إذا كان لإنسان على آخر حق فمنعه منه مع اعترافه بالدين أو جحد الدين أصلًا، ثم إن المدين أودع عند صاحب الحق مالًا وديعة فهل يحق لصاحب الحق أن يأخذ قدر حقه من الوديعة؟
ذكر هذه المسألة البغوي (1) عند كلامه عن حديث هند (2) بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية التي جاءت تشكو بخل زوجها أبي سفيان (3) رضي الله عنهم الذي في نهايته قول النبي صلى الله عليه وسلم:"خذي مايكفيك وولدك بالمعروف"· متفق عليه (4) ·
فذكر البغوي في شرح السنة فوائد وأنواعًا من الفقه ··· فقال:
ومنها: أن من له حق على غيره يمنعه إياه فظفر من ماله بشيء جاز له أن يقتضي منه حقه، سواء كان من جنس حقه أو لم يكن إياه، ثم يبيع ماليس من جنس حقه، فيستوفي حقه من ثمنه ·
ثم بين البغوي كيفية استنباط هذا الحكم من حديث هند فقال:
وذلك أنه معلوم أن منزل الرجل الشحيح لايجمع كل ما يحتاج إليه أهله وولده من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم، ثم أطلق لها الإذن في أخذ كفايتها وكفاية أولادها، ولا يكون ذلك إلا بصرف غير جنس حقها في تحصيل ماهو من جنس حقها، وهذا هو قول الشافعي (1) ·
وذهب قوم إلى أنه يأخذ من ماله من جنس حقه، حتى لو أودعه دراهم، وله على المودع مثلها فله أخذها من حقه، فإن جحد المودع ماله، كان له أن يجحد وديعته، فيمسكها عن حقه، وإن كانت الوديعة دنانير فليس له أن يجحدها وأن يأخذ منها حقه، وهو قول سفيان الثوري (2) ·
وقال أصحاب الرأي: يأخذ أحد النقدين عن الآخر، ولا يجوز الأخذ من جنس آخر ·
وذهب مالك إلى أنه لايجوز جحود وديعته سواء كان من جنس حقه، أو لم يكن ·
واحتج بما روي عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (3) ·
رواه الترمذي (1) وقال:
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: إذا كان للرجل على آخر شيء فذهب به فوقع له عنده شيء، فليس له أن يحبس عنه بقدر ماذهب له عليه ·
ورخص فيه بعض أهل العلم من التابعين، وهو قول الثوري، وقال إن كان له عليه دراهم فوقع له عنده دنانير فليس له أن يحبس بمكان دراهمه إلا أن يقع له عنده دراهم، فله حينئذٍ أن يحبس من دراهمه بقدر ماله عليه · أ·هـ كلام الترمذي ·
ونعود إلى البغوي الذي بين مايراد من الحديث الذي احتج به مالك وهو (أد الأمانة إلى من ····) الحديث · فقال: والمراد من هذا - يعني الحديث أن يخونه بعد استيفاء حقه بزيادة جزاء لخيانته، فأما استيفاء قدر حقه فمأذون له فيه من جهة الشرع في حديث هند، فلا يدخل تحت النهي عن الخيانة (2) ·
(قلت) النقل عن المالكية لعله عن غير المشهور أو عن غير المذهب، لأن المذهب أن للمستودع الأخذ منها بقدر حقه إن أمن العقوبة والرذيلة وربها ملد أو منكر أو ظالم، ويشهد له (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ···) (3) إلخ ولافرق بين أخذ العين والمثل والقيمة على المذهب ·
نعم، مانقله الشيخ البغوي ذكره الشيخ خليل (4) في مختصره (5) ، والشيخ خليل (ت 767 هـ) متأخر كثيرًا عن الإمام البغوي (615 هـ) ·
وأما النقل عن الحنفية أصحاب الرأي، ففيه شيء، وهو أن الحنفية يقولون بأن صاحب الحق متى ظفر بجنس حقه من مال المديون يكون له أن يأخذه، والأصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند خذي من مال أبي سفيان مايكفيك وولدك بالمعروف، وكذلك إن كان المال دينًا عليه