وفي رواية أخرى قال البراء:"ليس كلنا كان يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب". [1]
والصحابة على طبقات، مثلما قال ابن عمرو: رأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أدرك الحلم وأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام. [2] وفي رواية لابن عباس أن عمر سأله عن سجود السهو، ودخل بين حديثهما عبد الرحمن بن عوف، وبدا منه أنه يعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يفيد في ذلك الموضوع، فقال له عمر:"فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت"، وفي رواية قال:"فحدثنا، فأنت عندنا العدل الرضا". [3] قال الحافظ عقب روايته لذلك:"فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كانوا عدولًا فبعضهم أعدل من بعض وأثبت".
وعلى قدر صحبة الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلما عبر عن ذلك أحمد بن حنبل في حديثه عن مراتب الصحابة بعد أن ذكر أهل بدر فقال: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين نزل عليهم القرآن. كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر هذا التفاوت بينهم بتفاوت الحرص بينهم في التحديث.
ورأينا أن العدالة لا تعني العصمة، فالخطأ من طبيعة البشر، يهمنا في مجال البحث هو أن الصحابة غير معصومي الجوارح، لأنهم بشر
(1) الرامهرمزي، الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرمهرمزي. المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، بيروت: دار الفكر، 1984 م، ص 235.
(2) الخطيب البغدادي، الكفاية، ص 69.
(3) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ح 1، 71، وقال عن الحديث بلفظه أنه حسن.