فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 23

ولا سراة إذا جهالهم سادوا ... إن شمولية الإسلام تعني بداهة تنظيم شؤون الحياة كلها على أساس من الدين، ولا شك أن نظام الدولة، أو الحكم هو ما يسمى في الإسلام بالخلافة وهو ركن أساسي لم تغفل عنه الشريعة الغراء.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [90] .

يقول الإمام القرطبي في تفسيره: (هذه الآية أصل في تنصيب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة، والدليل هذه الآية وقوله: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [91] . وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} [92] . أي جعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآيات) .

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: (قد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} على وجوب نصب الخليفة للفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .

وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة ميتة جاهلية) [93] .

قال الشيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام لدين إلا بها، فإن بني أدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأٍس .. فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها) [94] .

قال الإمام النووي: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع لا بالقتل) [95] .

قال ابن خلدون: (إن نصب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسوله الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر بعد ذلك) [96] .

قال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة والشيعة والخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانتباه إلى إمام عادل يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم) [97] .

قال الإمام النسفي: (والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة، والمتلمسة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات، وقبول الشهادات، وقسمة الغنائم .. ) .

وأضاف الشارح: (ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة .. فإن نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين .. فما أن تحقق أبو بكر من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى خرج على الناس يقول لهم: ألا إن محمدا قد مات ولا بد لهذا الدين من يقوم به، ولم يدفن عليه والصلاة والسلام حتى أقام المسلمون أبا بكر خليفة له) [98] .

قال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [99] .

وإقامة الدين وأحكامه وشرائعه في حياة البشر لا تكون دون حاكم أو إمارة فإذا ما غاب الحاكم وتُرك الناس فوضى لأهوائهم ضاعت بالتالي شريعة الحكم بالإسلام.

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

يقول الماوردي: (السلطان إمام ممنوع وسيرته دين مشروع، فإن ظلم لم يعدل أحد، وإن عدل لم يجسر أحد على الظلم) .

ولهذا قيل .."الناس على دين ملوكهم".

وقد حدد العلماء شروط الإمامة:

ذكرا، حرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا، بصيرا، سليم الأعضاء، خبيرا بالحروب، قرشيا - على الصحيح - وفي ذلك تفصيل ليس هذا محله.

ركز الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام، اتفاق العلماء، على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع.

والخلافة - نظام الحكم الإسلامي - يقوم على دعامتين .. العدل والشورى.

وهو يختلف عن أي نظام حكم في العالم، قد يتشابه في بعض فروعه .. أو جزئياته .. ولكنه ككل يختلف عن غيره اختلافا جوهريا.

فالإمامة في الإسلام موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا. كما عرفها الفقهاء، وكما أوضح ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمن ناداه يا خليفة الله، فقال لست خليفة الله، ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والخليفة في الإسلام مهمته وراثة النبوة، بإقامة أحكامها ويجمع ذلك أمران:

الأول: إقامة أحكام الدين.

الثاني: سياسة الدنيا بالدين.

وهذا يعني حفظ الدين والقيام على شعائره، وإقامة العدل بين الناس، وجباية الأموال، والصدقات، والدفاع عن الدولة والمحافظة على الأمن، والإشراف على الأمور العامة، والجهاد في سبيل الله [100] .

والأدلة كثيرة زاخرة تفيض بها كتب السياسة الشرعية في تأكيد وجوب الإمامة، وتنصيب الخليفة، وإقامة الخلافة الإسلامية، وكيف أن هذا الواجب لا يسع المسلمون تركه أو التقاعد عنه .. بل عليهم السعي والجهاد لإقامته وإلا أثموا جميعا.

(90) القرآن الكريم،"سورة البقرة"، الآية30.

(91) القرآن الكريم،"سورة ص"، الآية 26.

(92) القرآن الكريم،"سورة النور"، الآية25.

(93) رواه مسلم.

(94) ابن تيميه، السياسة الشرعية، ص161.

(95) مسلم شرح النووي، ج12، ص205.

(96) مقدمة ابن خلدون، ص019.

(97) الفصل الملل والنحل، ح4، ص106.

(98) شرح العقائد النسفية، ص143 - 181.

(99) القرآن الكريم،"سورة الشورى،"الآية13

(100) قال عبد الله بن عمر بن العاص:"بينما نحن حول رسول صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا"، يعني القسطنطينية، واخرجه الدارمي في السنن واحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت