وأثبت من"قام"أو"يقوم"، ولكن ليس ثبوتها مثل ثبوت"طويل"أو"دميم"أو"قصير"، فإنه يمكن الانفكاك عن القيام إلى الجلوس أو غيره، ولكن لا يمكن الانفكاك عن الطول أو الدمامة أو القصر. وقد تكون هناك صفات مشبهة يمكن الانفكاك عنها كعطشان وصديان، ولكن يبقى الخلاف بينها وبين اسم الفاعل واضحًا [1] .
وقد عقد الجرجاني موازنة بين خصائص المضارع واسم الفاعل، وكان ينظر إلى مصطلح الفراء حيث فسر كلمة"الدائم"، فقال في قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} . الكهف:18، فإن أحدًا لا يشك في امتناع الفعل هاهنا، وإن قولنا: كلبهم باسط ذراعيه لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئًا فشيئًا. ولا فرق بين"وكلبهم باسط"وبين أن يقول:"وكلبهم واحد"مثلًا في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئًا؛ بل تثبته بصفة هو عليها، فالغرض -إذن- تأدية هيئة الكلب، ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرًا بيّنًا، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، فإذا قلت: زيد طويل وعمرو قصير، لم يصلح مكانه يطول ويقصر، وإنما تقول يطول ويقصر إذا كان الحديث عن الشيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك مما يتجدد فيه الطول أو تتحدث فيه عن القصر، فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة وعن شيء قد استقر طوله ولم يكن ثمّ تزايد وتجدد فلا يصلح إلا الاسم [2] ؛ لأن"اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه، كما يقال فلان شرب الخمر، وفلان شارب الخمر، وفلان نفذ أمره، وفلان نافذ أمره، فإنه لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ومن اسم الفاعل يفهم ذلك" [3] .
ويرى سيبويه في باب اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى، تطابق اسم الفاعل والمضارع في الزمن في كل أحوال اسم الفاعل، ويبدأ بالمنوّن فيمثل للمستقبل بقوله: هذا ضارب زيدًا غدًا، فمعناه وعمله مثل هذا يضرب زيدًا غدًا، ويمثل للحال بقوله: فإذا تحدثت عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك وتقول: هذا ضارب عبد الله الساعة، فمعناه وعمله مثل هذا يضرب زيدًا الساعة، ويمثل للماضي المستمر بقوله: وكان زيدٌ ضاربًا أباك، فإنما تحدث أيضًا عن اتصال فعل في حال وقوعه، ويمثل له أيضًا بقوله: وكان موافقًا زيدًا، فمعناه وعمله كقولك: كان يضرب أباك، ويوافق زيدًا [4] .
(1) الكتاب: 1/ 164.
(2) المرجع نفسه: ص 166.
(3) المرجع نفسه: 1/ 181.
(4) معاني القرآن: 2/ 232.