وقد أكد كل من الرامهرمزي والحاكم من أن هذا القرن كان قد شهد بداية الضعف في علوم الحديث حيث ذكرا أن سبب تصنيفهما لكتابيهما هو: ظهور بعض ملامح اختلال في طريقة طلب العلم، ناشئ عن ترف علمي (عُهِدَ مثله ممن ورث إرثًا عظيمًا) أدى إلى بروز بعض القصور في علوم الحديث النبوي ومصطلحه بين أوساط فئام من طلبة الحديث [1] خلال هذا العصر الذي عاش فيه الرامهرمزي والحاكم رحمهما الله تعالى.
ثم يقول الإمام الذهبي معبرًا عن تناقص علم الحديث عبر العصور:"فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم وصار علماء العصر ـ في الغالب ـ عاكفين على التقليد في الفروع من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعلقوا أكثرها، فعمّ البلاء واستحكمت الأهواء ولاحت مبادئ رفع العلم وقبضه من النا" [2] .
نعم لم يشهد القرن الرابع تطورًا وارتقاء، لكنه استطاع أن يكون وعاء حافظًا لعطية القرن الثالث، ولا يلام علماء القرن الرابع على ذلك لأن سلفهم بلغ بعلم الحديث القمة وما بعد القمة إلا الانحدار أو الثبات!! لكن الثبات على القمة لا يمكن أن يدوم ولذلك بدأ الانحدار من القرن الخامس فما بعده [3] .
ولا يعني ذلك أن الأمة فقدت ذلك الإرث العظيم بالكلية، حاشا وكلا!! لأن الإنحدار غير الهوي في الهاوية، ولا يعني ذلك أن الأمة
(1) المحدث الفاصل ص (159 - 162) ومعرفة علوم الحديث (1 - 2) .
(2) تذكرة الحفاظ (2/ 530) .
(3) المنهج المقترح ص (174) .