لعلمت أنك في العبادة تلعب ... لقد احتلها أحفاد القردة والخنازير، أحطّ شعوب الأرض، وغدا المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين - أسيرًا في أيدي اليهود!
أفغانستان المسلمة؛ في حرب إبادة يشنها الروس الملاحدة منذ أربع سنين، وأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ من المسلمين مشردًا!
مذابح المسلمين في الفلبيين وتايلاندا وكمبوديا وبورما ... وهل نسينا مذابح آسام الهندية؟! .. أكثر من ثلاثة آلاف مسلم يذبحون في ساعات معدودة!
لماذا تهون دماء المسلمين وتهدر ولا ترتفع صرخة، أو مجرد كلمة، تدفع هذا الهوان؟ أي ذل أشد من هذا؟!
أين المسلمون من مذابح أثيوبيا وتنزانيا والصومال؟! ومن للثوار المسلمين في أرتيريا؟!
وهكذا تتهاوى بلاد المسلمين، وتتساقط الواحدة تلو الأخرى، لتضيف المزيد إلى تعداد الدول الإسلامية المغتصبة بعد الأندلس والهند وبخارى وتركستان وبلاد شرق أوروبا، وغيرها الكثير ... وما من ملبّ وما من مجيب!
ترى هل سكرت أبصارنا؟! أم ضرب على أسماعنا، فلم تعد أنات إخواننا وصرخات أسرى المسلمين تصل إلى أذاننا؟
يقول القاضي ابن العربي: ( ... إلا أن يكونوا أُسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة بالبدن، بألا يبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عدونا يحتمل ذلك أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، وكذلك قال الإمام مالك وجميع العلماء. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما حل بالخلق من تركهم إخواننا في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والقوة والجلد) [115] .
قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
إن المسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله، في جميع أحواله، والأمر بالجهاد وذكر فضائله وثوابه في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر، بل لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها - كما يقول ابن تيمية رحمة الله - مثل ما ورد فيه، إذ أن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة مثل محبة الله والإخلاص له والصبر والزهد، والقائم به بين إحدى الحسنين دائمًا إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
وفي الصحيحين: (سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) .
ولعظيم أثر الجهاد ودلالته على الإيمان، قال الفقهاء: (المقام في ثغور المسلمين أفضل من المحاورة في المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى) ، وتعليل ذلك أن الرباط من جنس الجهاد والمحاورة غايتها أن تكون من جنس الحج.
قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
ولهذا كانت كلمات المجاهد عبد الله بن المبارك إلى أخيه الزاهد الفضيل بن عياض تحمل هذا المعاني السامية:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
فنحورنا بدمائنا تتخضب ... من يخضب جيده بدموعه
فخيولنا يوم الكريهة تتعب ... أو كان يتعب خيله في باطل
ومع السنابك والغبار الأطيب ... ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
قول صحيح صادق لا يكذب ... ولقد أتانا من مقال نبينا
أنف امرئ ودخان نار تلهب ... لا يستوي غبار خيل الله في
ليس الشهيد بميت لا يكذب ... هذا كتاب الله ينطق بيننا
إن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان، وضياع الديار، وتسلط الكفرة الفجار لم يكن إلا بسبب تركهم الجهاد والقعود عن القتال، وهذا من العذاب الذي يوعد به الله تعالى تاركي الجهاد {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [116] .
قال الإمام ابن العربي المالكي في تفسيره: (في هذه الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا، أما العذاب في الدنيا فهو باستيلاء العدو على الديار والبلاد، وفي الآخرة عذاب النار وبئس المصر) .
يقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ َ} [117] .
يقول الشيخ أبو بكر الجزائري: (وجب على المسلمين أن يعدوا من السلاح ويهيئوا من العتاد الحربي ويدربوا من الرجال على فنون الحرب والقتال ما يمكنهم لا من رد هجمات العدو فحسب، بل ومن الغزو في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونشر العدل والخير والرحمة في الأرض وكذلك يجب على المسلمين أن يكون التجنيد إجباريًا بينهم لكل شاب يضطر إلى الخدمة العسكرية حتى يحسن فنون الحرب والقتال، ويسجل اسمه في ديوان الجيش العام ويكون بذلك مستعدًا لداعي الجهاد في أي لحظة يدعوه فيها ومع صلاح نيته قد يجري له عمل المرابط في سبيل الله، كما يجب على المسلمين أن يعدوا من المصانع الحربية المنتجة لكل سلاح وجد في العالم أو يجد فيه ولو أدى ذلك إلي ترك كل ما ليس بضروري من المأكل والملبس والمشرب والمسكن، الأمر الذي يجعلهم يقومون بواجب الجهاد ويؤدون فريضته على أحسن الوجوه وأكملها وإلا فهم آثمون وعرضة لعذاب الله في الدنيا والآخرة) [118] .
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) [119] .
هذه الفروض الشرعية الواجبة على المسلمين، تحرير البلاد الإسلامية المغتصبة وإنقاذ الأسرى والجهاد لنشر الدين - ما الذي يمنع المسلمين عنها؟ هل يمكن أن يقوم بها نظام الحكم في مصر؟
وبشيء من التفصيل ...
هل يمكن أن تعد مصر جيشًا يخرج لاسترداد البلاد الإسلامية المغتصبة، التي لوثها الكفار المحتلون بدءا بفلسطين ولبنان ومرورا بالهند وأفغانستان حتى جزر الفلبين؟
هل يمكن للحكومة المصرية أن تتقدم لإنقاذ أسرى المسلمين وتبذل في سبيل ذلك الموال والأنفس؟ هل يمكن في ظل الحكم الحالي أن تجيش جيوش ترفع راية التوحيد، تغزو العالم باسم الله وفي سبيل الله تنشر الحق والعدل وتقيم فرض الجهاد؟
إن أي عاقل لن يجد سوى النفي إجابة لما سبق.
والأمر واضح لا يحتاج لمزيد إسهاب؛ إن الحكم العلماني في مصر لا يحترم الإسلام وشرعه. ولا يقيم اعتبارًا لفرائضه وأوامره، مهما أدعى المنافقون والجهلاء وغير ذلك.
كيف يقاتل جيش مصر في سبيل الله، وقادته وحكومته وتبارز الله بالمعية! كيف ننقذ أسرى المسلمين وسجون مصر ممتلئة بهم، تزخر بالمؤمنين المتقين والمجاهدين المخلصين!
كيف تحارب مصر أعداء الله - اليهود - وقد أقامت معهم معاهدات الصلح، وفتحت لهم البلاد ... وتمت الخيانة البشعة لمسلمي فلسطين المعذبين؟!
شتان بين ما يفرضه الإسلام وبين واقع الحكم في بلدنا!
ثم لنكن صرحاء ...
إن الحديث عن فلسطين وأفغانستان وغيرهما لا يزيد أن يكون حديث الضعفاء والعاجزين والواهمين ...
إنه حديث يثير الأسى والشجون ولا يتعدى ذلك بحال ... إنه حديث من لا يملك، يعزي نفسه ويصبرها ... وتلك الكلمات حين تصدق، لا تزيد عن شعارات وحماس، سرعان ما تنطفئ أمام واقعتا الأليم.
فلنكن صرحاء، ولنصدق القول مع أنفسنا ...
إن الطريق يبدأ بمصر ... ولا بد أن تتحرر مصر من سيطرة العلمانيين الفجار ... ولا بد أن تتحرر مصر من تبعية اليهود والنصارى ... ولا بد أن تعود مصر إلى حكم المسلمين ... وتعود حاضنة عمرو بن العاص ... وقلعة صلاح الدين الأيوبي ...
وحينئذ ... لن يقف أمامنا يهود أو نصارى أو ملاحدة ... {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [120] .
115 ابن تيمية، مجموع الفتاوي ج8 ص 203
116 القرآن الكريم"سورة التوبة"الاية 39
117 القران الكريم"سورة الانفال"الاية 60
118 ابو بكر الجزائري منهاج المسلم ص35
119 رواه مسلم
120 القرآن الكريم"سورة الروم"الآيتان 4 و5