نعم ! المعتزلة قد خاضت في علومٍ فلسفية بحتة ، وهُوَ الأمر الذي لم تُسايرهم فيه الزيدية التي جَعلَت جُلَّ اهتمامها على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واكتفَت بحميدِ علم الكلام المؤدي إلى الهدف المنشود بن توحيد الله وتنزيهه عن الأضداد والأنداد وعن نسبة القبيح إليه .ولكنَّ هذا - التبحر في علم الكلام - ليسَ مُسوّغًا لكثيرٍ من المؤرخين والكُتّاب والنُقّاد أن يتهموا المعتزلة بجلبِ الفلسفات اليونانية والإغريقية والكلاسيكية!! ، وأنّها على هذا الأساس بَنَت مذهبَ الاعتزال ، لأنّ في هذا الكلام مُجازفة واضحة ، فبينما اتفقَ المؤرخون أنَّ المعتزلة ما لمعَ نجمها ، واشتُهِرت بهذا الإسم إلاَّ في عهد واصل بن عطاء (80 -131هـ ) ، فيا تُرى أيُ فلسفات في ذلك العصر الأموي العباسي ؟! وأيُ إغريقيات ويونانيات ؟! .
* أيضًا يجدرُ بنا أن نذكر أن الإباضية والجعفرية والإسماعيلية والأشاعرة والزيدية قد اتفقت مع المعتزلة في بعض أصولها ، والكل لهم سلفٌ ورجالٌ يعولون عليهم ويُعزونَ إليهم ، فهل يصحُ لنا أن نقول: أن الخوارج مُقلدة للمعتزلة ؟! وأنَّ الجعفرية مُقلّدة للمعتزلة ؟! وأن الأشاعرة مُقلّدة للمعتزلة ؟! وأنّ الزيدية مُقلّدة للمعتزلة ؟! ، فإن قالَ بهذا عاقلٌ - ولا أعتقد أنّه أحدًا سيقول بهذا - فإنّ المعتزلة هي جمهور الأمة وسوادها ، وأنَّ التقسيمات التي قسمّها أصحاب الملل والنحل كالشيعة بتيارتها والخوارج بتياراتها والأشاعرة بطرائقها جميعا في الأصل باطلة ، فإنّه لا يوجد إلاّ سنة ومعتزلة !! وفقط . وهذا قولٌ شاذ ، ومن المؤكد أنّه غير مرضي . أليس كذلك ؟ .