النحو مع التنبه لمعتقدات العلماء لأنها قد تؤثر في اختياراتهم النحوية ومذاهبهم اللغوية.
يعتقد المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله، قادر عليها، منسوب إليه ما ترتب على عمله من قبح وحسن، وهم إذ استدلوا لمعتقدهم هذا بأدلة عقلية متعددة، نسجوها من محض خيالهم؛ فإنهم قد جوبهوا بالأدلة النقلية المبطلة لتوجههم، والقاطعة ببطلانه، والمؤيدة والرائدة لمعتقد أهل السنة القاضي بأن الله تعالى خالق للعباد، وأفعالهم ... [1] ولكن ما يفتقرون إليه لتقرير هذا المعتقد وتثبيته هو الدليل النقلي، وهنا ظهر الأثر الفعلي للشاهد القرآني في هذه القضية ــــ أيضا ـــــ وعلى الوجه الآتي:
ــ (ما) في قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [2] .
لعل أقوى ما جابه المعتزلة من الأدلة النقلية في هذا المقام، قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ،حيث أفادت هذه الآية أن العباد وأفعالهم خلق لله تعالى على اعتبار أن (ما) مصدرية، أما المعتزلة فانتصارا لمذهبهم حملوا (ما) على الموصولية، فصار تأويل الآية عندهم: والذي تعملونه، أي: من الأصنام، وعلى هذا لن يرجع الخلق إلى نفس فعل العباد. قال الزمخشري: (( إن قلت: فما أنكرت أن تكون ما مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما تقول المجبرة؟ قلت؛ قرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جليًا، وينبو عنه نبوًّا ظاهرًا، وذلك أن الله عزّ وجلّ قد احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعًا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم، ولم يكن محتجًا عليهم ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر: وهو أن قوله:(مَا تَعْمَلُونَ) ترجمة عن قوله: (مَا تَنْحِتُونَ) ،و (ما) في (مَا تَنْحِتُونَ) موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلاّ متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما
(1) - ينظر: التبصير في الدين:1/ 82، 90، والملل والنحل:1/ 45، 78.
(2) - سورة الصافات: 96.