.. جاء في الحديث الشريف المروي في صحيح مسلم:"تقوم الساعة والروم أكثر الناس". وإذا عرفنا أنّ الأحاديث الشريفة تنص على أنّ السّاعة تقوم على شرار النّاس، علمنا أنّ أكثر الشر يوجد في الروم. والعجيب أنّ المسيحيّة المنتشرة بينهم تقول:"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن نازعك ثوبك فدعه له". وتقول:"أحبّوا مبغضيكم، باركوا لاعنيكم". ثم هم أشدّ الناس قسوة، وأكثرهم بطشًا بالأمم الضعيفة، يبنون أبراجهم من جماجم الفقراء، لا يملّون من التآمر، ولا يكلّون من كثرة القتل، ثم هم أكثر النّاس تبجُّحًا بحضارتهم، وقيمهم الإنسانية، بزعمهم. فلا عجب بعد ذلك وغيره أن تقوم السّاعة والروم أكثر النّاس.
... ماذا كانت تملك دولة فارس عندما انتصرت بجحافلها الهائلة غير فلسفة مزدك الإباحيّة؟! وكيف لمثل هذا النصر أن يدوم أكثر من بضع سنين؟! وماذا كانت تملك إمبراطورية الرومان وهي تواجه بجيوشها الجرارة القلّة المؤمنة من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟!
... واليوم إذا استثنينا العلم والتكنولوجيا، وسألنا ماذا قدّمت الحضارة الغربيّة للبشرية؟! نعم، إذا استثنينا ما هو عام وعالمي، وسألنا: ماذا يمكن أن تُقدِّم الخصوصيّة الغربية للبشرية؟! ماذا عسى أن تكون إجابة رجل مثل بِرلسكوني، الرئيس الإيطالي، الذي تغنّى مؤخرًا بقيم بالحضارة الغربيّة؟ إنّ ما يحدث اليوم في أفغانستان وغيرها لهو شاهد على إفلاس هذه الحضارة الغربية وأُفولها، والمستقبل كفيل بإثبات ذلك. (1)
... جاء في الآية 92 من سورة الأنعام:"وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها ...". وجاء في الآية 7 من سورة الشورى:"وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أمّ القرى ومن حولها ..."واضح أنّ أم القرى هنا هي مكة. وقد يقال إنّ المقصود بذلك أنها العاصمة بمفهومنا المعاصر. وإذا علمنا بأنّ القرآن الكريم قد نزل إلى البشرية جمعاء، أصبح من المحتمل أن يكون المقصود بمن حولها: مجموع الناس. وقد سبق أن بيّنا في مقام آخر أنّ القرآن الكريم يجعل من مكة البؤرة والمركز، والمكان الذي ينسب إليه، ويقاس عليه، غيره من الأمكنة؛ فالمسجد الأقصى هو الأقصى بالنسبة إلى مكة، أمّا القصي فهو المسجد النبوي. وعليه يصح أن يكون المقصود بمن حولها: مجموع البشريّة. وإذا كان هذا صحيحًا فما المقصود بأم القرى؟
القَرْيُ: هو الجمع. ولما كان الناس يجتمعون في صيغة شعوب وقبائل، فقد سمّيت مجموعاتهم هذه قرى، وسمّيت كل مجموعة قرية. فالقرية إذن تعبر عن الاجتماع البشري. ولما كان هذا الاجتماع لا بد أن يكون في مكان، فصحّ أن يسمى مكان الاجتماع قرية. جاء في الآية 59 من سورة الكهف:"وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا": إنّ المقصود هنا أهل القرى، لأنّ القرى تطلق، كما قلنا، على الاجتماع البشري، وعلى مكان الاجتماع أيضًا. وعليه يحتمل أن يكون المقصود بأم القرى: أم الأمم. ومعلوم أنّ الأم هي الأصل الذي يصدر عنه الفرع. وهذا يقودنا إلى القول بأنّ مكة هي المكان الذي خرج منه الناس إلى بقاع الأرض المختلفة، أي أنّ مكة هي أول مكانٍ اجتمع فيه البشر، ومنه صدروا، وذلك بعد أن تكاثروا. وقد يعني هذا أنّ مكة هي أول نقطة التقاءٍ للبشريةِ بالأرض. ويبدو أنها كانت المكان الذي نزل فيه آدم، عليه السلام، أول ما نزل.
جاء في الآية 96 من سورة آل عمران:"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين". إذا كان أول بيت وُضِع، ليتعبّد فيه الناس، هو المسجد الحرام في مكة، فإنّ ذلك يعني أنّه مُغرق في القدم، والأقرب أن يكون قد وضع للناس في فجر البشرية، لأنه بعيد في العقل أن يبقى الناس فترة طويلة من الزمن لا يجتمعون في مكان يجمعهم على عبادة الله، وعلى وجه الخصوص عندما نعلم بأنّ آدم، عليه السلام، كان نبيًا، فهذا يعني أنّ البشرية قد بدأت مسيرتها في الأرض وهي تعرف الخالق وتعبده، ثم كانت الانحرافات بعد فترة من الزمن، فبعث الله سبحانه وتعالى نوحًا، عليه السلام، فكان أول رسول للناس.
فإن قيل إنّ قلة عدد الناس، في البداية، لا يحتم وجود مكان يجمعهم للعبادة، بل لا ضرورة لذلك. قلنا نعم هذا ممكن، ولكن إذا عرفنا أنّ مساحة الكعبة من الداخل لا يزيد كثيرًا عن (80 مترًا مربعًا) وإذا أدخلنا (الحِجر) فقد لا تتجاوز (100 متر مربع) . وعليه فكم يمكن أن يكون عدد الذين يحتشدون في مثل هذه المساحة من أجل أداء العبادة؟. ولا يتوقع أن تكون أول عبادة على صيغة طواف، وإلا فما معنى المساحة الداخلية، وما معنى أنه مسجد؟ وقد سئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الصحيح، عن أول بيت وضع للناس فقال، عليه السلام: المسجد الحرام. قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى ... ومعلوم أنّ المسجد الأقصى لا طواف عنده.
(1) المقصود ما حصل عند احتلال أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر المشهورة.