الصفحة 21 من 32

"إنّ أول بيت وُضِع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين". لفظة: (وُضع) تدل على أنّ الأمر كان بوحي سماوي، وتكليف ربّاني. أما لفظة: (بيت) فتدل على أنّ العبادة في البداية كانت في داخله. وأما لفظة: (للناس) فتشير إلى أنّه وضع لجميع الناس. وإذا كانت مساحة البيت هي ما ذكرناه آنفا، فانّ هذا يشير إلى عدد الناس القليل، مما يدل على أنّه قد وضع في فجر البشرية، أما جملة:"للذي ببكة مباركًا"فلها مقام آخر، إن شاء الله تعالى؟ وأما جملة:"وهدى للعالمين"فتؤكد أنّه وضع لجميع البشر. وإذا كان صحيحًا ما توصلنا إليه، من أنّ مكة هي أول مكان أقام فيه البشر وجودهم الاجتماعي، أفلا يصبح فهمنا للأمور الآتية أكثر وضوحًا:

أولا: أنّ حج الناس كل الناس يجب أن يكون إلى مكة.

ثانيا: أن أذان إبراهيم، عليه السلام، بالحج كان من مكة، وإلى الناس في كل مكان، كما توحي الآيات الكريمة من سورة الحج.

ثالثا: أنّ فريضة الحج يُخاطب بها الناس، في حين أنّ أركان الإسلام الأخرى يُخاطب بها المؤمنون. وأنّ أعلى نسبة تكرار لكلمة الناس هي في سورة الناس، ثم سورة الحج.

رابعا: أنّ لباس الحاج يكون بسيطًا بحيث يلغي الفوارق، فيعود الناس كما كانوا في أول اجتماع لهم على الأرض، فيذكرهم ذلك بأخوتهم الإنسانيّة.

هاجر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى يثرب. وقبل أن ينزل، عليه السلام، بيتًا من بيوتها كان قد حدد المكان الذي يُبنى فيه المسجد. وهذا الفعل يدل على أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي. ثم ما لبث الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن استبدل اسم يثرب باسم المدينة. ومن اللافت للانتباه أن تُسمّى مدينة ما باسم المدينة، وعلى وجه الخصوص عندما تُعرّف، فكأنّها وحدها المدينة.

أطال المفكرون والفلاسفة الحديث في أفضل صيغة ممكنة للاجتماع البشري، أو ما يُسمّى: المدينة الفاضلة. ولا شك أنّ المدينة الفاضلة هي حُلم البشرية منذ القديم وإلى يومنا هذا. وقد ظنّ الإنسان المعاصر أنّ الحلّ سيكون في التطور العلمي والتكنولوجي، إلاّ أنّ مرور عدّة قرون على النهضة العلميّة أثبت أنّ العلم وحده قاصر عن إيجاد المجتمع البشري الفاضل، بل إنّ التفكك الأسري، والاجتماعي، وانتشار الجرائم، وسيطرة الفلسفة العبثيّة، أصبحت من خصائص المجتمعات العلمانيّة المتقدمة علميًا وتكنولوجيا، فعاد الإنسان فيها، بعد طول معاناة، يحاول أن يستعين بالدين، ليعيد التوازن إلى مسيرته المتعثّرة.

كان مما نزل في المدينة بعد الهجرة:"كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله": تُعلن الآية الكريمة عن ميلاد ووجود المجتمع المنشود والمدينة الفاضلة، التي يبحث عنها البشر. ولم تَخرُج هذه الأمة نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي، فكل هذا مجرد وسائل ميسّرة للعيش ومساعدة على البقاء. بل إنّ التطور العلمي والمادّي، في المجتمعات الإسلاميّة، جاء ثمرة لصياغة الإنسان على مستوى الفكرة، والسلوك الفردي والاجتماعي. من هنا لم يكن من قبيل الصدفة أن يظهر، مثلًا، الإمام أبو حنيفة والإمام مالك، قبل ظهور الرازي وابن سينا وجابر بن حيان. وليس من قبيل الصدفة أيضًا أن يشتهر عَدل عمر بن الخطاب قبل اشتهار فقه الشافعي، أو فلسفة واصل بن عطاء ....

الإسلام عقيدة وشريعة، ودين منه الدولة. وإذا كانت الفلسفة يمكن أن تبقى فكرة نظرية بعيدة عن الواقع التطبيقي، فان الدين قد نزل من أجل أن يخلق واقعًا جديدًا في عالم الاجتماع الإنساني، ولا يجوز أن يبقى سجين الإطار النظري، ومن هنا كانت ضرورة الهجرة من مكة إلى يثرب. وبما أنّ الهجرة قد أوجدت الواقع الذي يجب أن يتحرك فيه الدين، فقد جاء الإعلان المجلجل عن ميلاد المدينة الفاضلة، التي يحلم بها الإنسان منذ فجره الأول. وإذا كانت التسمية للمولود تحمل الرغبة والأمل والتوقّع، فإنّ هذا كان واضحًا تمامًا في دلالة تغيير اسم (يثرب) لتصبح (المدينة) .

بعد هذا الحدث بأقل من عشر سنوات جاء الإعلان عن تخريج شعب المدينة الفاضلة:"كنتم خير أمة أخرجت للناس ...". وعليه فإذا أراد الناس أن يصنعوا مجتمعًا فاضلا، فان هذا هو المثال، وهذه هي المدينة الفاضلة. وليس غريبًا بعد ذلك أن نجد المسلمين، عبر العصور والى يومنا هذا، يتوقون بشدّة إلى المجتمع المدني الأول، وأن نجدهم يحكمون على كل المجتمعات الإسلامية، التي جاءت بعد المرحلة الراشدة، بالانحراف النسبي. ولا يزال الحنين الشديد إلى تلك الحقبة يشدُّ الجميع، ولا يزال الناس يتخذون من تلك المرحلة مقياسًا. ألا يدل كل ذلك بوضوح على أنّ المدينة الفاضلة ولدت ووجدت في مجتمع المدينة الأول من أجل أن تكون على مدى العصور مصدر الإلهام، والقدوة والميزان؟ وسيبقى كل ما سواها دونها، لأنّها أخرجت وخُرّجت لأجل الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت