-فقال فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ، هروب من الاستدلال إلى التمويه والتضليل، لعله يريد أن لا يتأثر قومه بقول موسى، فحاول صرف قلوبهم عنها بالاستغراب وسخرية مما قيل.
-ولكن موسى المفعم قلبه بالصبر كأي رسول لم يلتفت إلى ما يوجه إلى شخصه من طعونات، ولكن يروم إيصال الحق فلم يثنه قول فرعون من زيادة المزيد من الدلائل: {فقال ربكم ورب آبائكم الأولين رب المشرق والمغرب وما بينهما عن كنتم تعقلون} ، فبهذه الجمل الحوارية الواثقة البسيطة الوجيزة تعرض لأمور حسية ملموسة المتضمنة للآيات الكونية المنظورة، لتعيد العقول إليها والتدبر فيها دون خروج وتيه عن الموضوع الذي طرحه في بداية الحوار، بشكل متدرج في البراهين والحجج، حيث بدأ بما هو حسي في الكون ليحيل القلوب والعقول إلى التدبر والتأمل؛ لينتقل إلى المعجزات الحسية، رغم جواب فرعون له بالتهديد لكن موسى بقي هادئا، ليفتح صفحة جديدة من الحجج والأدلة، لكن فرعون لخوفه من تأثر القوم وتراجع هيبته، لجأ إلى الطعن والتشكيك والتغطية حفاظا على نفوذه وسلطانه.
فموسى لم يترك سبيلا إلى إنجاح الحوار والفكرة التي يدافع عنها بصبر وحكمة؛ ليصل إلى ما يريده فرعون من منازلة فيما يتقنه قومه بعد أن فشل في المنازلة الفكرية، حتى يلملم شتات نفسه."فقد لجأ إلى السحر الذي حذق به قومه وأتقنوه، وقد كانت قناعته مترسخة إلى حد اليقين بأن أحدا لن يبلغ شأن قومه في المحاورة في هذا المجال معتقدا أن خصمه موسى آيل إلى هزيمة نكراء. [1] وهذا ورد في آية أخرى: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله} ."
لقد كشفت لنا معالم المنهج الحواري في القران أنه ينطلق من حقيقة الاختلاف بين البشر وما يستلزمها من حرية الانسان لينتهي إلى تأكيدها، وبالتالي فهو منهج لا يهدف أكثر منن دعوة الناس إلى التعرف على الحق، واكتشاف التي هي أقوم، فالحوار وفق المنهج القرآني لا ينطلق من منطق الوصاية على الآخر، إنما هي قضية البحث عن الحق أين كان.
(1) الحوار في القرآن، أحمد سنبل، دار ابن هانئ للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 1998، ص: 347.