المدّة الزمنية التي يُحتمل أن يكون سليمان، عليه السلام، قضاها فاقدًا للقدرة على الحركة، والقدرة على إدارة شؤون الدولة، لا بُدّ أن تكون فرصة للتدبر والتأمّل، وإعادة النظر في أمر المُلْك والسلطان، والنظر فيما يمكن أن يفعله الحاكم الذي يملك الجاه والسلطان والقوة. ويمكننا أن نتصوّر الأماني والأمنيات التي تجول في خاطر من فقد القدرة على الإدارة والحكم، وهو لا يزال على كرسيّه سلطانًا معترفًا به. إنّ هذه اللحظات الجليلة تجعل المرء يدرك أنّ الحَوْل والطَوْل كله لله. ومن يمرّ من الصالحين بمثل بهذه التجربة لا يمكن أن يغترّ بالقوة والسلطان، وعلى وجه الخصوص عندما يكون أوابًا منيبًا لله تعالى.
من يقرأ الآيات التي تلي هذه الآية يجدها مفعمة بالحركة، والقوة، والتسخير، والعطاء الوفير. ويجد سلطانًا يُعطى من كل شيء، ثم هو لا يحاسب:"هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب". والمتدبر للآيات يجد أنّ سليمان، عليه السلام، قد انتقل من النقيض إلى النقيض، تمامًا كحالة الصافنات الجياد؛ فسكون تلك الصافنات هو المقدمة الضرورية للحيويّة المتفجرة، والحركة الفعّالة. وقد لاحظنا هذا في حالة سليمان، عليه السلام، بعد شفائه من مرضه؛ فقد أصبح سلطانًا يوظّفُ كل ما سُخّر له من أجل رعيته، ومن أجل الحقيقة التي يؤمن بها، وقد بلغ عهده في الحضارة والمدنيّة الأوج، إلى درجة أن نجد الأمم التي جاءت من بعده تنسب كل شيء خارق وعظيم إلى عصره، عليه السّلام. فإذا كانت حالة الصفون في الخيل هي المقدّمة الضروريّة لحالة الجَود، فإنّ حالة سليمان، عليه السلام، في سكونه على كرسيّهِ كانت المقدّمة لإطلاق طاقاته الفاعلة، الموهوبة له من الله تعالى، لإحداث نقلة عظيمة في حياة البشر، وتكون على يديه، عليه السلام، تكريمًا له.
الإيمان هو التصديق، ولكنه التصديق الذي معه أَمْن. والإيمان في الدين يحقق الأمن الفردي والجماعي، الدنيوي والأخروي. وأنّى لغير المؤمن أن يحس بالأمن؟! لقد استعاض العلماء في فترة ما عن هذه اللفظة (الإيمان) بلفظة (العقيدة) والتي تدل على الجزم في التصديق. وتبقى لفظة (الإيمان) هي اللفظة التي نص عليها القرآن الكريم، والسنّة الشريفة.
يأخذ الإنسان المعرفة إمّا عن طريق العقل؛ كالمبادئ الرياضيّة. وإمّا عن طريق الحس؛ كالألوان. وإمّا عن طريق الخبر الصادق؛ كالمعارف التاريخيّة، والوحي الرّباني. ولا يوجد طريق رابع معروف لأخذ المعرفة. أمّا الإلهام والرؤى الصادقة فهي من الخبر الصادق، وهو ما يُعرَف في الدين بلمَّة المَلَك. ويمكن إرجاع ما يُسمّى بالتّخاطُر إلى حاسّة مجهولة في الإنسان. وإذا ما استعرضنا أركان الإيمان في الإسلام نجد أنّ ركن الإيمان بالله تعالى يثبت عن طريق العقل فقط. وأمّا ركن الإيمان بالملائكة فثبت عن طريق الخبر الصادق (الوحي) . وأمّا ركن الإيمان بالكتب فثبت عن طريق العقل، إذا كان المقصود القرآن الكريم، أمّا إيمان المسلم بالتوراة والإنجيل فيكون عن طريق الخبر الصادق، وكذلك الأمر في ركن الإيمان بالرسل؛ فإذا كان المقصود الإيمان برسالة محمد، صلى الله عليه وسلّم، فلا يكون ذلك إلا عن طريق العقل، ومن هنا كانت المعجزة. وأمّا إذا كان قصدنا الإيمان بباقي الرسل فيكون ذلك عن طريق الخبر الصادق، والذي هو هنا الوحي الثابت بالعقل. أمّا ركن الإيمان باليوم الآخِر، وركن القضاء والقدر، فيثبتان عن طريق الخبر الصادق.
على ضوء ما سلف نجد أنّ أركان الإيمان في الإسلام لا تثبت إلا من طريقين؛ العقل والخبر الصادق. أمّا الحس فليس من طرق إثبات القضايا الإيمانية، لأنّ الإيمان يتعلق بالمسائل الغيبيّة، ولا يتعلق بالمحسوسات؛ فالمعارف التي تؤخذ عن طريق الحس لا يتعلق بها إيمان. فلا نقول: نؤمن بوجود اللون الأحمر، مثلا. ولا نقول نؤمن بأنّ النار تحرق، وبأنّ الماء يروي ...الخ. وبذلك يتبين لنا خطأ من ينكر بعض القضايا الإيمانيّة بذريعة أنها غير محسوسة، لأنّ الحس هو طريق من ثلاث طرق تؤخذ بواسطتها المعرفة، وكل طريق يقودنا إلى معرفة تختلف تمامًا عن المعارف التي تقودنا إليها الطرق الأخرى. فمعلوم أنّه يستحيل على الأعمى، مثلًا، أن يدرك حقيقة الألوان، ولكنه يؤمن بوجودها عن طريق الخبر الصادق. فالألوان بالنسبة للمبصر هي قضية حسيّة غير إيمانيّة، وهي بالنسبة للأعمى قضية إيمانيّة غير حسّية.