والثاني: إن ذلك السجود من الملائكة لآدم -عليه السلام- قد حدث وانتهى في أول الخلق، ولا يمكن أن يتكرر مرة أخرى لأحد من المخلوقات.
وأما فعل الأمر فقد ورد في اثني عشر موضعًا، جاءت خمسة منها في قصة آدم -عليه السلام-، وسبعة أخرى خطابًا للمؤمنين.
4 -قرر علماء اللغة أن الزيادة في المبنى تؤذن بالزيادة في المعنى، وبناء عليه فإن الحروف التي زيدت على كلمة (سجد) أخرجتها إلى صيغ اسمية جديدة، وهي: اسم الفاعل (ساجد) ، وجموع الكثرة (سُجّد وسُجود) ، واسم المكان مفردًا وجمعًا (مسجد ومساجد) .
فأما اسم الفاعل (ساجد) ، فقد ورد في القرآن في اثني عشر موضعًا كما ذكرنا آنفًا. ودلالة اسم الفاعل يرجع إلى ما يميز هذه الصيغة من سمات كلٍ من الاسم والفعل معًا.
ففي تقسيم النحاة القديم للكلم نجد أن البصريين يصنفونها في قسم الأسماء، بينما يصنفه الكوفيون في قسم الأفعال؛ حيث يقسمون الفعل إلى ماضٍ، ومضارع دائم؛ ويقصدون بالدائم: صيغة اسم الفاعل الأمر، الذي جعل ذلك مثار جدلٍ كبيرٍ في الدراسات اللغوية القديمة والحديثة، وقد ترتب على تلك الطبيعة المزدوجة لاسم الفاعل وصار مشتركًا بين الدلالة على الثبوت من جهة النظر إليه كاسم في مقابل الفعل الدال على التجدد.
ولعل وجود صفة الفعلية في المشتقات توضح المسوغات لإدخال هذه الأسماء في باب الفعل الدائم كما سماه الفراء. والفراء هو القائل بمصطلح الدائم [1] ، وأعني بالفعلية الدلالة على الحدث والحدوث والفاعل أو المفعول؛ لأن الفعل ما دلّ على الحدث وزمنه وفاعله، والحدوث في الأسماء ما يقابل الثبوت؛ وهو دوام التغير وطول أمد الحركة، فقد قال النحاة: إن اسم الفاعل يدل على الحدث والحدوث وفاعله [2] . ويقصد بالحدث: معنى المصدر [3] ، فـ"قائم"-مثلًا- اسم فاعل يدل على القيام وهو الحدث، وعلى الحدوث: أي التغير؛ فالقيام ليس ملازمًا لصاحبه، ويدل على ذات الفاعل: أي صاحب القيام.
وإن اسم الفاعل يقع وسطًا بين الفعل والصفة المشبهة، والفعل يدل على التجدد والحدوث، فإن كان ماضيًا دلّ على أن حدثه تم في الماضي، وإن كان حالًا أو استقبالًا دل على ذلك، أما اسم الفاعل فهو أدوم وأثبت من الفعل؛ ولكنه لا يرقى إلى ثبوت الصفة المشبهة، فإن كلمة"قائم"أدوم
(1) التصريح: 2/ 65.
(2) معاني الأبنية في العربية: ص 46.
(3) المرجع نفسه: ص 47.