قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [1]
اختلف الفقهاء في ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية، فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه، قال ابن رشد (ت 595 هـ) : (( فقال قوم: هو سنة؛ وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة والثوري وداود، وقال قوم: هو فريضة؛ وبه قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد، وهو كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة ) ). [2]
وذكر سبب اختلافهم فقال: (( وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف؛ وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة ... فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه ) ) [3] .
واختلف الفقهاء كذلك في الموالاة في أفعال الوضوء (( فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة، ساقطة مع النسيان ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الموالاة ليست من واجبات الوضوء ) ) [4] ... والسبب في اختلافهم كما يذكر ابن رشد (( الاشتراك الذي في الواو؛ وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض، وقد يعطف بها الأشياء المتراخية بعضها عن بعض ... وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة أيضًا في الاختلاف في حمل الأفعال على الوجوب أو على الندب ) ). [5]
وأرى أن السبب في اختلافهم راجع إلى الاختلاف في حمل أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب أو على الندب، مع احتمالية رجوعه إلى الواو.
(1) - سورة المائدة:6.
(2) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 1/ 23.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - بداية المجتهد:1/ 24.
(5) - بداية المجتهد:1/ 24.