ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلاّ الإذعان للحق، وذلك أنك وإن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضًا فأنك قاطع بذلك الوصلة بين (ما تعملون) و (ما تنحتون) ،حتى تخالف بين المرادين بهما؛ فتزيد بما تنحتون: الأعيان التي هي الأصنام، ربما تعملون: المعاني التي هي الأعمال؛ وفي ذلك فك النظم وتبتيره؛ كما إذا جعلتها مصدرية )) [1] .
فهذا هو وجه استدلالهم، وقد رد عليه أهل السنة بما يخرسه فقالوا: (( ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله الله تعالى:(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وأخبر سبحانه أنه خلقهم ونفس أعمالهم كما أخبر أنه يجازيهم على نفس أعمالهم بقوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [2] فانصرف ذلك إلى حركاتهم في العمل وصار التقدير خلقكم وعملكم فأجاب القدري المخالف وقال لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية لأن المراد بالآية والله خلقكم والحجارة التي تعملونها أصناما بدليل قوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) [3] وأراد الأصنام لأنهم عبدوها ولم يعبدوا أعمالهم هذا نكتة قوله ولنا عن ذلك أجوبه أحدها أن يقال هذا صرف للكلام عن ظاهره وتبديل لا تأويل والتصريف يشهد لصحة ما قلنا وذلك أنه يقال عمل يعمل عملا فهو عامل والعين معمول فيها فالعمل هو المصدر وهو اسم العمل وهو حركته بالعمل أو آثار عمله فاسم العمل يقع على ذلك حقيقة فمن حمل العمل عليه صرفه إلى الحقيقة والعين المعمول فيها وهي الأخشاب والأحجار المنحوتة لا تسمى عملا وإنما تسمى معمولا بها وتسمى معمولا بها مجازا لا حقيقة لأنه لا يعملها حقيقة.
جواب ثان: .. وهو أن قول القائل نحت كقوله ضرب وذلك يشتمل على ستة أشياء على الفاعل وعلى المصدر وهو الضرب والنحت وهو المفعول حقيقة وعلى المفعول به وهو المنحوت والمضروب وليس بمفعول للفاعل حقيقة وإنما فعل الفاعل فعلا أوقعه فيه فيسمى مفعولا له مجازا والفاعل لها هو الله وعلى ظرف الزمان وظرف المكان
(1) - الكشاف:4/ 53 - 54.
(2) - سورة السجدة:17.
(3) - سورة الصافات:95.