أما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فقد ازداد شعور الصحابة بالضرورة القصوى للتوثق والتثبت، يدل على ذلك ما أورده الإمام الذهبي عند ترجمة أبي بكر الصديق حيث قال: وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فقد روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تلتمس أن تورَّث فقال:"ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر لك شيئًا"ثم سأل الصحابة. فقال المغيرة:"حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيها السدس. فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل الذي قاله المغيرة، وأنفذه أبو بكر" [1] ، وقال الذهبي عنه أيضًا:"وإليه المنتهى في التحري في القول وفي القبول" [2] .
ومن أمثلة التثبت ما وقع للخليفة الثاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فعن أبي سعيد الخدري قال:"كنا في مجلس عند أبيّ بن كعب فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا (وفي رواية فزعًا أو مذعورًا) حتى وقف فقال: أنشدكم الله!! هل سمع أحدٌ منكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"الإستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع؟ قال: أُبيّ وما ذاك؟! قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت بالأمس فسلمت ثلاثًا، ثم انصرفت. قال قد سمعناك ونحن حينئذٍ في شغل. فلو استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا؟ فقال أبيّ بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلاّ
(1) تذكرة الحفاظ (1/ 2) .
(2) تذكرة الحفاظ (1/ 5) .