الصفحة 20 من 45

انجراف عن الثوابت، لهذا قال تعالى لموسى وهارون حضا على الكلمة الطيبة والخلق الحسن"قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" [1] ونفس التوجيه المنهجي أمر به تعالى في محاورة أهل الكتاب باتباع الحكمة والموعظة الحسنة، فالحوار الهادف اللين يفعل بالقلوب والعقول، ما يفعله الماء بأعتى الصخور، وأقساها، فهم يجابهون الأقوام الضالة التي ترمي ألسنتها بأقسى السباب والشتائم، يصرون -رغم سلوك أقوامهم طريق الضلال والكفر والعناد- على الكلمة الطيبة الوديعة ولا يسلكون سلوك الغضب والاستعلاء والقسوة، لأنها تفضي بالحوار إلى نتائج لا تحمد عقباها، فالأخلاق الطيبة تقود القلوب إلى الخالق. إلى جانب القوة الأخلاقية، لابد من منهج استدلالي أي القدرة على إدارة الحوار بروية واتزان وبحجج وأدلة منسقة ومرتبة.

مضمون هذا المنهج الاستدلالي في الحوار، هو الفعل المنهجي العام الذي سار عليه جل الأنبياء -في حواراتهم مع أقوامهم- وهو تشكيك الناس في معتقداتهم ومسلماتهم كما قال إبراهيم عليه السلام"لما تعبد ما لا يبصر ولا يغني عنك شيئا" [2] فهو يعمل أولا على التشكيك في ما يعتبرونه من قبيل المسلمات التي لا تقبل الخطأ والشك وزعزعته، حتى يتسنى نفيه وإبطاله ثانيا، ليصبح العقل قادرا على تقبل الحق واعتناقه لتحرره من مسلماته الفكرية والعقدية التي تكبله عن إدراك الحق والصواب في صورته الطبيعية. وهذا يتطلب العلم بالنفوس والعقول وطرق التفكير ثم طريقة تنفيذ هذا المنهج لتفنيد الباطل، فالمنهج الحواري هو منهج تحريري اقناعي، تحريري لأن جل الحوارات تبين على أن سبب التعنت ورفض الهدى والحق هو جهلهم به، لأن عقولهم حجبها وملئها تأليه أشياء أخرى غير الخالق: إما مركز اجتماعي، أو ربح مادي، أو عرف اجتماعي، أو حب التسلط والسيطرة ... فالحوار يعمل على تحرير العقول والقلوب وإيقاظ مصادر المعرفة لدى الانسان من سمع وبصر وعقل وفؤاد، لهذا فالعقل الذي ميز الله به الإنسان من سائر المخلوقات هو المستهدف من في عملية الحوار، لينطلق من أسر الأغلال وسطوة التقاليد والعادات والأهواء والميول ... لهذا قال قوم شعيب"ما نفقه كثيرا مما"

(1) - سورة طه، الآية 44.

(2) -سورة مريم، الآية 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت