مما تقدم نرى كيف أن الأصولي واختياره في الاستنباطات الفقهية مؤثّر تأثيرًا مباشرًا على الاستدلال من المصادر الشرعية وفي مقدمتها القرآن الكريم.
قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) [1] .
احتج بهذه الآية من قال: إن الواو تفيد الترتيب؛ لأنها لما نزلت قال الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بم نبدأ؟ قال: (( ابدؤوا بما بدأ الله به ) )، [2] فدل ذلك على الترتيب. [3]
أما النافون للترتيب فقالوا: (( إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بتقديم الصفا؛ لأن اللفظ كان يقتضي ذلك، وإنما بيّن - عليه الصلاة والسلام - المراد، لما في الواو من الإجمال، ويدل على ذلك سؤال الجماعة بم نبدأ؟ ولو كانت الواو للترتيب لفهموا ذلك من غير سؤال؛ لأنهم كانوا عربًا فصحاء، وبلغتهم نزل القرآن فدل أنها للجمع من غير ترتيب ) ). [4]
وقد رجح الجمهور كون الواو لمطلق الجمع في الآية، وأن الترتيب مستفاد من أمر آخر، وهو أن البداية بالذكر في مصطلح الكلام تدل على زيادة عناية بذلك الشيء، فيظهر بها قوة صالحة للترجيح، [5] وقد صار الترتيب في السعي بين الصفا والمروة واجبًا بفعله - صلى الله عليه وسلم - وبقوله، لا بنص الآية.
وبهذا التَّرجيح قال الجمهور: إن السعي بين الصفا والمروة لا بد أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا ألغي ذلك الشوط. [6] .
(1) - سورة البقرة:158.
(2) - رواه الترمذي عن جابر، وقال: حديث حسن صحيح.
(3) - ينظر: الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 67، وشرح المفصل:8/ 93.
(4) - شرح المفصل: 8/ 93.
(5) - ينظر: أصول السرخسي:1/ 202،وبداية المجتهد: 2/ 111.
(6) - ينظر: أصول السرخسي:1/ 202.