وأنكره ثم أودعه مثله، فأما إن أودعه شيئًا من غير جنس حقه لم يسعه إمساكه عنه، لأن هذا بيع عند اختلاف الجنس فلا ينفرد هو به، والأول استيفاء وصاحب الحق ينفرد بالاستيفاء ·
وحكى عن ابن أبي ليلى (1) رحمه الله التسوية بينهما للمجانسة من حيث المالية، ولكنه بعيد ثم رد عليه · أ·هـ (2) ·
أما عند الحنابلة فلهم فيه كلام طويل أنقله من المغني، إذ يقول الخرقي (3) :
ومن كان له على أحد حق، فمنعه منه، وقدر على مال، لم يأخذ منه مقدار حقه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"· أ·هـ ·
ثم فصل ابن قدامة (4) المسألة فقال ماملخصه:
إن كان الذي عليه الحق مقرًا به باذلًا له، لايجوز الأخذ من ماله إلا مايعطيه بلا خلاف ··· وإن أتلفها - من عنده الحاجة - أو تلفت فصارت دينًا في ذمته - بأن اعتدى عليها - وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تحاصا - أي سقط الدين، فهو بمعنى الاستيفاء - في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي ·
وإن كان مانعًا له لأمر يبيح المنع، كالإعسار لم يجز أخذ شيء من ماله بلاخلاف ·
وإن كان مانعًا له بغير حق، وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان، لم يجز له الأخذ أيضًا ·
وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحدًا ولابينة، أو لايجيبه إلى المحاكمة فالمشهور في المذهب أنه ليس له أخذ قدر حقه، وهو إحدى الروايتين عن مالك ·
قال ابن عقيل (1) : وقد جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجهًا في المذهب أخذًا من حديث هند ·
وقال أبو الخطاب (2) : ويتخرج لنا جواز الأخذ، فإن كان المقدور عليه من جنس حقه أخذ بقدره، وإن كان من غير جنسه تحرى واجتهد في تقويمه لحديث هند، ولقول أحمد في المرتهن: يركب ويحلب بقدر ماينفق، والمرأة تأخذ مؤنتها، وبائع السلعة يأخذ من مال المفلس بغير رضاه (3) ·
وقال الشافعي: إن لم يقدر على استخلاص حقه ببينة فله أخذ قدر حقه من جنسه أو من غير جنسه ·
ومشهور مذهب مالك: إن لم يكن لغيره عليه دين، فله أن يأخذ بقدر حقه، وإلا لم يجز لأنهما يتحاصان في ماله إذا أفلس ·
وقال أبو حنيفة: له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينًا أو ورقًا أو من جنس حقه، وإن كان عرضًا لم يجز، ثم ذكر أن حجة المجيزين حديث هند، ثم ذكر أدلة الحنابلة بالمنع ·
72 -خلاصة الأقوال (1) :
اختلف الفقهاء - كما مر - في جواز أخذ الحق من مال الوديعة إذا أنكره المودع أو كان مماطلًا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن لصاحب الحق أن يأخذ من الوديعة سواء كانت الوديعة من جنس ... حقه أم لا ·
وبهذا قال ابن أبي ليلى والشافعي، وهو المشهور من مذهب مالك · وبه قال ابن عقيل وأبو الخطاب من الحنابلة ·
القول الثاني: ليس لصاحب الحق أن يأخذ شيئًا من الوديعة مطلقًا سواء كانت الوديعة من جنس حقه أم لم تكن ·
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو رواية في المذهب المالكي اقتصر عليها الشيخ خليل في مختصره ·
القول الثالث: إذا كان الحق من جنس مال الوديعة فلصاحب الحق أن يستوفي حقه منه وإلا فلا،