فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 33

وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة. وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة. ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم؛ لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا) إلى قوله: (تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء) [1] ،فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالًا؟ قلت: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالًا، وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله: (لَن تَرَانِي) ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) [2] .... وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم، وجلّ صاحب الجمل أن يجعل الله منظورًا إليه، مقابلًا بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبي الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟ فإن قلت: ما معنى: (لَن) ؟ قلت: تأكيدًا النفي الذي تعطيه (لا) وذلك أن (لا) تنفي المستقبل. تقول: لا أفعل غدًا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [3] ،فقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [4] ،نفي للرؤية فيما يستقبل. و (لَن تَرَانِي) تأكيد وبيان؛ لأنّ المنفي مناف لصفاته )) [5] .

وقال في المفصل: (( و(لن) تأكيد ما تعطيه (لا) من نفي المستقبل )). [6]

فهذا هو وجه استدلالهم بـ (لن) فالنفي فيها مؤكد لعدم حصول الفعل في المستقبل وهو بحسب زعمهم ابدي لا يقيد بقيد ولا يرفعه رافع.

(1) - سورة الأعراف:155.

(2) - سورة الأعراف:143.

(3) - سورة الحج:73.

(4) - سورة الأنعام:103.

(5) - الكشاف:2/ 144 - 146.

(6) - المفصل في علم العربية:307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت