الصفحة 37 من 59

بعدهم، ويعتبر هذا القرن العصر الذهبي لقواعد الرواية، ففيه ظهرت مصنفات [1] تناول أصحابها مراتب الرواة وطبقاتهم وتعديلهم، وتجريح من يستحق الجرح منهم، وما يجب في قبول خبر الواحد من الديانة والضبط، وتحدثوا في أقسام الحديث وصفة كل قسم، وعلامة المنكر من الروايات حتى كانت هذه الفترة تمثل أزهى عصور الرواية، إذ ازدهرت فيها علوم الحديث وظهر فيها كبار أئمة الحديث، وأصحاب الصحاح من الجوامع والسنن والمسانيد، كالشافعي، وأحمد وابن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي وغيرهم.

وقد بدأت علوم الدراية تتخذ في هذا العصر شكل الصنعة إذ العلوم صارت كلها صنائع [2] بعد عصر السلف رضي الله عنهم، وذلك بعد سنة مائة وخمسين للهجرة، بل ما انقضى هذا القرن إلا والسنة جميعها مدونة، ولم يبق من الروايات الشفهية غير المدونة في المصنفات بعد هذا العصر شيء يذكر، إلا روايات الأفاكين وأحاديث المختلقين أو أخبار الواهمين المُخلَّطين [3] .

فإذا كان تدوين السنة قد انتهى إلى هذه القمة في هذا العصر فكذلك شأن بقية علوم الحديث ومصطلحه خاصة للترابط بين التدوين ومصطلح الحديث ولا غرابة في ذلك إذا أن تدوين السنة ذاته (أصوله وآدابه) من علوم الحديث وله مصطلحاته الخاصة به.

(1) الرسالة ص 106. ومقدمة مسلم (1/ 50 - 65) والدارمي في مقدمة السنن (1/ 112) .

(2) مقدمة ابن خلدون ص (430، 447، 454، 455) قال ابن خلدون فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل.

(3) المنهج المقترح ص (52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت