إلا والسنة نفسها قد تم تدوينها، مع ما واكب ذلك من القواعد والمصطلحات التي تخدمها ويُمَيَّزُ بها صحيحها من سقيمها [1] .
ثم دخل القرن الرابع الهجري وهو بالغ الثراء بذلك الإرث العظيم الذي خلفه له القرن الثالث لا في مجال تدوين السنة وحده، بل في مجال علوم الحديث واستمرار شيوع مصطلحاته.
ورث القرن الرابع ذلك الإرث العظيم والكبير عن القرن الثالث، فناء به كاهله، وضعف عنه قليلًا مع بداية عوامل الضعف والمؤثرات الأجنبية على علوم السنة.
وقد أرّخ الإمام الذهبي بداية نقص علوم السنة، وبداية ظهور العلوم العقلية وتناقص الاجتهاد وظهور التقليد في آخر الطبقة التاسعة من كتابه (تذكرة الحفاظ) وهي طبقة كانت وفاة آخر من ذكر فيها سنة (282 هـ) وهو: (أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب الشعراني) [2] أي أن هذا الضعف قد بدأ في أواخر القرن الثالث ولم يزل في زيادة أوائل القرن الرابع فما بعده.
وهذا الضعف الناشئ في هذا القرن هو الذي جعل بعض أئمة هذا القرن يسارعون إلى تصنيف كتب جامعة مفردة في علوم الحديث ومصطلحه، وأجل ما كتب في علوم الحديث خلال هذا القرن كتاب (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) للرامهرمزي (ت 360 هـ) و (معرفة علوم الحديث) للحاكم (405 هـ) .
(1) وانظر المنهج المقترح ص 59.
(2) تذكرة الحفاظ 2/ 627.