هذا وقد أجابوا على ما استدل به القائلون بالتوقيف بأن الدليل النقلي لا حجة فيه لغة فالله جل وعلا قال: عرضهم والمراد أعيان بني آدم، أو الملائكة [1] ،وهو يقال لما يعقل، ولو أراد الأشياء لقال: عرضها، أو عرضهن، كما أن المنقول فيه تأويل مفسرين، ولا دليل قاطع في الباب، وهو أيضًا محتمل بأن كان موضوعا قبل آدم بوضع خلق آخرين فعلمه ما تواضع عليه غيره، ويحتمل أنه أراد أسماء السماء والأرض، وما في الجنة والنار، دون الأسامي التي حدثت مسمياتها والآثار الواردة معارضة، وما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال [2] .
رد القائلون بالتوقيف على أصحاب الاصطلاح بشاهد قرآني على أن التغليب سنة من سنن العرب، وأن قوله تعالى (عرضهم) هو من باب التغليب؛ لأنه جمع ما يعقل وما لا يعقل؛ فغلّب ما يعقل، بدليل قوله تعالى: (((وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [3] فقال منهم تغليبًا لمن يمشي على رجلين وهم بنو آدم )) [4] .
كما أن المنقول له حكم الرفع؛ لأنه أخبار عن أمور غيبية يتعذر علمها على الصحابة، إلا مع تعليم من الشرع مع أن القائل به حبر الأمة، وترجمان القرآن الذي دعا له النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) [5] أما بقية ما ذكروه فهي مجرد تخرصات، لا حجة تدعمها، ولا دليل ينهض بها، ولا تقوى على المعارضة، فهي والمعدوم سواء.
هذا القول جامع بين القولين، واقف على الحياد يحاول أن يقرب وجهات النظر وحجته فيما ذهب إليه، إن العقل يجّوز أن تكون اللغة توقيفية، وأن تكون
(1) ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 1/ 216.
(2) ينظر: روضة الناظر وجنة المناظر:1/ 172.
(3) النور: 45.
(4) الصاحبي: 7.
(5) ينظر: كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 9.