الصفحة 25 من 32

.. يقوم الكون في جوهره على الحركة، ولا يعرف العِلم وجودًا ماديًا ساكنًا، وإذا كانت الذرّة هي المكوّن الأساسي للمادّة المعروفة، فإنّ صيغة الطواف هي الأبرز في العلاقة بين مكونات الذرّة؛ فالالكترونات في حالة طواف دائم حول النواة، ويكون ذلك في مدارات لا تزيد عن سبعة، وإنْ وجد المدار الثامن فمن أجل حلّ هذه العلاقة ونقضها. ويدهشك أن تجد أنّ هذه العلاقة تتجلى أيضًا في المجموعات والمجرّات الفلكيّة، أي أنّ صيغة الطواف هي الأبرز في خلق الكون، من أصغر ذرّاته إلى أكبر مجرّاته. إنه الانسجام التام والتناسق البديع.

... بسم الله الرحمن الرحيم، هي أول آية في ترتيب المصحف. ولمّا كانت كل حركةٍ للإنسان في هذا الوجود يجب أن تصدر باسم الله، الذي تتجلى رحمته بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فستكتمل عندها الصّورة، وسيتحقق الانسجام الكامل في حركة الوجود. وإن صحّ التعبير فإن الدين هو الرياضة التي تعلمك كيف تُحقق الانسجام مع حركة الكون، لتكتشف أنّ الكون يبلغ في انسجامه غاية الجمال والكمال. أمّا الخروج على تعليمات وإرشادات الخالق الحكيم فهي الحركة العشوائيّة التي تجعل الإنسان يبرز كنغمة شاذّة في لحن الكون الرائع.

... عندما يجتمع الناس في بيت الله الحرام لتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام، فإنّ هذا يعني أنّه قد تحققت الآثار المرجوة من القيام بالأركان الأربعة. وعندما تحتشد جموع الحجيج معلنةً:"لبيك اللهمّ لبيك"، فإنّ هذا الإعلان هو التأكيد لرغبة الإنسان الطوعيّة في الانسجام مع حركة الكون المستسلم لله. من هنا نجد أنّ الحاجّ يبدأ حجّه بالطواف، ويختمه بالطواف، وبين البداية والخاتمة طواف وطواف. إنّه التعبير العملي عن الاستسلام الكامل، والانسجام التام مع حركة الوجود. إنّه قناعةٌ، وقرارٌ للكائن الحر أن ينسجم طواعية مع حركة الكون المستسلم فطريًا. إنّها لحظات جليلة، يكتمل جلالها عندما يستحضر الحاج في ضميره هذه الحقيقة، ويدرك أنّه يعيش لحظات الانسجام الكوني.

... إذا كان الخير هو الحركة نحو الانسجام الكوني، فإنّ الشر هو الحركة نحو التباين والفوضى، وهو الشذوذ المؤذي، وهو التبعثُر المُذهب لجمال الصورة، إنه السير بعكس التيار. لذا لا يمكن لشرٍ أن يدوم، لأنّه مناقض للفطرة ولقانون الوجود. ولا يجوز لنا أن ننتظر حتى يلقى الشرّ مصيره، باعتباره معاكسًا لحركة الوجود، لأننا جزء من هذه الحركة. من هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز الفروض في الشريعة الإسلامية. وفي الوقت الذي نُعلن فيه انسجامنا مع حركة الوجود فلا بد لنا من أن ننسجم أيضًا مع هذا الوجود في رفضه للباطل، ولا بد من ممارسة ذلك عمليًا، وهذا ما يعلنه الحاج مرارًا وهو يرمي الجِمار، أو كما يُقال:"يرجم إبليس".

السبت فيه معنى الانقطاع، وفيه معنى الخلود إلى الراحة والدّعة. وقد وردت كلمة السبت في القرآن الكريم (5) مرات، وإذا أضفنا كلمة (سبتهم) و (يسبتون) يكون المجموع (7) مرات. واللافت للانتباه أنّ السبت عند اليهود مرتبط بالعدد (7) ، ولم يرد السبت في القرآن الكريم إلا عند الحديث عن شريعة السبت عند اليهود. والمتدبر للآيات القرآنية المتعلقة بالسبت يدرك أنّ هناك خصوصية لهذا اليوم عندهم، وإذا أخذنا ما ورد في التوراة الحالية بعين الاعتبار ندرك أنّ خصوصية يوم السبت تكمن في كونه يومًا ينقطع فيه اليهود عن العمل الدنيوي، ويفترض أن ينقطعوا فيه إلى العبادة، ولا يتناقض هذا مع ظلال معاني الآيات القرآنية الكريمة.

واضح أنّ تسمية السبت جاءت من خصوصيته وأحكامه عند اليهود؛ فهناك علاقة بين الاسم وما يفترض أن يمارس فيه من عبادات، مثل ما أنّ اسم يوم الجمعة يناسب ما يكون فيه من اجتماع المسلمين في المسجد للصلاة. وخصوصية يوم السبت عند اليهود، وخصوصية يوم الجمعة عند المسلمين، يدللان على أنّ تقسيم الأسبوع إلى سبعة أيام يرجع إلى أساس ديني، ولا نعلم له أساسًا فلكيًا. وقد نص القرآن الكريم، وكذلك نصت التوراة المحرّفة على أنّ الله تعالى قد خلق السماوات والأرض في ستة أيام. وقد يعني هذا أنّ اليوم السابع هو اليوم الذي جاء بعد تمام الخلق، أي أنّه اليوم الذي لم يكن فيه خلق يتعلق بالسماوات والأرض، أي أنّه يوم انقطاع. وقد يكون هذا التفسير مقبولًا في توضيح العلاقة بين السبت والعدد سبعة. ولا يُقبل إطلاقًا ما يزعمه اليهود من أنّ الله تعالى قد استراح في اليوم السابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت