يقول سبحانه وتعالى:"إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ". فلا يصحّ في الدين أن يكون كلّ الظنّ إثمًا، لأنّ هناك الكثير من المسائل في العقيدة والشريعة لا يمكن الوصول فيها إلى درجة اليقين؛ فلا بد عندها من الاستناد إلى الظن الغالب. والمقصود بالظن الغالب هنا هو الظن الذي يغلب الظنون الأخرى. وعليه فإذا كان الظن في مواجهة الدليل اليقيني فإنه يكون مذموما. وكذلك يُذم الظن في مواجهة غلبة الظن. انظر قوله تعالى:"إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا". فلا قيمة للظن في مواجهة الحقيقة.
فرّق البعض بين العقيدة والشريعة فقالوا: إنّ العقيدة لا تثبت إلا بالدليل القطعي، أمّا الشريعة فتثبت بالدليل الظنّي. وعندما نبحث عن سند شرعي لهذا التفريق يصعب أن نجده. بل نجد أنّ الأحاديث الكثيرة تُثبتُ بأنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يبعث آحاد الناس لتعليم العقيدة والشريعة، ولم يكن يُفرّق؛ فلم نجده، مثلا، عند تعليم العقيدة يشترط، عليه السلام، الكثرة التي تبلغ حد التواتر. ويجدر هنا لفت الانتباه إلى أنّ كل حكم شرعي فيه جانب إخباري (عقيدة) ، وفيه جانب تشريعي؛ فعندما نقول:"الصلاة فرض"، فإنّ هذه العبارة هي خبر يتضمن طلبًا، فمن أنكر فرضيّة الصلاة كفر، ومن لم يُصلّ عصى.
وكما وقع أولئك في الخطأ فوصلوا إلى نتائج عجيبة، كذلك وقع خصومهم في خطأ أكبر عندما ذهبوا إلى أنّ العقيدة الجازمة تثبت بخبر الواحد، فقالوا إنّ خبر الواحد يوجب العلم، واستدلوا على ذلك بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقد كان يبعث آحاد الناس ليعلموا العقيدة، وقد تواترت الأخبار بذلك. وفي الحقيقة أنّ فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، يُعتبر دليلًا على جواز أن يكون ناقل العقيدة والشريعة شخصًا واحدا، أو آحادًا من الناس، وأنّه يجوز لنا أن نُصدّق آحاد الناس، ولا فرق في ذلك بين عقيدة وشريعة. ولكن من أين لنا أنّ خبر الآحاد يوجب العلم الجازم، والله سبحانه وتعالى يقول:"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم ..."، وهو القائل سبحانه:"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة ..."؟! والعجيب هنا أنهم لا يقبلون في إثبات دَيْن على مدين بشهادة رجل واحد، حتى ولو كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ثم هم يوجبون التصديق الجازم بخبر رجل واحد أو امرأة واحدة في دِين يلتزمه المليارات من البشر إلى يوم القيامة.
هناك فرق بين التصديق ووجوب التصديق؛ فمن البدهي أنّه يجوز لنا أن نتتلمذ في العقيدة أو الشريعة على عالم واحد، أو على آحادٍ من العلماء، ولكن من قال بأننا ملزمون بتصديقه أو تصديقهم، في كل ما يقول أو يقولون، وعلى وجه الخصوص عندما يتعارض قولهم مع ظاهر القرآن الكريم، أو ظواهر الشريعة، أو بدهيّات العقول؟!
قال تعالى في سورة التين:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات". قالوا في التقويم: إنّه جَعلُ الشيء ذا قوام. وقوام الشيء: ما يقوم به ويثبت. وتُصرّح الآية الكريمة بأنّ الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، ويذهب بعض أهل التفسير إلى أنّ المقصود هنا القوام الجسدي، وهذا بعيد عن سياق النص القرآني، وإن كان اللفظ يحتمله. والراجح أنّ المقصود هنا هو تعديل القوى الظاهرة والباطنة معا، أي المادّية والمعنويّة، وعلى وجه الخصوص القوى المعنوية، من مثل العقل والإدراك.
واضح من الآية الكريمة أنّ تقويم الإنسان خاص به، وهو يتميّز في ذلك عن باقي الكائنات، كيف لا، والله قد سخّر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض. وقد يستشكل البعض قوله تعالى:"في أحسن تقويم". إذ على المستوى المادي يمكن أن يكون الإنسان أشدّ تحصينًا من الأمراض الجسدية، وعلى المستوى المعنوي محفوظًا من الأمراض النفسية، وبذلك يكون في تقويم أحسن. ويزول الإشكال عندما ندرك أنّ"أحسن"تتعلق بخلق الإنسان على ضوء وظيفته في الأرض. ومن هنا لا يلزم مثلًا أن يكون قوام الإنسان يؤدّي به إلى الخلود في الدنيا، لأنّ هذا ما سيكون في الآخرة. وقد جاء في الأثر:"خُلقت الدنيا لكم وخلقتم للآخرة". وهذا من بدهيّات الدين.