، وَالْحَال أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ أَيْ ذُو يَدٍ: فَبَيِّنَةُ الاِسْتِقْلاَل أَوْلَى.
ب - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ التَّمْلِيكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْعَارِيَّةُ.
ج - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ وَالإِْجَارَةِ وَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الإِْجَارَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الرَّهْنِ.
د - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ مَرَضِ الْمَوْتِ.
هـ - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْعَقْل عَلَى بَيِّنَةِ الْجُنُونِ أَوِ الْعَتَهِ.
و تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْحُدُوثِ عَلَى بَيِّنَةِ الْقِدَمِ. (1)

كَثْرَةُ الْعَدَدِ وَقُوَّةُ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ:
60 - إِذَا أَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ سِوَى كَثْرَةِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى بِأَنْ كَانَتِ الأُْولَى عَشَرَةَ شُهُودٍ وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ شَاهِدَيْنِ فَقَطْ، أَوْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ بِأَنْ كَانَتْ أَظْهَرَ زُهْدًا وَأَوْفَرَ تَحَرُّجًا مِنَ الأُْخْرَى.
__________
(1) انظر مجلة الأحكام العدلية (المادة 1756 وما بعدها)

فَهَل تَتَرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى؟ .
ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (1) إِلَى تَرْجِيحِهَا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (2) وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (3) ، وَقَوْل جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ (4) : إِلَى أَنَّهُ لاَ يُغَلَّبُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا هُمَا سَوَاءٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (5)
وَبِقَوْلِهِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . (6)
فَمَنَعَ النَّصُّ مِنَ الاِجْتِهَادِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا جَازَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ، وَعَلَى قَبُول الْعَدْل مَعَ مَنْ هُوَ أَعْدَل، دَل عَلَى أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ. (7)
__________
(1) انظر حاشية الدسوقي 4 / 177، وتبصرة الحكام 1 / 309
(2) الهداية 3 / 173، نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) 6 / 243، والدر المختار 4 / 440، والمغني 12 / 176
(3) مختصر المزني: 5 / 261، الأم 6 / 251 ـ 252، الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة 5044 ـ 5045
(4) المدونة الكبرى 5 / 188، تبصرة الحكام 1 / 309
(5) سورة البقرة / 282
(6) سورة الطلاق / 2
(7) الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة: 5050

شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ:
61 - الأَْبْدَادُ: هُمُ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ بُدٌّ، مِنَ التَّبْدِيدِ؛ لأَِنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هُنَا وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى آخَرَ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِبَيَانِ أَحْكَامِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ فِي النِّكَاحِ، وَهِيَ أَنْ لاَ يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى شَهَادَةِ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ، بَل إِنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، وَقَال كُل وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: (أَشْهِدْ مَنْ لَقِيتَ) هَكَذَا فَسَّرُوهُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
فَتَتِمُّ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ سِتَّةِ شُهُودٍ: مِنْهُمُ اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا. وَفِي الْبِكْرِ ذَاتَ الأَْبِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةٍ: مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَأَمَّا إِنْ أَشْهَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمُ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.
قَال ابْنُ الْهِنْدِيِّ: شَهَادَةُ الأَْبْدَادِ لاَ تَعْمَل شَيْئًا، إِذَا شَهِدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصٍّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِ

شَهَادَاتِهِمْ وَاحِدًا، حَتَّى يَتَّفِقَ مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ.
لَكِنْ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفٌ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ سُئِل مَالِكٌ عَنْ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْزِلٍ أَنَّهُ مَسْكَنُ هَذَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ حَيْزُهُ، فَقَال خَصْمُهُ: قَدِ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمَا. فَقَال مَالِكٌ: مَسْكَنُهُ وَحَيْزُهُ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَفْتَرِقُ. (1)

شَهَادَةُ الاِسْتِخْفَاءِ أَوِ الاِسْتِغْفَال:
62 - الْمُسْتَخْفِي هُوَ الَّذِي يُخْفِي نَفْسَهُ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِيُسْمَعَ قَرَارُهُ وَلاَ يُعْلَمَ بِهِ، كَأَنْ يَجْحَدَ الْحَقَّ عَلاَنِيَةً وَيُقِرَّ بِهِ سِرًّا، فَيَخْتَبِئُ شَاهِدَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِمَا الْمُقِرُّ لِيَسْمَعَا إِقْرَارَهُ، وَلِيَشْهَدَا بِهِ مِنْ بُعْدٍ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَخْدُوعٍ وَلاَ خَائِنٍ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِي؛ (2) لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} (3)
__________
(1) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 1 / 338
(2) الشرح الكبير 12 / 18، المغني 12 / 101، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12 / 22، روضة الطالبين للنووي 11 / 243، تبصرة الحكام 1 / 378 وسماها (شهادة الإستغفال) البيان والتحصيل 10 / 56.
(3) سورة الحجرات / 12

شَهَادَةُ الزُّورِ:
63 - شَهَادَةُ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ. (1) وَلاَ يَجُوزُ الْعَمَل بِهَا وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فِيمَا بَعْدُ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاَثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ. قَال: فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. (2)
وَلأَِنَّ فِيهَا رَفْعَ الْعَدْل، وَتَحْقِيقَ الْجَوْرِ.
فَإِذَا أَقَرَّ شَخْصٌ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ أَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ (3) : يُشَهَّرُ بِهِ فِي السُّوقِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل السُّوقِ أَوْ فِي قَوْمِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ، وَيُقَال: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ. (4)
__________
(1) انظر كتاب (الكبائر) للذهبي وقد جعل فيه شهادة الزور الكبيرة الثامنة عشرة فيه (ص 86)
(2) حديث " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 261 ـ ط السلفية) ومسلم (1 / 91) ـ ط الحلبي)
(3) الهداية 3 / 132، فتح القدير 6 / 83
(4) قوله " ويقال إنا وجدنا هذا شاهد زور. . " أصل ذلك ما ورد عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك انظر أخبار القضاة لوكيع 2 / 19، 3 / 89، المصنف لعبد الرزاق الصنعاني 8 / 325 ـ 326 الأحاديث 15388 ـ 15390، جامع مسانيد الإمام الأعظم 2 / 274، المبسوط 16 / 145، سنن البيهقي الكبرى 10 / 141 ـ 142، الدراية 2 / 172

وَلاَ يُحْبَسُ وَلاَ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ لِتَحَقُّقِ الْقَصْدِ وَهُوَ الاِنْزِجَارُ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ يُشَهِّرُهُ وَلاَ يَضْرِبُهُ. (1)
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: نُوجِعُهُ ضَرْبًا وَنَحْبِسُهُ. (2)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ شَاهِدَ الزُّورِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْحَبْسِ أَوِ الزَّجْرِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُشَهِّرَ أَمْرَهُ فَعَل (3) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ (4) أَيْ: سَوَّدَهُ.
وَلأَِنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (5) وَالْحَنَابِلَةُ (6) : إِلَى تَعْزِيرِهِ وَضَرْبِهِ وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ.
وَعَلَى كُل حَالٍ إِذَا ثَبَتَ زُورُهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَنُبِّهَ النَّاسُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَبْنِيَّ عَلَى شَهَادَتِهِ كَانَ
__________
(1) انظر ذلك في أخبار القضاة 3 / 219 ـ 220، المبسوط 16 / 145
(2) الهداية 3 / 132، فتح القدير 6 / 83.
(3) المهذب 2 / 330
(4) قوله " لما روي عن عمر أنه ضرب شاهد الزور. . " رواه البيهقي في السنن الكبرى 10 / 142، بسنده عن مكحول عن عمر
(5) المدونة الكبرى 5 / 203، تبصرة الحكام 2 / 314.
(6) منتهى الإرادات: 678، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12 / 107، المغني 12 / 153، الشرح الكبير 12 / 131

بَاطِلاً (1) لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ لِيَحْذَرَهُ النَّاسُ (2)
وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الذِّمَّةِ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ الزُّورِ سَوَاءٌ، لِقِيَامِ الأَْهْلِيَّةِ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا فِيمَا تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ. (3)
وَإِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ وَمَضَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ ظَهَرَتْ فِيهَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ وَعَدَالَتُهُ: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (4) وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ (5) وَالشَّافِعِيُّ (6) .
وَقَال مَالِكٌ (7) : لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ.

شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ:
64 - يُقْصَدُ بِهَا أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّاهِدُ شَهَادَةً تَحَمَّلَهَا ابْتِدَاءً لاَ بِطَلَبِ طَالِبٍ وَلاَ بِتَقَدُّمِ دَعْوَى.
وَمَعْنَى (حِسْبَةً) أَيِ احْتِسَابًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
__________
(1) الشرح الكبير 12 / 133
(2) حديث " اذكروا الفاسق بما فيه. . . " رواه ابن أبي الدنيا، وابن عدي، والخطيب من حديث معاوية بن حيدة، ورواه بعضهم عن عائشة: (كشف الخفاء 1 / 114 الحديث 205)
(3) المبسوط 16 / 146
(4) الشرح الكبير 12 / 133
(5) المبسوط 16 / 146، فتح القدير 6 / 84
(6) المهذب 1 / 329، المجموع 2 / 249، روضة الطالبين 11 / 249
(7) المدونة الكبرى 5 / 203

وَتُقْبَل شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي كُل مَا تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَى، وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالطَّلاَقِ، وَالاِسْتِيلاَدِ، وَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ. (انْظُرْ: حِسْبَةٌ) .

2025 شَهَادَةُ الاِسْتِرْعَاءِ
انْظُرْ: اسْتِرْعَاءٌ

شَهَادَةُ الزُّورِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - شَهَادَةُ الزُّورِ: مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ هُمَا: الشَّهَادَةُ، وَالزُّورُ.
أَمَّا الشَّهَادَةُ فِي اللُّغَةِ، فَمِنْ مَعَانِيهَا: الْبَيَانُ، وَالإِْظْهَارُ، وَالْحُضُورُ، وَمُسْتَنَدُهَا الْمُشَاهَدَةُ إِمَّا بِالْبَصَرِ أَوْ بِالْبَصِيرَةِ.
وَأَمَّا الزُّورُ فَهُوَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِل، وَقِيل: هُوَ شَهَادَةُ الْبَاطِل، يُقَال: رَجُلٌ زُورٌ وَقَوْمٌ زُورٌ: أَيْ مُمَوِّهٌ بِكَذِبٍ (1) .
وَشَهَادَةُ الزُّورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْبَاطِل مِنْ إِتْلاَفِ نَفْسٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ، أَوْ تَحْلِيل حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلاَلٍ (2) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
2 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ
مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا، قَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي كِتَابِهِ مَعَ نَهْيِهِ عَنِ الأَْوْثَانِ فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: {{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ}} ، (3) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الأَْسَدِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا، فَقَال: عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِْشْرَاكَ بِاللَّهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآْيَةَ: {{وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}} (4) .
وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، قَال ثَلاَثًا: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَال يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. (5)
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَنْ تَزُول قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ. (6)
فَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوِ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ عَمْدًا عَزَّرَهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْزِيرِ، (7) وَسَيَأْتِي آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيهَا.
بِمَ تَثْبُتُ شَهَادَةُ الزُّورِ؟
3 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بِأَنْ يَشْهَدَ بِمَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ: بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ بِفِعْلٍ فِي الشَّامِ فِي وَقْتٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ، أَوْ يَشْهَدَ بِقَتْل رَجُلٍ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَعْوَامٍ وَسِنُّهَا أَقَل مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَل شَيْئًا فِي وَقْتٍ وَقَدْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إِلاَّ بَعْدَهُ وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِ وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ.
4 - وَلاَ تَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لأَِنَّهَا نَفْيٌ لِشَهَادَتِهِ، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ لِلإِْثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فَلاَ يُعَزَّرُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، أَوْ ظُهُورِ فِسْقِهِ أَوْ غَلَطِهِ فِي الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ الْفِسْقَ لاَ يَمْنَعُ الصِّدْقَ، وَالتَّعَارُضُ لاَ يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَالْغَلَطُ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْل وَلاَ يَتَعَمَّدُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ. (8) وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}} . (9)
قَال الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: تَثْبُتُ شَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ مَا يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ قَبْل الْحُكْمِ أَمْ بَعْدَهُ. (10)
كَيْفِيَّةُ عُقُوبَةِ شَاهِدِ الزُّورِ:
5 - لَمَّا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ لَمْ تُقَدِّرْ عُقُوبَةً مُحَدَّدَةً
لِشَاهِدِ الزُّورِ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ هِيَ التَّعْزِيرُ، قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عُقُوبَةِ شَاهِدِ الزُّورِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلاَتُ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ لاَ مِنْ حَيْثُ مَبْدَأُ عِقَابِ شَاهِدِ الزُّورِ بِالتَّعْزِيرِ، إِذْ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْزِيرِهِ. إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ عَمْدًا عَزَّرَهُ وُجُوبًا وَشَهَّرَ بِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْزِيرِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: تَأْدِيبُ شَاهِدِ الزُّورِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ إِنْ رَأَى تَعْزِيرَهُ بِالْجَلْدِ جَلَدَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَحْبِسَهُ، أَوْ كَشْفَ رَأْسِهِ وَإِهَانَتَهُ وَتَوْبِيخَهُ فَعَل ذَلِكَ، وَلاَ يَزِيدُ فِي جَلْدِهِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَقَال الشَّافِعِيُّ: لاَ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّشْهِيرِ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ: فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُوقِفُهُ فِي السُّوقِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل السُّوقِ، أَوْ مَحَلَّةِ قَبِيلَتِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقَبَائِل، أَوْ فِي مَسْجِدِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَسَاجِدِ، وَيَقُول الْمُوَكَّل بِهِ: إِنَّ الْحَاكِمَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلاَمَ وَيَقُول: هَذَا شَاهِدُ زُورٍ فَاعْرِفُوهُ.
6 - وَلاَ يُسَخَّمُ وَجْهٌ (أَيْ يُسَوِّدُهُ) لأَِنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ، (11) وَلاَ يُرْكِبُهُ
مَقْلُوبًا، وَلاَ يُكَلِّفُ الشَّاهِدَ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَل مِمَّا يَرَاهُ - مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ. (12)
7 - وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوِ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بِالزُّورِ عُوقِبَ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ، وَيُطَافُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ زُورٍ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ. وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: إِذَا أَخَذْتُمْ شَاهِدَ الزُّورِ فَاجْلِدُوهُ بِضَرْبِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَسَخِّمُوا وَجْهَهُ وَطَوِّفُوا بِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُطَال حَبْسُهُ؛ لأَِنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ شَهَادَةِ الزُّورِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ، فَقَال: {{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ}} (13) ، وَلأَِنَّ هَذِهِ
الْكَبِيرَةَ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى الْعِبَادِ بِإِتْلاَفِ أَنْفُسِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. (14)
7 م - وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا أَقَرَّ الشَّاهِدُ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا: يُشَهَّرُ بِهِ فِي الأَْسْوَاقِ إِنْ كَانَ سُوقِيًّا، أَوْ بَيْنَ قَوْمِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ، وَذَلِكَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ فِي مَكَانِ تَجَمُّعِ النَّاسِ، وَيَقُول الْمُرْسَل مَعَهُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ، وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ، وَلاَ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ أَوِ الْحَبْسِ؛ لأَِنَّ شُرَيْحًا كَانَ يُشَهِّرُ شَاهِدَ الزُّورِ وَلاَ يُعَزِّرُهُ، وَكَانَ قَضَايَاهُ لاَ تَخْفَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّوَصُّل إِلَى الاِنْزِجَارِ؛ وَهُوَ يَحْصُل بِالتَّشْهِيرِ، بَل رُبَّمَا يَكُونُ أَعْظَمَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الضَّرْبِ، فَيُكْتَفَى بِهِ، وَالضَّرْبُ وَإِنْ كَانَ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ لَكِنَّهُ يَقَعُ مَانِعًا عَنِ الرُّجُوعِ فَوَجَبَ التَّخْفِيفُ نَظَرًا إِلَى هَذَا الْوَجْهِ. (15)
وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ نَقْلاً عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْكَاتِبِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَبِيل التَّوْبَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَزَّرُ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِإِجْمَاعِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لاَ يُعْلَمَ رُجُوعُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ فَإِنَّهُ عَلَى الاِخْتِلاَفِ الَّذِي ذَكَرْنَا. (16)
الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ:
8 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا؛ لأَِنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ حُجَّةٌ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ بِقَدْرِ الْحُجَّةِ، وَلاَ يُزِيل شَيْئًا عَنْ صِفَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ الْعُقُودُ مِنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْفُسُوخُ، فَلاَ يَحِل لِلْمَقْضِيِّ لَهُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، (17) لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ
لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. (18)
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَنْفُذُ قَضَاءٌ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ حَيْثُ كَانَ الْمَحَل قَابِلاً، وَالْقَاضِي غَيْرَ عَالِمٍ بِزُورِهِمْ، لِقَوْل عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لاِمْرَأَةٍ أَقَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَنْكَرَتْ فَقَضَى لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَتْ لَهُ: لِمَ تُزَوِّجُنِي؟ أَمَا وَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيَّ فَجَدِّدْ نِكَاحِي، فَقَال: لاَ أُجَدِّدُ نِكَاحَكَ، الشَّاهِدَانِ زَوَّجَاكَ؛ فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بَاطِنًا بِالْقَضَاءِ لَمَا امْتَنَعَ مِنْ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ عِنْدَ طَلَبِهَا.
9 - وَأَمَّا فِي الأَْمْلاَكِ الْمُرْسَلَةِ (أَيِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ) فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَلَيْسَ بَعْضُ الأَْسْبَابِ بِأَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ لِتَزَاحُمِهَا فَلاَ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ السَّبَبِ سَابِقًا عَلَى الْقَضَاءِ بِطَرِيقِ الاِقْتِضَاءِ. (19)
تَضْمِينُ شُهُودِ الزُّورِ:
10 - مَتَى عُلِمَ أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا بِالزُّورِ: تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بَاطِلاً، وَلَزِمَ نَقْضُهُ وَبُطْلاَنُ
مَا حُكِمَ بِهِ، وَيَضْمَنُ شُهُودُ الزُّورِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ مِنْ ضَمَانٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالاً: رُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إِتْلاَفًا: فَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُمْ سَبَبُ إِتْلاَفِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ إِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، كَأَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ عَمْدٍ عُدْوَانٍ أَوْ بِرِدَّةٍ أَوْ بِزِنًى وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَقُتِل الرَّجُل بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا وَأَقَرَّا بِتَعَمُّدِ قَتْلِهِ، وَقَالاَ: تَعَمَّدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ لِيُقْتَل أَوْ يُقْطَعَ: فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا، لِتَعَمُّدِ الْقَتْل بِتَزْوِيرِ الشَّهَادَةِ، لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ: أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَهُ ثُمَّ عَادَا فَقَالاَ: أَخْطَأْنَا، لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّارِقَ، فَقَال عَلِيٌّ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعَتْكُمَا، وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، وَإِنَّهُمَا تَسَبَّبَا إِلَى قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا فَلَزِمَهُمَا كَالْمُكْرَهِ. وَبِهِ قَال ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
11 - وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا شَهِدُوا زُورًا بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ قِصَاصًا، فَقُطِعَ أَوْ فِي سَرِقَةٍ لَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، وَإِذَا سَرَى أَثَرُ الْقَطْعِ إِلَى
النَّفْسِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، كَمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاضِي إِذَا قَضَى زُورًا بِالْقِصَاصِ، وَكَانَ يَعْلَمُ بِكَذِبِ الشُّهُودِ.
وَتَجِبُ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ إِذَا قَالاَ: تَعَمَّدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَل بِهَذَا، وَكَانَا مِمَّا يَحْتَمِل أَنْ يَجْهَلاَ ذَلِكَ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا لأَِنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ وَلاَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لأَِنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل الاِعْتِرَافَ. (20)
12 - وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ أَوْ شُهُودُ الْحَدِّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ، لَمْ يُسْتَوْفَ الْقَوَدُ وَلاَ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ لاَ سَبِيل إِلَى جَبْرِهَا إِذَا اسْتُوْفِيَتْ بِخِلاَفِ الْمَال، وَلأَِنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ لاِحْتِمَال صِدْقِهِمْ، وَالْقَوَدُ وَالْحَدُّ يُدْرَآنِ بِالشُّبْهَةِ، فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ بَل يُعَزَّرُونَ.
وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَقَدْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الآْخَرُ، وَيَرْجِعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الشُّهُودِ. (21)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَدَا أَشْهَبَ: إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ؛ لأَِنَّ الْقَتْل بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَتْلٌ بِالسَّبَبِ، وَالْقَتْل تَسَبُّبًا لاَ يُسَاوِي الْقَتْل مُبَاشَرَةً، وَلِذَا قَصُرَ أَثَرُهُ، فَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ. (22)
12 م - وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ إِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَى وَيُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ. وَيُحَدُّونَ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى حَدَّ الْقَذْفِ أَوَّلاً. ثُمَّ يُقْتَلُونَ إِذَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ بِالرَّجْمِ.
وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالتَّدَاخُل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: فَإِنْ كَانَ فِي الْحُدُودِ قَتْلٌ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ، لِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ إِلاَّ أَحَاطَ الْقَتْل بِذَلِكَ كُلِّهِ وَلأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ مَعَهُ إِلَى الزَّجْرِ بِغَيْرِهِ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ حَدَّ الْقَذْفِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي الْقَتْل، بَل لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِيفَائِهِ قَبْلَهُ. (23)
تَوْبَةُ شَاهِدِ الزُّورِ:
13 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ فِيهَا وَعَدَالَتُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا}} . (24)
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ. (25)
وَلأَِنَّهُ تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ؛ فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ كَسَائِرِ التَّائِبِينَ.
وَمُدَّةُ ظُهُورِ التَّوْبَةِ عِنْدَهُمْ سَنَةٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ صِحَّةُ التَّوْبَةِ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، فَكَانَتْ أَوْلَى الْمُدَدِ بِالتَّقْدِيرِ سَنَةً؛ لأَِنَّهُ تَمُرُّ فِيهَا الْفُصُول الأَْرْبَعَةُ الَّتِي تَهِيجُ فِيهَا الطَّبَائِعُ وَتَتَغَيَّرُ فِيهَا الأَْحْوَال. (26)
وَقَال الْبَابَرْتِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مُدَّةُ ظُهُورِ التَّوْبَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ
قَال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي. (27)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ ظَاهِرَ الصَّلاَحِ حِينَ شَهِدَ بِالزُّورِ لاَ تُقْبَل لَهُ شَهَادَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ لاِحْتِمَال بَقَائِهِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لِلصَّلاَحِ حِينَ الشَّهَادَةِ فَفِي قَبُولِهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَوْلاَنِ. (28)
__________
(1) المفردات في غريب القرآن، ولسان العرب، ومختار الصحاح، والمصباح المنير مادة "
شهد ".
(2) حاشية الطحطاوي على الدر المختار (3 / 260) ط دار المعرفة، بيروت، والعناية بهامش فتح القدير (3 / 226) ، ط بولاق، ومواهب الجليل 6 / 122 ط دار الفكر بيروت، وفتح الباري (10 / 412) ط الرياض الحديثة، والقرطبي 12 / 55 ط الكتب سنة 1964.
(3) سورة الحج 30 - 31.
(4) حديث: "
عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ". أخرجه ابن ماجه (2 / 794 - ط الحلبي) وأعله ابن حجر في التلخيص (4 / 90 - ط شركة الطباعة الفنية) بقوله: " إسناده مجهول ".
(5) حديث: "
ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 405 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 91 - ط الحلبي) .
(6) حديث: "
لن تزول قدما شاهد الزور ". أخرجه ابن ماجه (2 / 974 - ط الحلبي) وقال البوصيري: " إسناده ضعيف " كذا في مصباح الزجاجة (2 / 38 - ط دار الجنان) .
(7) العناية بهامش فتح القدير 6 / 84 ط بولاق، والمبسوط للسرخسي 16 / 145، ط دار المعرفة بيروت، وبدائع الصنائع 6 / 289 - 290 ط دار الكتاب العربي، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 41، وتبيين الحقائق 4 / 223 ط دار المعرفة بيروت، والشرح الصغير 4 / 744 ط دار المعارف بمصر، والقرطبي 12 / 55 ط الكتاب، وروضة الطالبين 11 / 145 ط المكتب الإسلامي، والمهذب 2 / 329 ط دار المعرفة. بيروت، والقليوبي وعميرة 4 / 319 ط عيسى الحلبي، والمغني 9 / 260 ط الرياض، وأعلام الموقعين 1 / 119) ط دار الجيل.
(8) المبسوط للسرخسي 16 / 145، وفتح القدير 6 / 83، وتبيين الحقائق 4 / 241 ومواهب الجليل 6 / 122، وروضة الطالبين 11 / 145، وأسنى المطالب 4 / 358، والمغني 9 / 262.
(9) سورة الأحزاب آية: 33.
(10) المهذب 2 / 329 ط دار المعرفة بيروت، وتبصرة الحكام 2 / 52.
(11) حديث: "
نهي النبي ﷺ عن المثلة ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 119 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن يزيد.
(12) المدونة 6 / 203 ط دار صادر بيروت، وتبصرة الحكام 2 / 213 ط دار الكتب العلمية، والشرح الصغير 4 / 206 ط دار المعارف بمصر، والمهذب 2 / 330، وروضة الطالبين 11 / 144 - 145، المغني 9 / 260 - 262 ط الرياض.
(13) سورة الحج / آية: 30.
(14) بدائع الصنائع 6 / 289 - 290، وفتح القدير 6 / 83، والبحر الرائق 7 / 125، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 241، وتبيين الحقائق 4 / 242، وشرح العناية بهامش فتح القدير 4 / 84، وابن عابدين 4 / 395، والشرح الصغير 4 / 206، والقوانين الفقهية ص 203 ط دار القلم بيروت، وتبصرة الحكام 2 / 213.
(15) البحر الرائق 7 / 125 - 126، وتبيين الحقائق 4 / 242، والعناية بهامش فتح القدير 4 / 84، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار 3 / 260، والبدائع 6 / 289 - 290.
(16) تبيين الحقائق 4 / 242.
(17) ابن عابدين 4 / 333، والشرح الصغير 4 / 295، وروضة الطالبين 11 / 152، والقليوبي 4 / 304، والمهذب 2 / 343، والمغني 9 / 60.
(18) حديث: "
إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 339 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1337 - ط الحلبي) من حديث أم سلمة.
(19) ابن عابدين 4 / 333، والمغني 9 / 60.
(20) روضة الطالبين 11 / 99 - 300، ونهاية المحتاج 8 / 211، والمهذب 2 / 341، والمغني 9 / 245 - 247، 251، 255، 262، 7 / 645 - 646، وكشاف القناع 6 / 443، والشرح الصغير 4 / 295 ط دار المعارف بمصر.
(21) المراجع السابقة.
(22) بدائع الصنائع 6 / 285، والشرح الصغير 4 / 295.
(23) فتح القدير 4 / 208،209 ط بولاق، والدسوقي (4 / 347) ط دار الفكر، وروضة الطالبين 10 / 164 ط المكتب الإسلامي، والمغني 8 / 213، 214 ط الرياض.
(24) سورة آل عمران آية: 89.
(25) حديث: "
التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1420 - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده مقال، ولكن حسنه ابن حجر لشواهده، كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص - 152 - ط الخانجي) .
(26) شرح العناية بهامش فتح القدير 6 / 84، وروضة الطالبين 11 / 245، 248، والمهذب 2 / 332، والمغني 9 / 202.
2 - الشهادة
* الشهادة: هي الإخبار بما علمه بلفظ أشهد، أو رأيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، شرعها الله لإثبات الحقوق.
قال الله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق/2).
* شروط وجوب أداء الشهادة: أن يدعى لذلك، وأن يقدر عليه، وأن لا يترتب على أدائه لها ضرر يلحقه في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله.
* تَحمُّل الشهادة فرض كفاية إذا كانت في حقوق الآدميين، وأداؤها فرض عين على من تَحَمَّلها إن كانت في حقوق الآدميين، لقوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة/283).
* أداء الشهادة في حق الله تعالى كمن شهد بحد من حدود الله كالزنى ونحوه فأداؤها مباح، وتركها أولى؛ لوجوب ستر المسلم إلا إن كان مجاهراً معروفاً بالفساد فأداؤها أفضل؛ لقطع دابر الفساد والمفسدين.
* لا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم، والعلم يحصل بالرؤية، أو السماع، أو الاستفاضة: وهي الشهرة، كزواج أحد أو موته ونحوهما.
* شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب لإضلال الحكام ليحكموا بغير ما أنزل الله.

موانع الشهادة موانع الشهادة ثمانية، وهي

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

موانع الشهادة
* موانع الشهادة ثمانية، وهي:
1 - قرابة الولادة: وهما الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ للتهمة بقوة القرابة، وتقبل عليهم، وأما بقية القرابة كالإخوة والأعمام ونحوهما، فتقبل لهم وعليهم.
2 - الزوجية: فلا تقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، وتقبل عليهم.
3 - من يجر إلى نفسه نفعاً كشهادته لشريكه أو رقيقه.
4 - من يدفع عن نفسه ضرراً بتلك الشهادة.
5 - العداوة الدنيوية، فمن سره مساءة شخص، أو غمه فرحه فهو عدوه.
6 - من شهد عند حاكم ثم رُدَّت شهادته لخيانة ونحوها.
7 - العصبية، فلا شهادة لمن عُرف بالتعصب.
8 - إذا كان المشهود له مالكاً للشاهد أو خادماً عنده.

فضل الشهادة في سبيل الله

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* فضل الشهادة في سبيل الله:
1 - قال الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران/169).
2 - عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)). متفق عليه (¬1).
3 - أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، وللشهيد عند الله ست خصال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للشهيد عند الله سِتُّ خصال: يَغفر له في أول دُفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر،، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُحلّى حلة الإيمان، ويُزوج من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين إنساناً من أقاربه)). أخرجه الترمذي وابن ماجه (¬2).
* من جُرح جرحاً في سبيل الله جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، عليه طابع الشهداء، والشهادة في سبيل الله تعالى تكفر الذنوب كلها إلا الدَّين.
* من خشي الأسر من المسلمين ولا طاقة له بعدوه فله أن يسلم نفسه، وله أن يقاتل حتى يُقتل أو يغلب.
* من ألقى نفسه في أرض العدو، أو اقتحم في جيوش الكفار المعتدين بقصد التنكيل بالأعداء، وزرع الرعب في قلوبهم خاصة مع اليهود المعتدين، ثم قُتل، فقد نال أجر الشهداء الصابرين، والمجاهدين الصادقين، وهو أقل خسارة، وأكثر نكاية بالأعداء.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2817)، واللفظ له، ومسلم برقم (1877).
(¬2) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم (1663)، صحيح سنن الترمذي رقم (1358). وأخرجه ابن ماجه برقم (2799)، وهذا لفظه، صحيح سنن ابن ماجه رقم (2257).
2 - الشهادة
- الشهادة: هي الإخبار بما علمه الإنسان بلفظ أشهد، أو رأيت، أو سمعت ونحو ذلك.
- حكم الشهادة:
الشهادة مشروعة لإثبات الحقوق وحفظها.
وتحمُّلها وأداؤها عبادة يؤجر عليها الشاهد؛ لما يضمنه من بيان الحق، وحفظ الحقوق.
1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}} [النساء: 135].
2 - وقال الله تعالى: {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)}} [الطلاق: 2].
3 - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ؛ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». أخرجه مسلم (¬1).
- شروط من تُقبل شهادته:
يشترط فيمن تُقبل شهادته ما يلي:
1 - أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا تقبل شهادة الصبيان إلا فيما بينهم.
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1719).
12 - الشهادة
لغة: تعنى الخبر القاطع، وشهد كعلم وكرم، وشهده "كسمعه " شهودا حضره فهو شاهد والجمع شهود وشهد.

والشهيد- وتكسر شينه- الشاهد والأمين فى شهادته، والذى لا يغيب عن علمه شيء، والقتيل فى سبيل الله لأن ملائكة الرحمة تشهده والجمع شهداء (1)

واصطلاحاً: الشهادة ذات وظائف مختلفة، ومعان متعددة، تعنى"التوحيد " أى شهادة ألاّ إله إلا الله، وحين تذكر بصيغة التثنية- أى الشهادتين- فإنها تعنى: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهى بذلك باب الدخول إلى الإسلام والإيمان بالله ربَّا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا.

وقد ورد هذا المعنى فى قوله تعالى] قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم [) الأنعام 19) 0 أى أن أعظم شهادة فى إثبات إنى رسول الله أن الله شهيد على ذلك.

والعلم بالغيب والشهادة صفة خص الله سبحانه وتعالى بها نفسه، فهو وحده "عالم الغيب والشهادة"، وقد جات هذه الخاصية الإلهية فى عدد من آيات الكتاب العزيز، ويجيء ذكرها مقرونا كل مرة بشأن من شئون الألوهية، فيقول عز وجل: {{قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة}} (الأنعام 73).

أى أنه سبحانه يعلم ماغاب من حواسكم وما تشاهدونه. وقوله عز وجل: {{ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}} (التوبة 94) 0 أى الذى لا تخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها. وقوله عز وجل: {{عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}} (المؤمنون 92). ومن نعم الله وأفضاله على الملائكة وعلى أولى العلم من عباده تكريمهم فى مجال الشهادة، فيذكرهم مقرونين بذاته العليّة أنهم يشهدون معه أنه "لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام " وذلك فى قوله عز وجل {{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم}} (آل عمران 18 - 19). فشهادة الله سبحانه وتعالى بوحدانيته هى إيجاد ما يدل على وحدانيته فى العالم وفى نفوسنا وشهادة الملائكة بذلك هى إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وشهادة أولى العلم اطلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك، وهذه الشهادة تختص بأهل العلم، طبقا لما ذهب إلية أكثر المفسرين- وعلى هذا نبه بقوله عز وجل:} إنما يخشى الله من عباده العلماء {{(فاطر 28).

وأداء الشهادة واجب فى الإسلام، بل إن أداءها أقرب إلى أن يكون فرضا منه أن يكون واجبا، ففى أدائها إنصاف المظلوم مثلما أنها تثبت الحقوق لأصحابها، فضلا عن كونها أداة للفصل بين الدائن والمدين وبين أصحاب الخصومات، وفى هذه المواقف يؤكد القرآن الكريم على حتمية أدائها وذلك فى قوله عز وجل}}
ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون {{(البقرة 140).

وفى آية أخرى من سورة البقرة يرد النص القاطع بتأثيم كاتم الشهادة، وذلك فى قوله عز وجل:}}
ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه {{(البقرة 283). وتحتل شهادة "الوصية"، مكانة متينة فى مجتمع المسلمين من منطلق أن الوصية واجبة التنفيذ، والوصية لا تكون إلا فى مجال الخيرات، ومن هنا كان قول الرحمن الرحيم}} يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين {{(المائدة 106).

وتمضى الآيات متتابعة فى إصدار الأحكام الإلهية فى شأن تثبيت الوصية على الوجه السليم الذى لا تشوبه شائبة، وفى ذلك يقول الله عز وجل:}}
ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أق ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين {{(المائدة 108).

وإذا كانت الشهادة فى الإسلام من الخطورة بحيث احتلت مكانة بارزة فى كتاب الله وفى حديث رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن الاهتمام بالشهود- وهم من يقومون بأداء الشهادة- أمر جليل الخطر، فليس كل إنسان مؤهلا لأداء الشهادة.

إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما يراد من الشهادة معرفة الحق" (2) ومن منطلق هذا الهدف النبيل جاء فى السنة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردَّ شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر- ذى الشحناء- على أخيه، ورد شهادة القانع- القانع هو الأجير التابع مثل الأجير الخاص- لأهل البيت وأجازها لغيرهم (3). وعن سليمان بن موسى بإسناده، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تجوز شهادة خائن ولا زان ولا زانية ولا ذى غمر على أخيه ". (4) وتبلغ الدقة فى اختيار الشاهد: الحدود التى قد تبدو غير ذات خطر، ولكن خطورة الشهادة التى على صلاحها يشيع العدل فى المجتمع جعلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول- والرواية لأبى هريرة- "لا تجوز شهادة بدوى على صاحب قرية".

ويقتدى عمر بن الخطاب نهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فى شأن أن يكون الشاهد مؤهلا للشهادة الصالحة، وليس به ما يعيب شهادته حيال أحد طرفى القضية التى يدلى بشهادته فيها. يقول عمر فى "رسالة القضاء" الشهيرة التى بعث بها إلى أبى موسى الأشعرى حين ولاه قضاء البصرة فى إحدى فقراتها فى شأن الشهود: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب) (5).

إن عمر يقرر أن المسلمين جميعا أكفاء فى الشهادة، غير أن بعضا منهم لا تجوز شهادته، الفريق الأول هم الذين أقيمت عليهم الحدود لطعنهم فى أعراض المحصنات، والفريق الثانى ممن لا تجوز شهادتهم هم الذين عرف عنهم أنهم يشهدون زورا، والفريق الثالث من يظن بهم أن ثمت صلة تربط بين الواحد منهم وبين أحد طرفى النزاع مثل صلة القربى أو الرق أو ما شاكل ذلك.

ومن الذين ينطبق عليهم الاستثناء فى أداء الشهادة كاملة النساء، ذلك أن "
شهادة المرأة مثل نصف

شهادة الرجل " طبقا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الذى مر بنا (6). وقد أورد القرآن الكريم شهادة المرأة على هذا النهج فى قوله تعالى:}} واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى {{(البقرة 282).

ثمة نوع آخر من الشهادة يكون الإدلاء بها على جانب من الدقة بالنظر إلى الحرج الذى يقع فيه الشاهد لأنه فى حالتنا هذه يكون واحدا من الأزواج الذين يرمون زوجاتهم بالخيانة الزوجية، وليس لديه شهداء طبقا لطبيعة تطبيق هذا النوع من الحدود، وفى مثل تلك الحالة يكون على الزوج أن يشهد أمام القاضى أربع شهادات بالله أى أربع مرات أنه صادق فى رميه إيّاها بالزنا، ثم يزيد شهادة خامسة بأن يدعو على نفسه باستحقاق لعنة الله ان كان من الكاذبين. وبذلك تكون الزوجة مستحقة عقوبة الزنا وهى الرجم حتى الموت، وفى هذه الحالة لا يدفع عنها عقوبة الحد إلا أن تشهد فى مقابل شهادة زوجها أربع شهادات إنه لكاذب فى اتهامه إياها، ثم تزيد شهادة خامسة بالدعوة على نفسها أنها تستحق غضب الله إن كان زوجها صادقا فى اتهامه إياها، فإذا تم ذلك قام القاضى بالتفريق بينهما.

لقد أورد القرآن الكريم هذه الشهادات من الطرفين تفصيلا فى نطاق من الإعجاز

الربانى فى قوله تعالى}}
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين {{(النور 6 - 7) ثم يكون للزوجة أن تقوم بمثل صنيع زوجها من الإدلاء بخمس شهادات على النحو الذى سبق الاستشهاد به فى الآيتين السابقتين.

ومن الشهادات التى ألف المسلمون سماعها، شهادة براءة يوسف - عليه السلام - من اتهام امرأة العزيز له بمحاولة الاعتداء عليها، وقيام أحد أقربائها بتوضيح البرهان الذى برأه من كيدها وذلك فى قوله عز وجل:}}
وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك {{إلى قوله تعالى:}} فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم {(يوسف 23 - 28).

ومن القضايا التى تنال اهتمام المسلمين كل عام رؤية هلال شهر رمضان التى تصح أصلا بالشهادة، وهى هنا بمعنى الحضور والرؤية بالعين، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" والرؤية تحتاج إلى شهادة من مسلمين بالغين سليمى الإبصار، وهؤلاء يؤدون الشهادة لدى ولى الأمر بأنهم رأوا الهلال، ولا نريد هنا أن نذهب مذاهب المحدثين فى تأويل الرؤية فليس هذا مجالها، وإنما المطلوب فى هذا المقام شهود عدول يؤدون الشهادة بأنهم رأوا هلال رمضان.

لعل هذا الذى أوردناه فى "
الشهادة" لا يعفى من ذكر شهادات أخرى مثل شهادة الزواج وهى غير وثيقة الزواج، وشهادة توكيل العروس لمن اختارته وكيلا لها فى إتمام إجراءات الزواج.

وهناك مصطلح بلفظ الشهادة، وهذه الشهادة هنا تعنى وثيقة، مثل شهادات الميلاد، والوفاة والملكية، وإبراء الذمة، وحسن السير والسلوك، وشهادة النسب الشريف، والشهادات الدراسية التى تبدأ بشهادة الإبتدائية، وتنتهى بشهادة الدكتوراه وغير ذلك كثير. والحق أن مصطلح التسمية فى تلك الأمثلة ينبغى أن يتغير، وأن تستعمل التسمية التى تدل على حقيقة هذه الحالات وهى الوثيقة.

أ. د/ مصطفى الشكعة
__________
المراجع
1 - القاموس المحيط- لمجد الدين الفيروز أبادى ط. مصطفى البابى الحلبى 1955م مادة "
شهد"
2 - صحيح البخارى، أحكام 21
3 - سنن أبى داود باب من ترد شهادته، كتاب الأقضية03600
4 - المصدر السابق03601
5 - تاريخ الطبرى 4/ 253ومعالم الحضارة الإسلامية للدكتور مصطفى الشكعة ص 73 ط. دار العلم للملايين
6 - صحيح مسلم، باب الإيمان، 0132

أبواب السعادة في أسباب الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

أبواب السعادة، في أسباب الشهادة
رسالة.
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الشافعي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.

أنوار السعادة في شرح كلمتي الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

أنوار السعادة، في شرح كلمتي الشهادة
للشيخ، محيي الدين: محمد بن سليمان الكافيجي.
المتوفى: سنة تسع وسبعين وثمانمائة.

رسالة في: كلمتي الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

رسالة في: كلمتي الشهادة
لنور الدين، أبي البركات، الشيخ: عبد الرحمن بن أحمد الجامي.
المتوفى: سنة 898، ثمان وتسعين وتسعمائة.

سر السعادة في عالم الغيب والشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

شرح: كلمتي الشهادة
لمحيي الدين بن يوسف الآيديني.
أوله: (حمدا لمحمودنا الذي ... الخ) .
رتبه على: طبقات.
سماه: (إعراب كلمة الإيمان) .
ذكر أن: المولى: محمود الزغروري، لما كتب رسالة تركية في شرحها، وإعرابها، وأرسلها إلى أهل المدينة، عربها، وأدرجها في الطبقة الثالثة، وأرسلها إلى الروم.
وسماها: (بإعراب كلمة الإيمان) .
شرح: كلمتي الشهادة
لمحيي الدين: محمد بن سليمان الكافيجي.
المتوفى: سنة 879، تسع وسبعين وثمانمائة.
أوله: (الحمد لله الذي خلق الأرض عبرة لذوي الهدى ... الخ) .
رتبه على: مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
سماه: (الأنوار) .
ولعبد الله بن محمد بن عبد العزيز السمرقندي.
أوله: (الحمد لله الظاهر وجوده بشهادة الكائنات ... الخ) .
أورد فيه: مسائل الكلام إجمالا.
وللمولى، جلال الدين: محمد بن أسعد الصديقي، الدواني.
المتوفى: سنة 908، ثمان وتسعمائة.
وللشيخ، ولي الدين: محمد بن أحمد العثماني، الشافعي.
أوله: (الحمد لله المتفرد في صمديته ... الخ) .
وهو مرتب على: خمسة أبواب.

شق الجيب في معرفة أهل الشهادة والغيب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

شق الجيب، في معرفة أهل الشهادة والغيب
رسالة.
في: رجال الغيب.
للشيخ: سالم بن السيد: أحمد بن شيخان بن علي، مولى الدويلة، الحسيني.
المتوفى: سنة 864، أربع وستين وثمانمائة.
أولها: (الحمد لوليه الظاهر بكماله ... الخ) .

عنوان السعادة ودليل الموت على الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

عنوان السعادة، ودليل الموت على الشهادة
لأبي العباس: أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التلمساني.
المتوفى: سنة 776، ست وسبعين وسبعمائة.

مسير أهل السعادة إلى ارتقاء درجات الشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

مسير أهل السعادة، إلى ارتقاء درجات الشهادة
لمحمد بن عمر بن كيكلدي.
أوَّله: (الحمد لله المتفرد في ذاته وصفاته ... الخ) .
جمع فيه: كلام العلماء، والحكماء بأمور الجهاد.
ورتبه على: مقدمة، وقاعدة، وأبواب.

مفتاح أسرار السعادة في عالم الغيب والشهادة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

مفتاح أسرار السعادة، في عالم الغيب والشهادة
للشيخ: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد البسطامي.
مختصر.
أوَّله: (الحمد لله الذي أنبع من قلوب العارفين أنهار حكمته اللدنيات ... الخ) .
رتبه على: مقدمة، وكتابين، وخاتمة.
كلها: تتعلق بخواص الأسماء.
ألفه في: رمضان، سنة 728، ثمان وعشرين وثمانمائة.
لغة: الإعلام، والحضور.
جاء في الحديث: «الغنيمة لمن شهد الواقعة» [نصب الراية للزيلعي 3/ 408]، أي: حضرها.
- والعلم نحو: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا اله إِلّا هُوَ.
[سورة آل عمران، الآية 18] قال الجوهري: الشهادة: خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة.
واصطلاحا: عند الحنفية:
في «الاختيار» : الإخبار عن أمر حضره الشهود وشاهدوه إما معاينة، كالأفعال، نحو: القتل، والزنا، أو سماعا، كالعقود، والإقرارات.
وفي «التعريفات» : إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر.
عند المالكية: إخبار عدل حاكما بما علم ولو بأمر عام ليحكم بمقتضاه.
عند الشافعية: قال الشيخ زكريا: إخبار عن شيء بلفظ خاص.
وقال المناوى: إخبار عن عيان بلفظ أشهد في مجلس القاضي بحق لغيره على غيره.
عند الحنابلة: في «الروض» : هي الإخبار بما علمه بلفظ أشهد أو شهدت.
«التعريفات ص 114، والاختيار 5/ 186، والشرح الصغير 3/ 300 ط. عيسى الحلبي، والتوقيف ص 439، وفتح الوهاب 2/ 220، والروض المربع ص 526، والمطلع ص 406».

الشهادة: سبقت، والبت: هو القطع يقال في قطع الميل، والوصل، وبت الطلاق: قطعه عن الرجعة، وأبت طلاقها- بالألف-: لغة، وبت شهادته وأبتها: جزم بها.
وشهادة البت: جزم الشاهد بشهادته، بأن شهد بما علم مما تدركه حواسه (ولم أجد من نص على تعريف لها).
ويذكرها المالكية في مقابل شهادة السماع ويقولون: إن بينة السماع جازت للضرورة لأنها على خلاف الأصل، ويقولون تقدم بينة البت على بينة السماع. «التوقيف 112، والشرح الصغير 4/ 49 ط. إدارة المعاهد الأزهرية (واضعه) ».
شهادة السماع:
ما يصرح الشاهد فيه باستناد شهادته لسماع من غير معين.
وقال الشيخ ابن عرفة: هي لقب لما يصرح الشاهد فيه باستناد شهادته لسماع من غير معين.
«شرح حدود ابن عرفة 2/ 593، والشرح الصغير 4/ 277، ط. دار المعارف».
الشهادة العدلية:
شهادة يؤديها أمام القاضي عدول رسميون تتضمن التنبيه على إجراء العمل بأشياء دفعا للفجور واحتياطا للحقوق.
«معلمة الفقه المالكي ص 246».
الشهادة على خط المقر:
الشهادة على خط المقر: قول الشاهد: أشهد أن هذا خط فلان [سواء كانت الوثيقة كلها بخطه أو الذي بخطه ما يفيد الإقرار فقط أو أنه كتب بعد تمامه: المنسوب إلىّ فيه صحيح].
«الشرح الصغير 4/ 272 ط. دار المعارف».
الشهادة على الشهادة:
قيام شاهدين بنقل شهادة مقبول الشهادة عند عجزه عن أدائها بنفسه أمام القاضي.
(واضعه).
شهادة النقل:
نقل الشهادة عن الشاهد الأصلي.
وعرّفها الشيخ ابن عرفة: بأنها إخبار الشاهد عن سماعة شهادة غيره أو سماعه إياه لقاض.
«شرح حدود ابن عرفة 2/ 600».

العقيدة الملة كلمة الشهادة

معجم المصطلحات الاسلامية

‎العقيدة الملة كلمة الشهادة Creed

الشهادة البينة الحجة البرهان

معجم المصطلحات الاسلامية

Evidence الشهادة البينة الحجةالبرهان

الإِخْبارُ بِحَـقٍّ لِغَيْرِه في مَـجْلِسِ القاضِي.
Testimony: "Shahādah": telling information obtained by means of witnessing or seeing some incident.
طَلبُ الشَّاهِدِ الأَصْلِيِّ مِن الشَّاهِدِ الفَرْعِيِّ حِفْظَ شَهادَتِهِ وضَبْطَها حَتَّى يُؤدِّيَها عَنْهُ.
Secondary testimony/Testimony to testimony: The original witness asks a secondary (branch) witness to remember his testimony and memorize it accurately so that he would relay it on his behalf (before a judge).
الإخْبارُ بِالحَقِّ الذي لِشَخْصٍ ما على غَيْرِهِ عن عِلْمٍ ويَقِينٍ؛ طَلَباً لِثَوابِ اللهِ تعالى دون مَيْلٍ أو نُقْصانٍ أو زِيادَةٍ.
Establishing testimony: Testifying the due right of someone over another person based on knowledge and certainty for the sake of Allah, without any diversion, deletion, or addition.
الشَّهَادَةُ بِالكَذِبِ عَمْدًا لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى البَاطِلِ.
Perjury/False testimony: Intentionally giving a false testimony with the aim of deception.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت