إذ كان يدرس عنده واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فجاءا بمقالة غريبة فاعتزلا مجلس الحسن وجلسا وحدهم وسماهم الناس معتزلة منذ ذلك الوقت. [1]
أما عن بيان حقيقتهم ومقالاتهم فمما ذكر فيهم أن المعتزلة (( يسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازا من وصمة اللقب إذ كان الذم به متفقا عليه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام:(القدرية مجوس هذه الأمة) [2] ،وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد فكيف يطلق لفظ الضد على الضد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (القدرية خصماء الله في القدر) [3] ....
واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفى التشبيه عنه من كل وجه جهة، ومكانا، وصورة، وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط توحيدا.
واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها، وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا، وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر، وظلم، وفعل هو كفر، ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عدلا، واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح، والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلا ... )) [4] .
فهذه هي المعتزلة من حيث الأفكار، والمعتقدات، وقد افترقت هذه الفرقة إلى أكثر من عشرين فرقة [5] ؛ لأن الأمر الذي يكون من عند غير الله، فالاختلاف الكبير الكثير الشديد، هو الأمر المحتم فيه (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [6]
(1) - ينظر: التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين:1/ 21 - 22.
(2) - رواه أبو داود، سنن أبي داود، (باب: في القدر) برقم: (4691) .
(3) - رواه الطبراني في المعجم الأوسط: (باب من اسمه محمد) برقم: (6510) ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمْ خُصَمَاءُ اللَّهِ، أَلَا وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ) .
(4) ـ ينظر: الملل والنحل:1/ 43 - 46،وينظر: التبصير في الدين:63 - 67،
(5) ـ ينظر: الفرق بين الفرق:1/ 93،والتبصير في الدين:67 - 95.
(6) - سورة النساء:82.