فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 31

اللخمي (1) : ليس للمودع أن يتسلف الوديعة إذا كان فقيرًا، فإن كان موسرًا · فإن كانت الوديعة عروضًا أو مما يقضى فيه بالقيمة أو مما يكال أو يوزن، وكان يكثر اختلافه ولا يتحصل أمثاله كالكتان فليس للموسر أيضًا أن يتسلفها · أ·هـ ·

(قلت) فهذا واضح أن القيمي لايجوز تسلفه، بل إن المالكية - مع أنهم يقولون إذا رد المستودع الوديعة برئ من الضمان فإنهم لايبرئون من يتسلف القيمي من الضمان ·

قال المواق (2) : وكذلك لو تسلف جميعها ثم رد مكانها لبرئ، كان أخذها على السلف أو على غيره، ولاشيء عليه إن هلكت بعد أن ردها، ولو كانت ثيابًا فلبسها (3) حتى بليت، أو استهلكها ثم رد مثلها لم تبرأ ذمته من قيمتها، لأنه إنما لزمته قيمته (4) ·

(قلت) لأن القيمي هو الذي تختلف أفراده وليس له مشابه في الأسواق، وذلك كالأشياء التي تصنع باليد، تتفاوت حجمًا ولونًا وجودة ورقة، وخشونة ··· إلخ · كالبيوت وغيرها ·

أما المثلي فهو مالاتختلف أفراده ويوجد له نظير في الأسواق كالحبوب والدراهم وما تنتجه المصانع · أ·هـ ·

وتسلف القيمي عند المالكية محرم مطلقًا أي سواء كان المستودع المتسلف لها غنيًا أو فقيرًا، وإن كانت الوديعة من المثليات كالدراهم والحبوب مثلًا حرم عليه تسلفها إن كان معدمًا، وكره له ذلك إن كان مليئًا ·

ثم إن محل كراهة تسلف المستودع المليء للمثلي حيث لم يبح له ربها ذلك، أو يمنعه بأن جهل الحال، وإلا أبيح له تسلفها إذا أذن له في ذلك · ومنع في الثاني أي إذا منعه، ومنعه له إما بالمقال أو بقيام القرائن على كراهة المودع تسلف المستودع لها (1) ·

وفي المواق قال الباجي: اختلف في جواز التسلف من الوديعة بغير إذن ربها، ففي المعونة (2) أنه مكروه · وفي العتبية (3) عن مالك تركه أحب إليَّ، وقد أجازه بعض الناس فروجع في ذلك فقال: إن كان له مال فيه وفاء وأشهد فأرجو أن لا بأس به (4) ·

وفي الشرح الكبير بيَّن الشيخ الدردير (5) تعليلًا لتلك الأحكام فقال مامعناه:

إن حرمة تسلف المقوم بغير إذن المودع، لأن الأغراض تختلف فيه · فلا يقوم غيره مقامه ·

أما المثلي فلا يحرم تسلفه على المليء غير المماطل، لأنه مظنة الوفاء مع كون مثل المثلي كعينه · فالتصرف الواقع فيه كلا تصرف · أ·هـ ·

بعد أن عرفنا اتفاق الفقهاء الثلاثة: الحنفية والشافعية والحنابلة على أن تسلف الوديعة تعد عليها، لأنه مخالف للرعاية المأمور بها في قوله تعالى: والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (1) ، ومخالف لقوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (2) نقول:

سيأتي مزيد من تفصيل للرد على المالكية القائلين بجواز تسلف الوديعة للمليء إذا كانت الوديعة من المثليات، وذلك عند الكلام عن الترجيح بعد الكلام عن الاتجار بالوديعة، لأن تسلف الوديعة والاتجار بها قد يتلازمان وقد ينفصلان ·

فتسلف الوديعة قد يكون لأغراض كثيرة ومتعددة غير الاتجار بها، فقد يتسلف الإنسان الوديعة ليشتري بها طعامًا لأهله، أو أثاثًا لداره، أو ليوفي بها دينًا عليه، أو ليتزوج بها، أو ليشتري بها دارًا أو مركوبًا، وقد يتسلفها للاتجار بها وردها إلى صاحبها متى طلبها ·

وقد يختلف الاتجار بالوديعة عن التسلف، فقد تكون الوديعة من المثليات كالدراهم والدنانير والحبوب فيتاجر بها المستودع دون نية تسلف، وإنما يبيع ويشتري فيربح · فإذا عرفنا حكم تسلف الوديعة، فما حكم الاتجار بها؟ فنقول:

92 -وأما الاتجار بالوديعة فقد ذكر ذلك الشيخ الدردير في الشرح الكبير فقال ... مامعناه:

إن التجارة كالتسلف فيما مر من أحكام: أي من حيث إن الوديعة إما قيمية أو مثلية، وإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت