.. حتى الآخرة تفقد معناها عندما يكون لها نهاية. ومن هنا كان الخلود من أكبر حقائق اليوم الآخر، بل إنّ الرغبة الملحة لدى الإنسان في البقاء والاستمرار لهي من أوضح حقائق النفس البشريّة، وكأنّه لا يصلح لعالم الخلود إلا من رُكّب فيه الميل إلى الخلود. وقد جاء الدين منسجمًا مع حقائق الخلق، فكانت الآخرة من حقائق الوجود، وكان الخلود من حقائق الآخرة. وهنا يتحقق الانسجام الكامل في كل شيء، وبذلك تظهر الفلسفة الماديّة كعارض مرضي، وشذوذ تأباه البشريّة، لأنه يتناقض مع فطرتها. لذا سيبقى الإلحاد استثناءً غير قابل لأن يكون القاعدة.
... من يقرأ القرآن الكريم يجد أنّ قضية اليوم الآخر تكاد تكون هي القضية الأولى، وتحظى بمساحة ضخمة في كتاب الله العزيز، ويكتشف أنّ صلاح الدنيا لا يكون إلا بالايمان بالآخرة، وأنّ صلاحها هو المقدمة الضرورية لصلاح الآخرة، ولا مجال للفصل بين العالمين، بل لقد باءت كل محاولات الفصل، عبر التاريخ البشري، بالإخفاق الذريع. وأبرز علامات هذا الإخفاق الإيمان بالعبثيّة، والشعور بفقدان الهدفيّة، وانهيار القيم الأخلاقية. وليس عجيبًا بعد ذلك أن نسمع أنّ أعلى نسبة للانتحار في العالم هي في البلاد الاسكندنافيّة، والتي هي الأولى في مستوى الرفاه المادّي. وليس غريبًا أيضًا أن نجد الجموح والتمرد يسودان في المجتمعات الغربية، التي سادت فيها، يومًا ما، فلسفة احتقار الدنيا، وانتشرت فيها الرهبنة وتقديس العزلة، التي عبّر عنها أصدق تعبير بعض كتّاب الغرب في تلك العصور عندما قال:"إنّ القديس فلانًا لم يرتكب إثم غسل الوجه ثلاثين عاما، وإنّ القديس فلانًا لم يرتكب إثم غسل الرجلين خمسين عاما، أمّا نحن، فواأسفاه، ندخل الحمّام كل يوم!".
... تكرر (اليوم الآخر) في القرآن الكريم 26 مرّة. وتكررت كلمة الآخرة بمعنى اليوم الآخر 113 مرّة. وتكرر (يوم الدين) 11 مرّة، وتكرر (يوم القيامة) 70 مرّة. فكيف بنا إذا أحصينا أيضًا: يوم الحساب، ويوم التغابن، والصاخّة، والحاقة، والجنة، والنّار، وغير ذلك، من الألفاظ الدالّة على اليوم الآخر؟! في المقابل نريد من الذين قرأوا التوراة الحالية، والعهد القديم، أن يدلونا على نص واحد يُصرّح بعقيدة اليوم الآخر لدى اليهود. في حين نجد هناك أكثر من نص في الأناجيل المتداولة ينص على عقيدة اليوم الآخر. وهذا يعني أنّ قضية اليوم الآخر عند اليهود هي قضيّة اجتهاديّة. وبإمكانك بعد ذلك أن تفهم الكثير من مواقفهم وسلوكيّاتهم ... !!
هل يستطيع العربي الفصيح أن يستوعب أنّ الظّن قد يأتي بمعنى اليقين؟ لا نظنّ ذلك. ولكنّ الكثير منّا قد يقبل هذا القول على مضض، لأن أهل التفسير يقولون بأن الظّن قد يرد أحيانًا في القرآن الكريم بمعنى اليقين، ويستشهدون للتدليل على مذهبهم هذا بمثل قوله تعالى:"الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ". فلمّا قالوا إنّ العقيدة لا بد لها من جزم، ولما رأوا أنّ الإيمان لا بد أن يكون قاطعا، قادهم ذلك إلى حتمية القول بأن الظّن قد يأتي بمعنى اليقين. ولم يقولوا لنا لماذا شاء الله تعالى أن يقول:"يظنون"بدل"يوقنون"!!
يبدو أنّ الخطأ نتج عن زعمنا بأنّ العقيدة يجب أن تكون جازمة حتى ينجو المؤمن يوم القيامة. ولا ندري من أين جئنا بهذا الزعم في مواجهة آيات صريحة تَقبلُ من العبد أن يسلك وفق غلبة الظّن، وإلا فما معنى أنّ الإيمان يزيد وينقص؟ يقول الله تعالى:"وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا". فمعلوم أن لا مجال للزيادة على ال 100% ولا مجال للنقصان. هذا إذا كان المطلوب هو الجزم القاطع. وهنا لا بد من لفت الانتباه إلى أنّ القرآن الكريم يُسمّي العقيدة إيمانًا. وقد نزلت الرسالات لتبني الإيمان في النفوس ليبلغ الإنسان درجة اليقين. وعندما يتكلم القرآن الكريم عن وظيفة الرسالات المنزّلة يُذكِّر بالنتائج المرجو تحققها، والأدلة على ذلك في القرآن كثيرة، مثل قوله تعالى:"ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". وهذا لا يعني إطلاقًا أنّ الذي أسلم نفسه لله تعالى، وهو في دائرة غلبة الظن، غير مقبول عند الله. بل إنّ الآيات الكريمة واضحة وصريحة في قبول من يسلك على ضوء غلبة الظن. والمشكلة هنا في تحكيم وجهة النظر السابقة في النص القرآني.