فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 33

المطلب الثاني: أثر الشاهد النحوي القرآني في بعض اختياراتهم العقدية:

اتفق المعتزلة بجميع فرقهم على أن الله تعالى لا يرى يوم القيامة مخالفين بذلك أهل السنة والجماعة من الأشاعرة وغيرهم، رادين الأدلة القطعية الواردة بهذا الشأن من الآيات القاطعة، والأحاديث المتواترة، منطلقين من أصلهم القاضي بنفي التشبيه عن الذات الإلهية بجميع وجوهه، وبما أن رؤية الله يلزم منها التشبيه للذات الإلهية بالأجسام؛ لكون الرؤية يترتب عليها المكان، والحيز، والجهة، والإحاطة، وهذه من صفات الأجسام [1] ،لذا يجب نفيها إذْ هذا هو المنطلق الأصلي في نفي صفة الرؤية عن الله تعالى عند المعتزلة دليل عقلي بحت، ولكن ما يفتقرون إليه لتقرير هذا المعتقد وتثبيته هو الدليل النقلي، وهنا ظهر الأثر الفعلي للشاهد القرآني في هذه القضية وعلى الوجه الآتي:

- (لن) في قوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) [2] :

جعل المعتزلة من قوله تعالى في سورة الأعراف: (لَنْ تَرَانِي) الدليل القاطع على ما ذهبوا إليه، وهو الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه في القول برؤية الله ـ جل وعلا ـ يوم القيامة، وأن غيره من الأدلة يرجع في بيان مدلوله، أو في قبوله، أو رفضه إلى هذا الدليل، ووجه استدلالهم كان نحويا، فالمعتزلة قالوا: إن (لن) حرف نفي ناصب للفعل المضارع، وأن النفي فيه نفي مطلق غير محدد، أي: أنه نفي للتأبيد، وهذا يعني أن نفي الرؤية عن الله مؤبد مطلق، لم يكن فيما مضى أبدا، ولن يكون في المستقبل أبدا، ولبيان وجه استدلالهم على وجه التحديد أنقل لكم كلام الزمخشري في كشافه الذي يوضح فيه وجه الاستدلال وكيفيته، فقال:

(( إن قلت: فكيف قال:(لَن تَرَانِي) ،ولم يقل: (لن تنظر إليّ) ،لقوله: (َنظُرْ إِلَيْكَ) ؟ قلت: لما قال: (أَرِنِي) ،بمعنى: اجعلني متمكنًا من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطِّلْبَة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: (لن تراني) ،ولم يقل: (لن تنظر إليّ) .فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك وهو من أعلم الناس بالله وصفاته

(1) - ينظر: التبصير في الدين:1/ 101،151،والملل والنحل:1/ 78، 88.

(2) - سورة الأعراف:143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت