الصفحة 19 من 45

الواقعية للناس. فهذا دليل على تعدد المواضع الحوارية التي يتطلبها كل عصر ومشاكله. ونموذج ابراهيم عليه السلام مع أبيه، أشبه ما أسميناه بالحوار الإسلامي الإسلامي، فإبراهيم ركز على دعوة أبيه أولا لأن دعوة غيره ستكون فاشلة لبقاء أبيه على الشرك، سيشكل له نقطة ضعف في دعوته وحواراته مع بقية القوم، فهذا قياس على الحوار بين المسلمين، فما لم يتحقق حوار داخلي لتوحيد كلمتهم سيظل تفرقهم نتئا في حوارهم مع غيرهم من غير المسلمين. وأما نموذج موسى عليه السلام مع فرعون، فهو درس في القوة الإيمانية والقوة الحوارية بقوة الحق، مع حق القوة، فهو نموذج حواري بين طرف قوي الايمان ونموذج يملك حق القوة، فهذا دليل واضح أن الدعوة إلى حوار الآخرين لا تتوقف على ندية القوة بقدر ما تستلزم قوة إيمانية، وإيمان بالفكرة وطريقة منهجية في الحوار. فالشعور بالوحدة ليس مدعاة للانسحاق إزاء قوة الآخرين.

ومن خلال التحليل السابق يمكن أن نستنتج منهجا حواريا نلخص مراحله كالتالي:

• قبل الدخول في الحوار لابد من التسلح بالقوة الإيمانية التي تجعل المحاور لا ينتصر لذاته، وإنما للرسالة التي يحملها، والهدف الذي يكافح من أجله، وتجعله يتحمل الأذى والمشاق بصبر وثقة، ثم زاد معرفي بالآخر يخول له إدارة الحوار بنجاح، حيث أن معرفته بطبيعة المتحاور معه وتحليه بالإيمان تؤهله للاستمرار في الحوار ومجاراة الطرف الآخر بنفس طويل ناجح.

• عند الشروع في الحوار لابد من التحلي بروح المبادرة في الحوار، وهذا ما نلحظه في الحوارات المدروسة وبقية الحوارات المتضمنة في القرآن، حيث نجد عبارات مثل قل، يا قوم، تعالوا ... فالطرف الرسالي كمسلم عليه أن يمتلك زمام الأمور، وأن يكون حريصا على أداء رسالته الربانية ولا ينتظر استعلام وسؤال غيره عن بضاعته، لأنه مسؤول عن بيان الهدى وطريق الخلاص، يليه طرح الموضوع؛ أي الغاية من الحوار مع التركيز الشديد في توضيح الموضوع والغاية منه، لأنه بعد اجتياز خطوات الحوار ونهايته التي تسفر عن نتيجة إما بظهور الحق، أو عجز الخصم، أو تسليمه للطرف المحاور بالاعتراف بالحق. وعند المضي في الحوار نحتاج إلى قوة أخلاقية حتى مع أعتى المتجبرين، فسيرة الرسل مع أقوامهم تعطي دروسا في قيمة الكلمة الطيبة وحسن الخلق، فالأسلوب العاطفي المتخلق المفعم بالرفق واللين، يسهل مهمة الحوار دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت