سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (1) عن الاقتراض من الوديعة بلا إذن صاحبها فأجاب:
وأما الاقتراض من مال المودع، فإن علم المودع علمًا اطمأن إليه قلبه أن صاحب المال راض بذلك، فلا بأس بذلك، وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة، وعلمت منزلتك عنده، كما نقل مثل ذلك عن غير واحد، وكما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل في بيوت بعض أصحابه، وكما بايع عن عثمان - رضي الله عنه - وهو غائب ·
ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الاقتراض · أ·هـ (2) ·
وقال الشيخ زروق المالكي (3) : وإن علم طيب نفس صاحبها، والمتصرف مليء جاز بلا كراهة، وإن كان معدمًا مما تؤدى به منع (4) · أ·هـ ·
ونقل ابن جزى (1) الجواز عن أشهب (2) (3) ·
(قلت) والذي أراه أن الإنسان قد يعلم طيب نفس صاحبها بتسلفها وقد يكون المستودع مليئًا، لكن قد يحتاجها صاحبها في وقت ليس عند المستودع شيء يدفعه لصاحبها بدلها، فلذلك فإني أرى أنه إذا لم يكن هناك إذن صريح - أو كالصريح - بالاقتراض والتسلف فلا يجوز ذلك قطعًا لمد الأيدي والتلاعب بالودائع التي أمر الله تعالى بحفظها ومراعاتها · والله أعلم ·
الفصل الخامس
23 -الربح الحاصل بسبب الاتجار بالوديعة
معلوم أن الفقهاء يمنعون التصرف بالوديعة سواء كانت من المثليات أو من القيميات، ولا يحلون الاتجار بها ولارهنها ولا تأجيرها إلا بإذن من مالكها لأن الواجب حفظها ورعايتها، ولذلك نجد أن الشافعية والحنابلة بل الحنفية يذكرون الربح الحاصل من الاتجار بالوديعة في باب الغصب ولا يصرحون به في الوديعة، على أساس أن المستودع متى تصرف بالوديعة أصبح غاصبًا، وأصبحت الوديعة مغصوبة يجري عليها ما يجري على الغصب من أحكام ·
إلا أن المالكية - رحمهم الله تعالى - جعلوا تسلف الوديعة والاتجار بها مكروهًا أو جائزًا إذا كانت الوديعة من المثليات وكان المستودع مليئًا يستطيع أن يرد الوديعة متى جاء ربها، وحرموا ذلك في الوديعة إذا لم تكن من المثليات أو كان المستودع فقيرًا لا يستطيع أن يرد الوديعة أو مثلها عند الطلب ·
وتقدم ذلك موضحًا عند الكلام عن تسلف الوديعة ·
ونريد الآن أن نبحث في الربح الحاصل بسبب الاتجار بالوديعة · فنقول:
33 -اختلف الفقهاء في الربح الحاصل بسبب الاتجار بالوديعة على أقوال هي:
القول الأول: الربح للمستودع ·
وبه قال المالكية (1) وأبو يوسف من الحنفية (2) مطلقًا، قالا: سواء كانت الوديعة مثلية أو قيمية، وسواء اشترى بها ونقدها، أو اشترى بغيرها ونقدها من الوديعة، وبه قال الحنفية فيما إذا كانت مثلية فاشترى بها ونقد غيرها، أو اشترى بدراهم في الذمة ثم نقدها من دراهم الوديعة أو أطلق ·
وهو القول الأظهر عند الشافعية (1) ، وهو احتمال عند أبي الخطاب من الحنابلة، قالا: بشرط أن يشتري بدراهم في ذمته ثم ينقد الثمن من دراهم الوديعة، وهو قياس قول الخرقي (2) ·