فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 23

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أجمع علماء الأمة على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر والزنا والميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها والتي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافا عند العلماء) [75] .

وقال أيضًا: (فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة من شرائع الإسلام وإن تكلم بالشهادتين) [76] .

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [77] .

قال ابن تيمية: (والدين هو الطاعة فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) [78] .

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين َ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [79] .

قال القاضي ابن العربي المالكي معلقا على الآية: (فإن قيل ذلك فيمن يستعمل الربا، قلنا نعم و فيمن فعله فقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا وعلى ترك الجمعة والجماعة) [80] .

وهذه الآية يقول ابن تيمية: (هذه الآية نزلت في أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا، ولكن كانوا يتعاملون بالربا فأنزل الله هذه الآية وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقي من الربا وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .. والربا آخر المحرمات في القرآن فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التي هي أسبق تحريما وأعظم تحريما) [81] .

روى الإمام مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله ألا الله فقد عصم مني ماله ونفسه وإلا بحقه وحسابه على الله) . فقال أبو بكر: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه) ، فقال عمر بن الخطاب: (فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) .. وفي رواية فقال أبو بكر: (أرأيت لو سألوا ترك الصلاة، أرأيت لو سألوا ترك الصيام أرأيت لو سألوا ترك الحج فإذا لا تبقى عروة من عرى الإسلام إلا انحلت) [82] .

قال النووي في شرح الحديث: (وفيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصيام أو غيرها من واجبات الإسلام قليلا أو كثيرا لقوله رضي الله عنه -"لو منعوني عقالا أو عناقا) [83] ."

وقال الخطابي في شرح الحديث السابق: (أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أو هريرة بقوله:(وكفر من كفر من العرب) .

والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا الصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام .. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك ..

وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه فراجع أبا بكر رضي الله عنه وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله". وكان هذا من عمر رضي الله عنه تعلقا بظاهر الكلام من قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر رضي الله عنه: (إن الزكاة حق المال"يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومعلقة بإيفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحمل بأحدهما والآخر معدوم) [84] ."

فالذين منعوا الزكاة على عهد أبي ولم ينكروا وجوبها بل منعوها بخلا منهم قاتلهم الصاحية رضي الله عنهم فعلم أن أي طائفة ذات شوكة تمتنع عن شرائع الإسلام تقاتل عليها وإن كانت مقرة بالوجوب .. فإن ابن تيمية"جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب".. فعصمه المال والدم لها شرطان: الإسلام والقيام بحقوق الإسلام .. وقد قضى الشرع بأن كل طائفة ذات شوكة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام يجب قتالها حتى تذعن وتلتزم ما تركته من الشرائع.

قال الإمام مالك: (الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه) .

قال ابن تيمية: (أية طائفة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله) .

وتستعمل الكلمات لها لتعلن هذا الحكم الشرعي في بحث (حكم الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام) والمقدم لقضية أمن الدولة العليا تحديا لهم .. وتنطلق الكلمات الصريحة قوية مدوية لتزيح ستار الكتمان عن هذا الحكم الشرعي؛ أيما طائفة ذات شوكة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة الواجبة فإنها تقاتل عليها.

-وإن كانت مقرة بوجوب ما امتنعت عنه.

-وإن كانت مسلمة تنطق بالشهادتين.

-ومن أعان هذه الطائفة قوتل كقتالها.

-ومن خرج في صف هذه الطائفة مكرها قوتل أيضا، ويبعث يوم القيامة على نيته.

-وقتالها واجب ابتداءً وإن لم تبدأ هي بالقتال.

-ولا يكف المسلمون عن قتالها حتى تلتزم شرائع الإسلام التي تركتها ويستوثقون من ذلك.

-والمسلمون مأمورون بقتال هذه الطائفة وإن لم يكن لهم - أي للمسلمين - إماما ممكن يقاتلون تحت رايته.

-بل هم مأمورون بقتالهم، وإن كان حكام بلادهم رؤساء هذه الطائفة الممتنعة.

-وقتال هذه الطائفة ليس من جنس قتال البغاة.

-فالبغاة خارجون عن طاعة الإمام أو خارجون عليه بتأويل.

-أما هذه الطائفة فإنها خارجة عن الإسلام، أي عن شرائعه.

-فهم بمنزلة مانعي الزكاة والخوارج.

-فقتالهم من جنس قتال مانعي الزكاة والخوارج.

-وهذه الطائفة لا تكفر طالما أنها لم تجحد وجوب ما امتنعت عنه.

-أما إذا جحدوا فقد صاروا بالجحود مرتدين.

-يقاتلون كقتال المرتدين ولا يكف المسلمين عن قتالهم حتى يعودوا إلى دينهم أو يقتلوا عن أخرهم [85] .

إن الشرع الحنيف يأمر بقتال أي طائفة تمتنع عن أي شريعة من شرائع الإسلام عن الصلاة أو الزكاة أو الحج أو عن التزام تحريم الخمر والربا أو الميسر أو التي تعطل حدود الله وأحكامه.

يقول الشيخ علي جريشه مشيرا إلى موطن الداء: (رفض الدين كله كفر، ورفض بعض الدين كفر، وقد تكون فتنة التجزئة أخطر من فتنة الرفض الكلي، لأن الضلال بها يكون أشد أو يلتبس الحق بالباطل، والطيب بالخبيث، ويلتبس الأمر على الناس فيظنون متى رأوا المساجد مفتحة والمآذن مشرعة، إن ما هم تحته حكم شرعي، وشرع الله ينتقص عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة، والفتنة تعني إلى جانب الضلال والاختلال التزين والغواية. وإذا كان الله سبحانه قد أعلن حربه وحرب رسوله للامتناع عن إقامة حكم واحد من أحكام الإسلام وهي الربا، فأي حرب تكون إذا صار الامتناع عن إقامة كثير من الأحكام بل جل الأحكام، ومن ذا يطيق حرب الله ورسوله! {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} [86] .

إن اتفاق العلماء على قتال من ضيع شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، ولا ندري ما كانوا يقولوا لو عرض عليهم من يمتنعون عن شرائع الإسلام كلها أو أكثرها.

إن القعود عن هذا الجهاد هو التهلكة التي حذر منها القرآن، ولا خلاف في جهاد من منع بعض شريعة الله وأولى به من منع كل شريعة الله.

إن امتناع الطوائف الحاكمة لبلادنا عن شرائع الإسلام أظهر من أن يذكر ويسهب فيه.

سئل ابن تيمية عن بلدة اسمها (ماردين) عامة أهلها مسلمون وحكامها خارجون عن شرائع الإسلام؟ فأفتى بأنها"دار مركبة" [87] يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه .. لعمر الله فكأنه يفتي في بلادنا.

إن هذه الطائفة التي تعاون الحاكم على كفره وتعطل شرع الله وتمتنع عن الحكم بكتابه وإقامة حدوده .. وتقف لديه بالمرصاد .. وتمنع المسلمين من إقامة الدين في الأرض.

هي، وكل من وقف في صفها يحميها ويذود عنها، كلهم جميعا قد حكم الإسلام بوجوب قتالهم، وإن أقروا مما امتنعوا عنه .. وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم سيقومون بتطبيق شريعة الإسلام يومًا ما.

فإما أن يعودوا ويلتزموا شريعة الإسلام كاملة، ويتحول إقرارهم إلى التزام حقيقي، وإما أن نعزلهم عن القيادة، ونقصيهم عن السيادة .. حتى يتواروا، ويتولى المسلمون قيادة البلاد والعباد، والحكم بكتاب الله.

وقديما؛ أفتى ابن تيمية في التتار أنهم يقاتَلون لامتناعهم عن بعض شرائع الإسلام، وقد كان عامة جند التتار مسلمون، وكان حكامهم قد أعلنوا إسلامهم، ولكنهم حكموا بالياسق .. وعطلوا الحكم بشرائع الإسلام.

فأفتى ابن تيمية بوجوب قتالهم. قال: (وعندهم من الإسلام بعضه، هم متفاوتون فيه لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها) [88] .

إن الحديث عن الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام هو حديث دماء وقتال .. ومواجهة لا محيد عنها.

فبعد أن أقيمت الحجة والبرهان .. وعجزت الدعوة والموعظة والبيان .. واستأسد الطغيان .. لم يعد هنالك جدوى لأي صوت سوى صوت طلقات الرصاص .. ودمدمة المدافع .. ودوي القنابل، نعم إنه القتال .. القتال الذي أُمرنا به .. والجهاد الذي لا بديل عنه .. إنها المواجهة المسلحة التي قادها .. ويقودها رجال {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [89] .

(75) ابن تيميه، مجموع الفتاوى

(76) ابن تيميه، السياسة الشرعية، ص14

(77) القرآن الكريم،"سورة الأنفال"الآية39

(78) ابن تيميه، مجموع الفتاوى

(79) القرآن الكريم،"سورة البقرة،"الآيتان 278 - 279

(80) ابن العربي، أحكام القرآن، سورة البقرة، ج2، ص596

(81) ابن تيميه، مجموع الفتاوى

(82) الماوردي، الأحكام السلمانية

(83) مسلم شرح النووي

(84) صحيح مسلم شرح النووي

(85) يراجع تفاصيل هذه الأحكام في بحث (الطائفة المتنعة من شريعة من شرائع الإسلام) الذي أعدته الجماعة الإسلامية- وقال عنه فضيلة الشيخ عمر عبد الرحمن: لم يؤلف- في موضوعه- مثله قط

(86) علي جريشه، أصول الشريعة الإسلامية، ص71 - 72

(87) أي اجتمعت فيها معاني الإسلام لكون أصلها مسلمين، والكفر لكونها تحكم بغير شرع الله.

(88) مجموع الفتاوى، ابن تيميه، جـ28

(89) القرآن الكريم،"سورة الأحزاب،"الآية 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت