فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 37

القول الثالث :

أنّ ترجمان الدين ونجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم الرسي (ع) ( 169 ‍‍ -246هـ ) ، قد تأثّر بأبي الهذيل العلاّف المعتزلي ( ت 235هـ ) ، وذلكَ عندما قابلَه في مصر ، ومِن هُنا بدأت الزيدية طور التحول إلى مذهب الإعتزال .

والجواب على صاحب هذا القول من أربعة وجوه:

الوجه الأول:

أنَّ هذا الكلام ممجوجٌ عقلًا ، تَرفُضُه الفِطَرُ السليمة ، فالإمام القاسم )ع ( كانَ قد عاصرَ سادات آل محمد في أوقاتهم ، ورَبَى بينهم ، وتنَقَّلَ في دورهم ، وتعلَّمَ مِن عِلمِهِم ، وانتهَلَ مما انتهلوا منه ، فأجْمَعت الأمة الإسلامية قاطبةً - وبدون مبالغة - على جلالته وعلى عظيم مَنزِلَته . ) لَن يعيَ هذا الاستبعاد في حق القاسم بن إبراهيم إلاَّ مَن عَرفَ مَن هُوَ القاسم بن إبراهيم! (

ثم أضف إلى معلوماتك أنَّ الإمام القاسم (ع) خرجَ إلى مصر داعيًا بالإمامة لأخيه محمد بن إبراهيم طباطبا ، وعُمرُه - القاسم - آنذاك ستٌ وعشرن سنة ‍ ، فبالله عليكَ يا مُدّعي السوء في هذا الإمام ، هل عَسَيتَ أن يكونَ قدْ خرجَ من مدينة جده الرسول وهُوَ بهذا العمر خالي الصدر من عقيدة أهل بيته المُعاصِرِ لهم فضلًا عن الماضين؟ ‍‍ أم أنّه من الذين ضَلّوا على عِلْم ، وبدّلوا دينَ أهل البيت عنادًا واغترارًا ؟ ثم يجب ألاّ يفوتُك أخي طالب الحق والنجاة أن الإمام محمد بن إبراهيم كانَ قد استُشهِد وأخوه القاسم الرسي يدعو له في مصر ، فما إن سَمِعَ القاسم بخبر استشهاد أخيه حتّى دعا لنفسه بالإمامة باسم الرضا من آل محمد ، وأخذَ البيعاتَ لنفسه ‍‍، والإمام لا يكونُ إمامًا إلاّ وهُو ذا علمٍ وقاد وعزيمةٍ قوية ولعلّ في هذا جوابُ على من يُريدُ أن يقولَ بأن الإمام القاسم (ع) ذهبَ إلى مصر وهُو غير مُسلحٍ بعلومِ آباءه وأهل بيته (ع) ، ثمّ لا يفوتك أيضًا أنّ سادات أهل البيت قد اجتمعوا حولَه وبايعوه أمثال عبدالله بن موسى الجون وأحمد بن عيسى بن زيد ، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليهم السلام ، وكان الحسن بن يحيى فقيه أهل الكوفة قَد سُئِلَ عن القاسم الرسي فأجاب: (( سيّدُنا وكَبيرُنَا، والمَنظورُ إليهِ مِن أهلِنَا، ومَا فِي زَمَانِنَا هَذا أعلَمُ مِنه، ، (( ثمّ لا يفوتك أيضًا تأمّلَ ما قالَهُ الإمام القاسم الرسي(ع) : ) أدركتُ مشيخةَ آل محمد من بني الحسن والحسين وما بينهم اختلاف ( وفي هذا فتأمّل ، ثمَّ لا يفوتُك أيضًا أن تتأمّل تاريخَ مولِد القاسم الرسي(ع) (169 - 246 هـ) وأن تجعلَ فِطرَتكَ السليمة الخالية من التمذهب والأحكام المُسبَقة تَحكُمُ على مَن مِثلُه وفي زَمَنِه وفي بيئته .

الوجه الثاني:

وإضافةً إلى أنَّ هذا القول مرفوضٌ عقلًا ، فإنّه سقيمٌ يتيمٌ تاريخيًا !! ، إذ ليسَ عليه دلالاتٌ قوية تُؤيد حُصولَ هذا التأثر بأبي الهذيل رحمه الله ، ومَن ذكرَ هذه العلاقَة أشارَ إليها إشارةً عابرَة ، لا تكادُ تصمدُ هذه الإشارة أمامَ الحقائق العقلية قبل النقلية ، التي تُفيدُ بأنَّ مذهب الإمام القاسم الرسي (ع) هُوَ مذهبُ مُعاصريه وسابقيه من أهل البيت (ع) .

ثُمَّ فلنفرض أنه قد ثبتَ أن الإمام القاسم (ع) قد التقا بأبي الهذيل في مصر ، فهل هذا الإلتقاء دلالةٌ كافيةٌ على أن القاسم تأثّر بمذهب العلاف ؟ ثُمّ لماذا لا تكون مجالسة القاسم لأبي الهذيل كمجالسة الإمام زيد بن علي (ع) لواصل بن عطاء - رأس المعتزلة - ، مُجالسَةَ عالمٍ لِعالِم ، ائتلفا لمّا التقت أفكارهم في العدل والتوحيد الذي هو أساس مذهب أهل البيت والمعتزلة ، كما التقت أفكارُ الإمام زيد مع أفكار واصل بن عطاء ، بدون أن يتتلمذَ زيدٌ على واصل ، ولا القاسم على العلاف. وسنتعرّف قريبًا ما سبب تقارب الفكر الزيدي وأئمته والفكر المعتزلي وقُضاته .

الوجه الثالث:

أنّ الزيدية تروي كُتُبًا ورَسائلَ للإمام الحسيني زيد بن علي (ع) ، تَحكي عقيدَته الزيدية ، والمُتأمّلُ لهذه الرسائل ولرسائل الإمام القاسم (ع) يجد أن عقيدتهما في الله واحدة ، فليسَ الإمام القاسم (ع) أولَ من أدخلَ هذه العلوم والمعتقدات على مذهب أهل البيت ، فقد كانَ يدينُ الله بها مِن قبلِه زيد بن علي (ع) ، وهذه العقائد نفسها هي ما يدينُ الله به الزيدية اليوم .

قارن بين:

عقيدة الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي (ت264هـ) ، المُتهم بتغيير وتبديل وتحريف! دين أهل البيت (ع) .

وعقيدة الإمام زيد بن علي زين العابدين (ت122هـ) ، المُدوّنَة قبلَ ولادَة القاسم بنصف قرن تقريبًا!! .

الوجه الرابع:

وهو عبارةٌ عن استنتاجٍ عقلي يَحكي تديّنَ أهل البيت (ع) بما زعَم البعض أن القاسم الرسي (ع) أتى بِهِ من الإغريق وفلسفات اليونان !! ، وهُو أنّ الدولة العباسية بعموم - في الغالب - كانت تنصُرُ مذهب الإعتزال الذي هُو قريبٌ من مذهب الزيدية ، وخصوصًا المأمون العباسي صاحبُ محنة خلق القرآن مع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، والكل يعلم أن المأمون العباسي كانَ قد أدنى أمير المؤمنين وإمام أهل البيت علي بن موسى الرضا (ع) منه ، وَزوّجَه ابنته ، وضربَ السكّة بإسمه ، وخَطَبَ له على المنابر ، فَمِن هذهِ المنزلة التي أظهرها المأمون لعلي الرضا (ع) يَستنتجُ العقل أنّ علي الرضا (ع) كانَ ذا كَلِمَةٍ نافِذة ومسموعةٍ لدى المأمون ، ومعَ هذا فإنَّ مذهب أهل العدل والتوحيد الذي هُو دين الزيدية والمعتزلة لَم يَبلُغ أوْجَهُ إلاّ في عهد المأمون العباسي !! ، فهَل عسى العاقِل أن يقول بأنّ علي بن موسى الرضا (ع) سكتَ عن المنكر !! أم أنّهُ سيقول بأنّ الرضا (ع) لم يسكت على أمرٍ كهذا في الأهمية والإرتباط بالدين المحمدي إلاَّ وهُوَ راضٍ تمامَ الرضا عن هذا الإظهار لمذهب أهل العدل والتوحيد !! ، أضف إلى ذلكَ أن المأمون كانَ يُسمّي الإمام علي بن موسى (ع) بـ"الرضا من آل محمد"، وهذا شِعارُ الزيدية وأئمتها ، الذي خرجَ يدعو به زيد بن علي (ع) ، والذي خرجَ يدعو به القاسم الرسي (ع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت