المستودع إما غني مليء أو فقير معدم، وإن التجارة فيها إما أن تكون بإذن من ربها أو لا ·
وقيل: إن التجارة كالتسلف في الكراهة فقط، قال الدسوقي (3) وهو أي هذا القول الأخير ضعيف، فيكون التشبيه تامًا على الأظهر (4) ·
ثم بين الشيخ الدسوقي قضية ما إذا كانت الوديعة عرضًا من الأعراض - وهو تعبير عن القيمي - ثم تصرف بها المستودع وتاجر بها وفاتت الوديعة · فما الحكم؟ قال:
والحاصل أن الوديعة إذا كانت عرضًا وباعها المستودع ليتجر فيها سواء باعها بنقد أو بعرض، فإن ربها يخير - إن كانت قائمة بيد المشتري - بين أخذها ورد البيع، وبين إمضائه وأخذ مابيعت به ·
وإن فاتت بيد المشتري - يعني هلكت - خير ربها بين رد البيع وأخذ قيمتها من المودع، وبين إمضاء البيع وأخذ مابيعت به، لأنه بيع فضولي، فإن رد صاحبها البيع وأخذها فلا يكون هناك ربح للمودع - المستودع - وإن أجازه، وأخذ مابيعت به أو أخذ قيمتها فقد يكون له ربح إذا اتجر بثمنها قبل قيام ربها عليه · أ·هـ ·
ثم نقل قولًا عن الشيخ عبدالباقي الزرقاني (1) ، والشيخ محمد الخرشي (2) وفنده · أ·هـ (3) ·
هذه هي بعض أحكام تسلف الوديعة عند المالكية ثم بعض أحكام الاتجار بها ·
03 -وإذا أردنا أن نعلق على هذه الأحكام فنقول:
1 -إن هذه الأحكام لم يذكر لها دليل واحد، تستند عليه لادليل شرعي ولا دليل عقلي مقبول ·
2 -إن هذه الأحكام تخالف روح الإسلام في كل مايتعلق بالوديعة من حفظ وصيانة ورعاية ·
3 -ولو أخذنا بآيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الأمانة لوجدنا أنها تعبر بلفظ الرعاية (راعون) بدل الحفظ، لأن الرعاية فوق الحفظ · فقد يحفظ الإنسان الوديعة وهي مما يتلفها الحفظ إذا لم تنشر في الهواء، أو لم تلبس كالحبوب وملابس الصوف والسجاد، ولكن التعبير بالرعاية معناه أنك تراعي الحال التي تصلح بها الوديعة · وانظر إلى الأثر الذي بين فيه ابن مسعود (1) -رضي الله عنه - قيمة حفظ الأمانة التي تفهم من عقوبة من ضيع الأمانة، فقد قال رضي الله عنه يغفر للشهيد إلا الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة، وأشد ذلك الوديعة، تمثل على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها، فيحملها في عنقه، فإذا أراد أن يخرج بها زلت منه، فيتبعها فهو كذلك دهر الداهرين · أ·هـ (2) ومعلوم أن هذا الأثر بمنزلة الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم - من عند الصحابي، لأنه لامجال فيه للرأي ·
ثم نناقش رأي المالكية هذا فنقول: إذا كان ليس لكم مستند لاشرعي ولا عقلي مقبول في جواز التسلف من الوديعة أو كراهة ذلك، فما وجه التفريق بين القيمي والمثلي، والكل مأمور بحفظه ورعايته؟ ثم ماوجه التفريق بين الغني والفقير؟ مع أن الفقير أكثر حاجة من الغني إلى تسلف الوديعة والاتجار بها وكسب الربح ·
الترجيح:
وعلى هذا فالراجح هو قول الجمهور الذين لم يبيحوا للمستودع الانتفاع ولا التصرف بالوديعة إلا في شيء تقتضيه طبيعتها كتعريض الحب للهواء والصوف للشمس وماشاكل ذلك ·
نعم إذا أذن له المالك في التصرف بها فهذا شيء جائز وقد عرفناه سابقًا ·
13 -وأما إذا عرف أن صاحب الوديعة يسمح بتسلفها والاتجار بها علمًا شبه يقيني، فنقول