الصفحة 27 من 32

والتابوت عندهم من أقدس المقدّسات، وكانوا في البداية يضعونه في وسط خيمة، ثم أحضره داود، عليه السلام، حسب رواية العهد القديم، إلى (مدينة داود) . وتقول الرواية إنّه عندما بنى سليمان، عليه السلام، الهيكل وضع التابوت في أقدس بقعة منه، وتسمّى (قدس الأقداس) : وهي عبارة عن غرفة لا نوافذ لها، وتكون أعلى جزء في الهيكل، وهي محرابه. وهم يعتقدون أنّ روح الله قد حلّت في التابوت. وعندما تمّ تدمير الهيكل 586 ق. م على يد نبوخذ نصّر البابلي، فُقدت التوراة، وفقد تابوت العهد. ويبدو أنّه تمّ إحراقهما مع ما أُحرق من محتويات الهيكل. واللافت للانتباه أنّ سفر أخبار الأيام الثاني، من العهد القديم، والذي يُرجّح أنّه دوّن في القرن الخامس قبل الميلاد، والذي ينتهي بالحديث عن تدمير الهيكل وإحراق محتوياته، ينص على بقاء العصي التي يُحْمَل بها التابوت، ولم يتطرق إلى ذكر التابوت. يقول النّص:"... وهي ما برحت هناك إلى هذا اليوم ...". وواضح أنّ الذي يكتب هذا الكلام يكتبه وهو يقيم بعيدا، ويظهر ذلك من قوله"هناك".

كثرت القصص والأساطير حول مصير التابوت. ومن هذه القصص قصة تقول إنّ ابن سليمان، عليه السلام، من زوجته بلقيس، فرّ بالتابوت إلى مصر، ثم نقل التابوت إلى الحبشة. ولكن اليهود لا يزالون يبحثون عن هذا الصندوق الخشبي الصغير، والذي مضى على صناعته ما يقرب من (3200) سنة، على أقل تقدير. ويتوقّع بعضهم أن يكون مدفونًا في ساحات الأقصى. وبالمناسبة نرى أنّه من المصلحة أن نذكر أنّ رجلًا فلسطينيا، ممن شارك في ترميم وإصلاحات المسجد الأقصى في العهد الأردني، ذكر بعد أن سمع بدرسنا الذي ألقيناهُ في مسجد البيرة الكبير حول التابوت، أنّه رأى من يدفن صندوقًا تنطبق عليه الأوصاف في موضع من المسجد الأقصى. نعم، ما الذي يمنعهم من أن يصنعوا تابوتًا وفق الأوصاف الواردة في العهد القديم، ثم يدسّوه في التراب، ثم يزعموا اكتشافه بعد نصف قرن أو يزيد، ليكون الدليل والمستند على أنّ لهم حقًّا في فلسطين، بعد أن كذّبتهم كل الآثار والحفريّات، فقد اعتدنا أن نرى منهم كل غريب، فهم يستخدمون المقدس وغير المقدس لأجل أغراضهم الدنيويّة، ولا شيء عندهم مقدسًا إلا مصالحهم.

... إسرائيل: هو نبي الله يعقوب، عليه السّلام. وبنوه هم أصحاب القصة التي فُصّلت في سورة يوسف، ويوسف، عليه السلام، هو واحد منهم، وهم الذين سمّوا بالأسباط، وقصتهم الواردة في القرآن الكريم تبين أنهم سكنوا مصر قبل وفاة والدهم، عليه السلام. وبعد ما يقارب 450 سنة، بُعث موسى، عليه السلام، لينقذهم من ظلم واضطهاد الفراعنة، ومن هنا بدأت العلاقة بين بني إسرائيل واليهوديّة. واستمرت هذه العلاقة لقرون، بين مد وجزر، إلى أن انتهت واقعيًا بفك الارتباط بين اليهودية وبني إسرائيل؛ فبعد أن كانت اليهودية تنحصر في بني إسرائيل أصبحت الغالبية العظمى من اليهود تنتمي إلى أجناس وقوميّات مختلفة.

بعد وفاة سليمان، عليه السلام، (953 ق. م) ، انقسمت الدولة اليهودية إلى دولتين: إسرائيل في الشمال، ويهوذا في الجنوب. وكان شعب دولة إسرائيل يتألف من أحفاد عشرة من أبناء يعقوب، عليه السلام، كما يذكر العهد القديم. أمّا دولة يهوذا فشعبها هم أحفاد اثنين من أبنائه، عليه السّلام. وكان بين الدولتين حروب وأحقاد، واستشرى فيهما الفساد، وعمّت الانحرافات، إلى درجة أنهم ارتدّوا إلى الوثنية وعبادة الأصنام، واستمرّوا في ذلك حتى لاقوا مصيرهم المحتوم بغزو الآشوريين للدولة الشمالية عام (722 ق. م) ، فجرى سبي الشعب بكامله إلى العراق، وبذلك أسدل الستار على علاقة عشرة أسباط بالديانة اليهوديّة، ولم يعودوا يهودًا، فقد انخرطوا في الشعب الغازي وتأثروا بعقائده، وذابوا فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت