قال العلماء: إن هذا التواتر العجيب لهذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على أنه كان يعلم أن حديثه سوف يُرْوَى، وأنه يدخل فيه الغث، فرأى من الضرورة الشرعية أن ينبه أصحابه، ويلقي في أذهانهم أنه الدين ويجب أن يتحروا فيه غاية التحري.
لقد استلهم المحدثون أصول قواعد الرواية من هذه النصوص التي أوضحت وأرسَتْ المنهج الرشيد القائم على المحاكمة والاختبار، فقد حقق القرآن هذه المنهجية في أوسع مجالاتها وأوضح صورها.
ونظرًا لما للسنة من أهمية بالغة في حياة المسلم فقد تجلّت هذه المنهجية في السنة في أجلى صورها، حيث إن الحاجة كانت ماسة لتنقية السنة أثناء روايتها وجمعها ونقدها وتصنيفها [1] .
وكان دافع اهتمام المحدثين بذلك أن هذا فريضة من فرائض الدين وأن أحكام الشريعة لا تؤخذ من قبل رواة ضعفاء، أو تؤسس على أخبار واهية أو مكذوبة. ونستطيع بناء على ذلك أن نقول: إن منهج المحدثين في تأصيل قواعد الرواية - منهج قرآني مستمد من القرآن والسنة النبوية، وأنه منهج تاريخي نقدي لا يسلم بالنص دون محاكمة ونقد.
المطلب الأول: الوسائل التي استخدموها في سبيل التوثق والتحقق من الحديث:
لا شك أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هم أول من بدأوا بتأصيل هذه القواعد وتفصيلها وإنزالها إلى أرض الواقع، وكان من البدهي أن يتأثر هؤلاء رضوان الله عليهم ـ بما سمعوه وشاهدوه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبخاصة بعد أن
(1) المنهج العلمي للتعامل مع السنة النبوية عند المحدثين ص 11.