وفي مجال التقرير لما بلغه مصطلح الحديث من قمة وتطور ـ ظهرت بعض الكتابات التنظيرية لبعض علوم الحديث ومصطلحاته، ومن أوائل ذلك جزء صغير نفيس لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219 هـ) رواه عنه بشر بن موسى بن صالح الأسدي (ت 288 هـ) ونثره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية في علم الرواية [1] .
وكتب الإمام مسلم بن الحجاج (ت 261 هـ) (مقدمة للصحيح) تعرض فيها لبعض قضايا علوم الحديث بقوة ووضوح، وكتب الإمام أبو داوود السجستاني (رسالته إلى أهل مكة) متعرضًا فيها لمنهجه في كتابه (السنن) ولمسائل تتعلق بعلوم الحديث.
ثم كتب الإمام الترمذي (ت 279 هـ) كتابًا سمّاه (بالعلل) وعرف بعد ذلك (بالعلل الصغير) تكلم فيه عن بعض الاصطلاحات المهمة المشكلة، وعن بعض قواعد علوم الحديث بكلام نفيس مما حدا بالحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت 795 هـ) أن يعتني بشرحه عقب شرحه لجامع الترمذي، واشتهر شرح ابن رجب لعلل الترمذي، وأصبح بعد ذلك من أهم مصادر تأصيل قواعد الرواية.
وهكذا انتهى هذا القرن وقد بلغت فيه مصطلحات الحديث قمة تطورها مع باقي علوم الحديث، فلم يُبْقِ علماء هذا القرن لمن جاء بعدهم إلا واجب الحفاظ على ما خلفه لهم من سبقهم!! لأنه ما انتهى هذا القرن
(1) الكفاية (40 - 41، 133، 146، 175، 179، 181، 265، 266، 412، 429، 430) .