هوت الخلافة عنك والإسلام ... استمرت الخلافة الإسلامية متصلة الحلقات، تنقلب فيها عاصمة الخلافة من المدينة المنورة عاصمة خلافة الراشدين المهديين رضي الله عنهم إلى دمشق عاصمة الخلافة الأموية ثم بغداد حاضرة الخلافة العباسية.
وبعد نكبة التتار، وسقوط بغداد على يد هولاكو في منتصف القرن السابع الهجري، انتقلت خلافة العباسيين الى القاهرة حيث حكم المماليك إلى أن قامت الخلافة العثمانية في تركيا، واستمرت زهاء أربعة قرون ونصف قرن حتى كان إعلان نهايتها وسقوط عملها منذ ستين عاما فقط سنة 1924.
وظلت الخلافة عبر القرون الطويلة تمثل الرابطة التي تجمع المسلمين، في شتى بقاع العالم، ترفع راية الإسلام، وتقوم على أمر الدين، تحمي الديار وتذود عن الحمى والمقدسات وتفتح البلاد.
وامتدت أطراف دولة الآلام حتى شملت ثلاث قارات من حدود الصين إلى أقاصي المغرب، وفتحت أجزاء من أوروبا ودخل الإسلام القسطنطينية كما بشر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكان هذا الفتح العظيم - فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية التي استعصت على المسلمين ثمانية قرون - على يد الخليفة العثماني محمد الفاتح [101] واستطاع العثمانيون بذلك أن يسجلوا انتصارات حاسمة على النصرانية في شرق أوروبا [102] كما استطاعوا وقف الزحف الصليبي الجديد على السواحل الإسلامية بالشام والجزيرة العربية، فكانوا بذلك درع الإسلام المنيع وسده الحصين.
واستمرت الدولة العثمانية كتيبة الصدام الأول للمسلمين ضد أطماع الصليبيين وأعداء الإسلام، فخاضت غمار معارك عسكرية، ولم تهدأ قط واستطاعت الصمود سنين طوال أمام عدو تكالب عليها من كل صوب، ولكن مع مرور الزمن، دبت في الدولة العثمانية عوامل الضعف والفساد، واشتدت المؤامرات الداخلية ومفاسد الحكم والصراع على السلطة.
ومنذ أوائل القرن الماضي - التاسع عشر - بدأت الجيوش الصليبية تطرق من جديد أبواب الأمة الإسلامية، واستطاعت قوى الكفر - إنجلترا وفرنسا وروسيا - اقتطاع أطراف الدولة العثمانية التي كانت تعاني شدة الضعف المزمن والتفكك، فتساقطت دولها الواحدة تلوا الأخرى [103] .
واستطاع الدهاء اليهودي أن ينفث سمومه في أركان الدولة المثخنة بالجراح، حتى تمكن أعداء الله من إسقاط أخر خليفة له سلطة فعلية (السلطان عبد الحميد) ، وتم عزله سنة 1908، وقاد يهود الدونمة تركيا إلى مزيد من الفساد والضلال، حتى وقعت الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) وفي سنة 1924 أعلن الحاقد الخبيث كمال أتاتورك سقوط الخلافة الإسلامية تماما، وفصل تركيا عن العالم الإسلامي.
ويقول الدكتور محمد محمد حسين:(وتمخضت الحرب العالمية الأولى .. وما ترتب عليها وما تلاها من تقلبات عن اخطر ظاهرة في حياة الإسلام والمسلمين، فللمرة الأولى في حياتهم سقطت الخلافة بعد أن اتصلت حلقاتها ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن.
وكانت دولة الخلافة تقوم برعاية شؤون المسلمين والقيام بأمر الدين وإسعاف المنكوبين حسب الظروف والأحوال، ثم إن الحرب العالمية الأولى تكشفت عن وقوع البقية من بلاد المسلمين تحت سيطرة الدول الغربية، ولم يعد بين الدول الإسلامية دولة واحدة تملك أمر نفسها، أو تستطيع الاستقلال بنفسها، أما تركيا مقر الخلافة الزائلة فإنها لم تكتف بالتخلي عن الخلافة بل انسلخت من إسلامها، أو كذلك أراد لها حكمها، بل لقد أمعنت في استدبار الدين حتى حاربت بكل قوة أي محاولة ترمي إلى إحياء المبادئ الإسلامية) [104] .
واستطاع أتاتورك أن يفصل تركيا تماما عن العمل الإسلامي، فأعلن العلمانية - فصل الدين عن الدولة - وفرض القوانين المدنية الفرنسية بديلا عن الشريعة الإسلامية وألغى المحاكم الشرعية وقوانين الأحوال الشخصية، وحرم تعدد الزوجات، والطلاق، وساوى بين المرأة والرجل في الميراث، ومنع التعليم الديني، واستبدل بالحروف العربية حروفا لاتينية، وشجع السفور والإباحية وارتكاب الموبقات، وأغلق كثيرا من المساجد، ومنع الأذان وصلاة الجمعة والجماعة.
واهتز العالم الإسلامي الجريح لهذه الأنباء الخطيرة القادمة من عاصمة الخلافة الإسلامية، وقام العلماء والمفكرون يحاولون إصلاح هذا الخطب الشديد، ورأب الصدع الهائل، ولكن باءت المحاولات كلها بالفشل.
وبعنوان"يا غربة الإسلام في موطنه"نقل الدكتور محمد حسين هذا المقال المنشور سنة 1924 في الصحف المصرية: (فما رمي الإسلام بسهم أوحى لجلده، وأوهن لعضده، وأدمي لكبده من هذا السهم الذي رماه به الكماليون، وما استطاع أعداء الإسلام أشد ما كانوا رغبة في الكيد له والنكاية فيه أن يبلغوا منه ما بلغ هؤلاء الكماليون على مرأى ومسمع من المسلمين جميعا، فإقدام الكمالين على إلغاء الخلافة أكبر جريمة في عهد هذه الدولة على الدولة. وأشنع جريمة في تاريخ الإسلام على الإسلام، فأي شر يحسب هؤلاء الملاحدة أنهم بإلغاء الخلافة يدفعون، وأي خير يظنون أنهم للدولة بذلك يجلبون) [105] .
وخرجت الشعوب المسلمة في مظاهرات صاخبة اجتاحت الامة من شرقها وغربها تستنكر تلك الجريمة الشنعاء وحاول العلماء وشيوخ الأزهر عقد مؤتمر إسلامي لبحث امر الخلافة الضائعة ولكن المؤتمر باء بالفشل واستيقظ المسلمون على نعي الخلافة.
يا أخت أندلس عليك سلام
طويت وعمَّ العالمين ظلام ... طوي الهلال عن السماء فليتها
يسعى ولا الجُمَعُ الحسان تقام ... خفت الأذان فما عليك موحد
وبكت عليك ممالك ونواحي ... ضجت عليك مآذن ومنابر
تبكي عليك بمدمع سحاح ... الهند والهةٌ ومصر حزينة
أمحا من الأرض الخلافة ماح ... والشام تسأل والعراق وفارس
وهكذا كانت تلك المأساة، المأساة الرهيبة التي ما زلنا إلى اليوم نجني مرارتها، ونذوق مغبتها، فها هي أمة الإسلام قد تفتت إلى دويلات هزيلة متطاحنة، تولى حكمها زنادقة فاسقون وكفار مرتدون، وأعوان وذيول للاستعمار [106] يأتمرون بأمره، ويسيرون على نهجه، ويتمثلون خطاه، ويطلبون رضاه، وليت الأمر اقتصر على هذا، ولكن أعداء الله وعوا درس التاريخ تماما، وأدركوا أن تاريخ الخلافة وانتقالها من بلد لآخر هو نذير بإمكانية قيامها مرة أخرى في أي بلد عربي إسلامي إذا تهيأت لهذا الأمر أسبابه، وقام له رجاله.
فمن اجل ذلك، أبى المحتل الغاصب أن يترك البلاد قبل أن يطمئن على خلفائه العملاء من بعده، وأبى كذلك أن يترك الإسلام الحنيف وقودا يوقظ المؤمنين به، ويحرك من اخلص له لإعادة حكمه وخلافته.
فكانت الحرب الضروس، على الإسلام بمعتقداته ومنهجه وشرائعه، وكان الدين الجديد الذي زرعوه ليحل محل الإسلام - العلمانية - الكافرة الفاجرة، التي رفع علمها ذلك الملحد مصطفى كمال اتاتورك في تركيا سنة 1924 [107] .
101 قام الخليفة العثماني محمد الفاتح بن مراد بفتح القسطنطينية وهو ابن أربع وعشرين سنة وكان تحت قيادته في الجيش ثلاثمائة ألف مقاتل، ومدفعية هائلة وأكثر من مائة وعشرون سفينة حربية، وقد أورد المؤرخ المسلم بن اياس ظرفا من الرسائل بين السلطان محمد الفاتح إلى سلطان المماليك بمصر والى شريف مكة، جاء فيها"فهمنا هذا العام عممه لله بالبركة والانعام مجتمعين بحبل الله ذي الجلال والاكرام متمسكين بفضل الملك العلام الى أداة فرض الغزاة في الاسلام -فريضة الجهاد- مؤتمرين بأمره تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ... ثم يقول:"حاربناهم وحاربونا، وقاتلناهم وقاتلونا، وجرى بيننا وبينهم القتال اربعة وخمسين يوما وليلة، وحتى طلع الصبح الصادق فهجمنا مثل النجوم رجوما على الشياطين، فمنّ الله تعالى بالفتح قبل ان تطلع الشمس من شروقها، فلما ظهروا على هؤلاء الانجاس، طهرنا البلاد من القسوس ... واخرجنا منها الصليب والناقوس ... وسيرنا معابد عبدة الاصنام مساجد أهل الاسلام" (من كتاب فصل الدين عن الدولة -لاسماعيل الكيلاني) ."
102 في عهد السلطان سليمان القانوني أعاد تنظيم الجيش وتسليحه بأحداث الأسلحة فغزا بلغراد سنة 1524 واستولى على جزيزة درودمش، وهزم جيوش المجر سنة 1987 في موقعة (موداكس) واستمرت فتوحاته في شرق أوروبا حتى أصر الملك (فرديناند) على دفع الجزية للدولة العثمانية واقام المساجد في البلاد المفتوحة، واستطاع كذلك طرد الملك كارل الخامس من الجزائر المفتوحة كما استطاع تخليص بغداد من الشيعة الصفويين وتعقبهم حتى احتل (تبريز) وارتفع الهلال التركي فوق (الاناضول) والبلقان والمجر شرق اوروبا وشمال افريقيا وبلاد العرب كلها.
103 في سنة 1868 غزا الروس طشقند وسمر قند ثم بخارى واستولى الانجليز على الهند سنة 1857 فقضوا على دولة المغل الاسلامية، واحتلوا جزيرة قبرص ثم مصر سنة 1882 ثم العراق سنة 1914 وفلسطين سنة 1918 أما اليونان فقد استطاعت الحصول على جزيرة كريت سنة 1897 بعد ان ارغمت تسعين الف مسلم على الهجرة منها، اما الجيوش الفرنسية الصليبية فاحتلت الجزائر سنة 1830 وتونس سنة 1881 ومراكش سنة 1912 والشام سنة 1920 اما ايطاليا فاحتلت ارتيريا وليبيا سنة 1912 واقتسمت الصومال دول الاحتلال الصليبي فرنسا وانجلترا وايطاليا.
104 محمد محمد حسين الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر ج2
105 المصدر نفسه ص39
106 كان لا بد لجيوش الاحتلال أن ترحل مهما طال بقاؤها، ولذا أخذ المحتلون يبحثون عن ذيل او بديل يمضي مكانهم في تنفيذ مخططهم الاثيم في حرب الاسم وإبعاده، والقضاء عليه فلم يجدوا افضل من الضباط العسكرين من أبناء البلد، يقومون بهذه المهمة الخسيسة، فهؤلاء الضباط اكثر شغفا بالسلطة، واسرع في الوصول الى الحكم، واكثر استجابة في تنفيذ الاوامر وتلبيتها، وهم اشد بطشا وفتكا لاي معارضة او مقاومة، ثم الأهم من ذلك كله فهذه الطبقة العسكرية الجديدة قد أعدت إعدادا خاصا يجعلها (علمانية - غربية) لا تحترم دينا ولا تستنكر حراما، ولا يعنيها سوى سلطانها وجاها - وهكذا شهدت البلاد العربية ثورات عسكرية متعاقبة، سورية سنة1949، مصر سنة 1952، باركتها قوى الاحتلال وساندتها، وتحقق على ايديها أشد انواع البطش والتنكيل، والارهاب ضد الاسلام والمسلمين. (من كتاب اساليب الغزو الفكري- علي جريشة- بتصرف/ وانظر -لعبة الامم-مايلزكوبلاند) .
107 هذا الملحد الحقير اتاتورك اتخذه حكام البلاد قدوة وأسوة ومثلا يحتذى به، ساروا على نهجه وضلاله، فأشاد به مصطفى النحاس، وترسم خطه جمال عبد الناصر، وافتخر به السادات وكرر مقالته في فصل الدين عن الدولة. واصبحت العلمانية هي الشريعة المطبقة في البلاد.