8-قال الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) (ت122هـ) ، في رسالةٍ لهُ إلى المُجبرَة: ( ... سُبَحَانَه وتَعالَى عَمّا تَقُولُ المُجْبِرةُ والمشبِّهةُ عُلوًا كبيرًا. إذ زَعَمُوا أنّ اللّه سُبحَانَهُ وتَعَالَى خَلَقَ الكُفْرَ بنفسهِ، والجُحودَ والفِرْيَةَ عَلَيه ، ، فَقَالُوا: مِنهُ جَمِيْعُ تَقَلُّبِنَا فِي الحَرَكَات، التِي هِيَ: المَعَاصِي، والطّاعَات، وإنّه مُحَاسِبُنَا يومَ القِيامَة عَلى أفعَالِه التِي فَعَلَهَا، إذْ خَلَقَ: الكُفر، والزِّنا، والسَّرقة، والشِّرك، والقَتل، والظّلم، والجُور، والسَّفَه. ولَولا أنّه خَلَقَها - زعموا - ثم أجْبَرَنا عليها، ما قَدَرْنَا على أن نَّكْفُرَ، وأن نُشْرِكَ، أو نُكَذِّب أنبياءه، أو نَجحَد بِآيَاته، أو نَقتُلَ أوليَاءَه، أو رُسُلَه، فلمّا خَلَقَهَا وجَبَرَنا عَليها، وقَدَّرَها لنَا، لَم نَخرُج مِن قَضائِهِ وقَدَرِه، فَغَضِبَ عَلينَا، وعذَّبنا بالنّار طُولَ الأبَد. .... كَلاّ وبَاعِثِ المُرسَلين، مَاهَذِه صِِفَةُ أحكَم الحَاكِمِين، بَل خَلقَهُم مُكَلَّفِين مُستطيعِين مَحْجُوْجِيْنَ مَأمورين مَنهيين، أمَرَنا بالَخْيرِ ولَم يمْنَعْ مِنه، ونَهى عن الشَّر ولم يُغْرِ عليه، .... فنفتِ المُجبرَةُ والمُشبّهَة عَن أنفُسِهِم جَميعَ المَذَمَّات، والظّلم، والجور، والسَّفَه، ونَسَبُوها إلى اللّه عزّ وجل مِن جَميع الجِهَات. فَقَالوا: خَلقَنَا اللّه أشقياء، ثم عَذَّبنا بالنار، ولَم يَظلِمنَا. فأيّ استهزَاءٍ أعظَمُ مِن هَذا، وأيّ ظًلمٍ أوضح، أو جُور أبْيَن مّمَا وصَفوا بِه اللّه عزوجل؟! ، كَلاَّ ومَالِكِ يومِ الدّين مَا هذهِ صِفَة أرحَمِ الرّاحِمِين، مَن يَأمُر بالعَدلِ والإحسان، ويَنهَى عَن الفَحشَاء والمُنكَر، كَمَا قال سبحانه: ? لاَ يُكَلِّفُ اللّه نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا? و وُسعها: طاَقَتها. بَل كَلّفَهُم أقلّ مِمّا يُطيقُون، وأعطَاهُم أكثرَ ممّا يَسْتَأهلون، لَم يَلتَمِس بِذلِكَ مِنهُم عِلَّة، ولَم يَغتَنِم مِنهُم زَلَّة، ولَم يُخَالِف قَضَاءَهُ بِقَضَائِه، ولا قََدَرَه بِقَدَرِه، ولا حُكمَهُ بِحُكمِه، تَعالى عمّا تَقول المُجبَرة والمُشبّهة عُلوًا كبيرًا، إذ شبَّهوا اللّه سبحانه بالجِنِّ والإنس؛ لأنّ الظُلمَ، والجَهلَ، والفُسوق، والفُجورَ، والكُفر، والسَّفَه لا تَكونُ إلا مِنَ الجِنِّ والإنس ) ) اهـ ، من مجموع رسائله (ع) .
تعليق: كلام حليف القرآن زيد بن علي (ع) ، بخصوص خلق الأفعال وبطلان هذه العقيدَة ظاهر ، وكذلك كلامهُ في التكليف لنا من الله بأقلّ من طاقتنا ، وكذلكَ كلامهُ في القضاء والقدر ، وأنّ الله تعالى لَن يُعارضَ قضائهُ بقضائِه ، ولا قدرَهُ بقدَرِه ، بأن يُريدَ ويَرضى للعباد ، بل ويَخلُقُ فيهِم ( يقضي عليهم ويُقدّر ) المعاصي والشرور ، من الكُفر والفجور وأمثالها ، ثمّ يأمرهُم بعدَ هذا الرّضى منهُ والإرادة والخلق لأفعالهم ومعَاصيهِم ، أن يؤمنوا به ويوحدّوه ، وألاّ يتعدّوا حُدودَه!! ، فيكون سبحانه وتعالى بهذا ، قَد عارضَ قضائهُ بقضائه ، وقدرَهُ بِقَدرِه ، تعالى الله عن هذا السّفَه ( وفيه أن يُريدَ منهُم ما نَهاهُم عنه !! ، وهيَ المُصادَمَة ) .
-هُناك روايَة ، أُثرَت عن الإمام أحمد بن عيسى (ع) يرويها عن أمير المؤمنين علي (ع) ، مَفادها"أنّ أفعال العباد من الله خلق ، ومنَ الإنسان فِعل"، وهذه الرّوايَة ظاهرةُ الوَضع على أحمد بن عيسى (ع) ، لا تصحّ ، ذكرهَا ابن الوزير محمد بن إبراهيم الحسني (ع) ( 775 - 845 هـ ) ، في بعض كتبه كالعواصم والقواصم ، وإيثار الحق على الخلق ، واستنكرَ صدورها عن أمير المؤمنين علي (ع) ، الجدير بالذّكر أنّ ابن الوزير رحمه الله كان مُتشدّدًا على الزيدية ، ليّنَ الجانب مع السنة والجماعَة ، ومعَ ذلِك فقد أنكَر هذه الرّواية وقال: (( قُلتُ: رَواهُ مُنقطعًا بغيرِ إسناد ولَو صحَّ مثلُ هذا عن عليٍ عليه السلام ، أو عَن غَيرِه مِنَ الصّحابَة ، مَا غفلَ عَن تدوينهِ أهلُ الحَديث قَاطِبَة ) )اهـ من إيثار الحق على الخلق ص 319 . بَل إنّ ابن الوزير رحمه الله مع اطّلاعَه على ما جاء ( دُسَّ ) عن أحمد بن عيسى والحسن بن يحيى (ع) في خلق الأفعال ، فإنّه لَم يعتَبِر أقوالَهُم في هذا أدلّةً على خلق الأفعال ، وهذا دليلٌ على أن الحافظ ابن الوزير كانَ قد اطّلعَ عليها وأنكرَها ( وإنكارهُ يُستَشَفّ من إنكاره لعقيدَة خلق أفعال العباد ، وأنّ هذه العقيدَة لَم يصحّ فيها قولٌ ولا أثَر ، ولا صحّ فيها إجماع ) ، فنجدهُ رحمه الله يقول عن هذه العقيدَة: (( اعلَم أنَّا قَد بيَّنا فيما تقدَّم أنَّ السُنّة هيَ ما صحَّ واشتهر واستفاض في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ، وأصحابُه رضي الله عنهُم ، وتابعيهم وبَلَغَنا مُتواترًا أو مشهورًا من غير مُعارَضة ولا شُبهَة ، مثل الإيمان بالأقدار لتواتره في الأخبار والآثار ، فليسَ خلقُ أفعال العباد مِن هذا ولا هُوَ قريبٌ منه ، فلا وجهَ لكونِه مِن السُنة ، لأنًّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم حينَ علَّمَ أركانَ الإسلام والإيمان والإحسان لَمْ يَذكُرْه ، ثمَّ لَم يصِحْ فيه حديث واحِد ولا أثَرْ . وأمّا أخْذُهُ مِن { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } فهُوَ خِلافُ الاحتياط في مواضع الخطر ) )اهـ من إيثار الحق ص 340 -341 .
وخلاصته ، أنَّ هذه الرّوايَة لا تصحّ عن أهل البيت (ع) .