لقد قررت نصوص القرآن الكريم أصولًا علمية كانت المنارة التي أضاءت للصحابة والمحدثين من بعدهم الطريق لصيانة الرواية وأداء الحديث على الوجه الصحيح، كما سمع من قائله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الأصول على جانب كبير من الأهمية لخطورة موقعها والدلالة الظاهرة الواضحة بنصوصها، ومع هذا فقد غفل كثير من الباحثين عنها وعن أهميتها ودورها في تأصيل قواعد الرواية والنقل الصحيحين [1] .
فالقرآن دعا إلى التحري في الأمور والتثبت فيها حيث قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا} (النساء:83) .
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:"إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحقيقها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة" [2] .
وأيضًا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات:6) وفي هذه الآية أمر الله تعالى بالتثبت في الأخبار، كما وَضَعَتْ أساسًا من أهم الأسس التي يجب أن يتبعها المسلم عندما يتلقى الخبر، وهو البحث
(1) المنهج العلمي للتعامل مع السنة النبوية ص 7.
(2) تفسير ابن كثير 1/ 529.